تاريخ العرب قبل الإسلام
تاريخ العرب قبل الإسلام
أهمية الموضوع ومصادره :
تاريخ العرب قبل الإسلام من الموضوعات الطريفة التي يهتم بها الباحثون من العرب والمستشرقين الذين يعملون في حقول الدراسات العربية والإسلامية من : لغوية وتاريخية وفكرية ، أو حضارية على وجه العموم . والى عهد قريب كان كثير من الباحثين يكتفون بدراسة تاريخ العرب قبل الإسلام كمقدمة لما يقومون به من الأبحاث في العصور الإسلامية تحت عنوان : ” العصر الجاهلي ” .
ولما كان المقصود بالعصر الجاهلي هو الفترة التي سبقت الإسلام بما لا يتجاوز مائة سنة أو مائة وخمسين سنة ، على أكثر تقدير ، وهو التاريخ الذي يمكن أن يرجع إليه أقدم ما وصل إلينا من الشعر العربي الجاهلي ، أو من الأحداث التي عرفتها القبائل العربية مما عرف بأيام العرب أو أخبارهم (1) التي تداولها القصاص والرواة شفاهاً إلى أن سجلها أوائل المؤرخين الذين يعرفون بالإخباريين ، فإن هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبياً ، عندما يتعلق الأمر بتاريخ الأمم والشعوب ، لم تكن تسمح بأشقاء غليل المهتمين بالدراسات التاريخية من الباحثين عن جذور الحضارات والمنقبين عن أصول الأحداث ، ممن يتبعون منهج التحليل والتعليل ، ويرمون ردّ الظواهر الكلية إلى مكوناتها الجزئية .
وهكذا ظهرت الحاجة إلى توسيع مجال البحث زمنياً إلى ما وراء المائة وخمسين سنة من تاريخ بلاد العرب ، التي يكاد يشغلها ” العصر الجاهلي ” ، حتى يوافق من الناحية التاريخية ما اصطلح على تسميته بالعصور الوسطى المبكرة (من القرن الثالث إلى القرن الخامس للميلاد) ، بل والى فترات زمنية قد تبعد عن بدء التاريخ الميلادي بقليل أو كثير – حسبما يتطلبه البحث – مما يدخل في ميدان التاريخ القديم لكثير من الجماعات والشعوب التي عرفها العرب ، من : فارسية ومصرية ويونانية .
ولما كان مجال البحث في مثل هذا الإطار يخرج من دائرة ما اصطلح على تسميته بـ”العصر الجاهلي” – في نطاق تاريخ العرب – كان من المناسب اتخاذ تسمية أخرى لهذه الدراسة ، هي ” تاريخ العرب قبل الإسلام ” وهي التسمية المناسبة في اللغات الأوروبية ، مما يتيح الفرصة لمن يريد الوصول بعيداً في البحث ، على المستويين الزمني والإقليمي ، تحقيق مأربه .
وتوسيع مجال البحث بهذا الشكل له مزاياه – ككل شيء- وله أيضاً عيوبه : إذ لما كان القصد من الدراسة هو ” تاريخ العرب قبل الإسلام ” الذي هو مقدمة طبيعية لتاريخ العرب في العصور الإسلامية ، بمعنى أن الهدف منه هو زيادة التعرف على كنة التاريخ الإسلامي بالوصول إلى جذوره الضاربة في باطن الزمن ، كان التعمق في التاريخ العربي قبل الإسلام على قدر ما تسمح به الطاقة ، من المقاصد المطلوبة بالنسبة للباحثين ، وفق ما يتطلبه المنهج التاريخي الذي لا يعرف الفصل بين الماضي والحاضر .
وهكذا ، لما كان تاريخ العرب الحقيقي يبدأ مع قيام الدعوة الإسلامية ، التي أسست على مبادئها الدولة العربية الإسلامية التي أخرجت للإنسانية خلاصة عبقريتها ممثلاً في الحضارة العربية الإسلامية ، يصبح من الطبيعي ما نريد أن نؤكده من أن القصد من دراسة ” تاريخ العرب قبل الإسلام” هو أن يكون مدخلاً لـ” تاريخ العرب بعد الإسلام ” . ويكون من المرغوب فيه – إذن- التعمق في دراسة هذه الحقبة من تاريخ العرب من الناحية الزمنية – على قدر ما تسمح به وسائل البحث – وهذا هو الوجه الحسن من توسيع دائرة البحث رأسياً في باطن الزمن .
أما ما يخشى من مغبة الوقوع في محظوره فيتمثل في توسيع دائرة البحث أفقياً -أي إقليميا- خارج نطاق بلاد العرب ، لكي يستوعب تواريخ شعوب ودول غير عربية مما كانت لهم علاقات –قوية أو ضعيفة- بالعرب ، كالفرس واليونان والرومان بل والأحباش ، فالتوغل في تاريخ هذه الشعوب القديمة وحضارتها يخرج البحث من نطاقه العربي أصلاً إلي النطاق العالمي ، مما يترتب عليه الإخلال- بشكل أو بآخر- بالهدف من الدراسة ، وهو المدخل إلى تاريخ العرب وحضارتهم ، وما يمثله ذلك بالنسبة إلى تاريخ العالم وحضارته .
حقيقة أنه لا بأس من محاولة استقصاء حقائق التاريخ ومظاهر الحضارة في أكبر مجالاتها، على الصعيدين الزمني والإقليمي، ولكن الذي يخشى منه هو خروج الموضوع – في مثل هذه الخطة – عن حدود العربية المحددة لكي يختلط بتواريخ الأمم غير العربية وحضاراتها. وهذا ما أدت إليه نتائج الأبحاث التي قام بها عدد من المستشرقين في تاريخ الحضارة الإسلامية، عندما ردّوا – عن قصد أو عن غير قصد – عناصر هذه الحضارة إلى أصول غير عربية، من: فارسية ويونانية وهندية ورومانية، فضيعوا دور العروبة أو ضاعت منهم عبقرية العرب بين تراث الشعوب الأخرى.
ولقد ترب على ذلك أننا كثيراً ما نجد طريقة البحث متأرجحة ما بين هاتين الخطتين فان النظر إلى تاريخ العرب من الناحية العربية البحتة، وهذا يعبر عن ضيق زاوية الرؤية وينتهي بالتخصيص الذي يؤدي – بطبيعة الحال-إلى نوع من القصور. وأما النظر إلى تاريخ العرب من خلال التاريخ العالمي المحيط به، مما يؤدي إلى التعميمات المخلة أو الافتراضات التي تنقصها البراهين المعتبرة.
وهنا يمكن القول أن الطريقة الوسط التي تأخذ بعين الاعتبار ضرورة الالتزام بكنه الموضوع العربي، والتي لا تهمل إطاره الخارجي المتمثل في علاقات العرب بغيرهم من الشعوب والدول المحيطة بهم، يمكن أن تمثل المنهج المعقول الذي يحفظ للعرب دورهم في التاريخ والذي لا ينكر على غير العرب دورهم فيما قام به العرب .
ولا شك أن تحقيق مثل هذا البرنامج يتطلب المعرفة بأحوال العرب في جاهليتهم ، سواء كانت قبل ظهور الإسلام أو كانت موغلة في القدم ، كما يتطلب الكثير من المعارف الخاصة بالشعوب الكثيرة والدول التي كانت لها علاقات بالعرب في تلك الأزمان البعيدة . ومع أننا لا ندعي القدرة على امتلاك هذا أو ذلك ، ومع أننا نعتبر أن ما سنكتبه في الموضوع لن يتعدى ملاحظات ليست جديدة في جملتها ، فإننا سنحاول أن نلفت النظر ، في بعض المواضع ، الى إمكانية التوفيق بين لب الموضوع العربي وإطاراته الأجنبية خلال عملية التطور البطيئة على مر العصور .
المصادر : تعريف عام
إن تحديد الفترة التاريخية بما ” قبل الإسلام ” بدلاً من “الجاهلية ” يمكن أن يغير من طبيعة وسائل الدراسة تغييراً جوهرياً. فإذا كان العصر الجاهلي لا يمتد فيما قبل الإسلام إلى أكثر من 150 عاماً ، فان مصادر البحث يمكن أن تقتصر – حينئذ – على التراث العربي ممثلاً فيما بقي لنا من شعراء الجاهلية وأخبار القبائل العربية التي تناقلها القصاص والرواة شفاهاً الى أن دونت في الإسلام ابتداء من العصر الأموي ، وفي العصر العباسي على وجه الخصوص .
ولما كانت الرواية الشفهية عرضة للتغيير والتحوير ، فإن الخبر قد يتغير جزئياً إلى حد ما أو قد يمسخ مسخاً تاماً مما يؤدي إلى تحول الرواية إلى أسطورة ، كما يؤدي – على العكس من ذلك- إلى تحول الأسطورة إلى حقيقة تاريخية . وهذه هي الآفة الكبرى التي تعاني منها أخبار هذه الفترة ، ليس بسبب طبيعة الرواية الشفوية التي يصعب التحكم في دقائقها فقط ، بل بسبب ما كان للنزعات القبلية والنعرات الشعوبية والخلافات الدينية أو المذهبية إلى جانب الأغراض الشخصية والأنانية من الأثر فيها .
ولقد ظلت هذه الأخبار محتفظة بهذه السمات – وكأنها عقائد راسخة أو هياكل ثابتة – بعد أن دونت في العصر العباسي ، وحتى بعد أن عرف الاخباريون والمؤرخون وأهل الحديث أصول النقد العلمي ، المتمثلة فيما عرفوه بـ” الجرح والتعديل ” وبلغ الأمر إلى حد أنه لم تسلم من مثل هذه الآفات أخبار الفترة الأولى من تاريخ الإسلام ، وخاصة ما يتعلق منها بالتوسع الإقليمي أو فتوح البلدان .
والى جانب كتب الإخباريين توجد أخبار الفترة السابقة على الإسلام من ذلك العصر الجاهلي في المصادر الإسلامية الأصلية على أنواعها ، من القرآن الكريم وتفسيره بمعرفة كبار العلماء والفقهاء ، والأحاديث النبوية الشريفة التي اعتنى بجمعها الأئمة والحفاظ ، وما يتصل بذلك من سيرة الرسول وأخبار الأنبياء والرسل ومن تبعهم من أهل الكتاب وغيرهم .
النصوص الجديدة:
هذا عن ” العصر الجاهلي ” المحدد المعالم. أما عندما يتعلق الأمر بما ” قبل الإسلام ” ، على وجه الإطلاق دونما تحديد للبداية ، فإن مصادر البحث تتعدد وتتنوع ، وخاصة فيما يتعلق ببلاد العرب الحضرية ، في جنوب الجزيرة العربية حيث بلاد اليمن ” السعيدة ” ، وفي الشرق حيث العراق وفارس ، وفي الشمال الغربي حيث عرب الشام والروم ومصر ، فتاريخ اليمن يمكن أن يذهب بعيداً إلى ألف سنة قبل الميلاد وأكثر ، وتاريخ العرب في العراق وعلاقتهم بفارس يمكن أن يذهب إلى عدة قرون قبل الميلاد ، دون الإشارة الى تاريخ السومريين والبابليين والآشوريين البعيد ، ومثل هذا يمكن أن يقال عن تاريخ عرب الشام وعلاقته بتاريخ اليونان والرومان ، بصرف النظر عمن يتوغل بعيداً في تاريخ مصر الفرعونية وعلاقته بتاريخ جزيرة العرب وشعوبها الشمالية .
ولقد بدأ المستشرقون فعلاً في الكشف عن الآثار الموجودة في بلاد العرب الحضرية – من الشمال الى الجنوب – وفي فك رموز ما عليها من الكتابات والنقوش منذ الوقت الذي بدأت فيه المحاولات الجدية لفك رموز الكتابات المصرية القديمة ، أي منذ ” قرن ونصف قرن ” تقريباً ، مع فارق الصعوبات الجمة التي تجشمها أولئك الذين تجولوا في صحراوات بلاد العرب من أجل هذا الغرض ، والذين كان عليهم في كثير من الأحيان ، أن يقوموا بمجهوداتهم الفردية وهم يظهرون بمظهر العرب أو المسلمين .
الكتابة العربية الجنوبية
لقد تكللت هذه المجهودات الفردية بجمع أعداد كثيرة من النقوش العربية اليمنية القديمة التي قسمت بعد الدراسة الى مجموعات من الكتابات ، منها : المعينية والقتبانية والحضرمية والسبائية والحميرية ، وهي مما عرفه الكتاب العرب باسم كتابة أو خط ” المسند” ، وهو نفس الاصطلاح الذي أطلقوه على النقوش المصرية القديمة .
والحقيقة أن هذه الكتابات ترجع جميعاً الى أصل واحد ، فالقرابة قريبة فيما بينهما ، والظاهر أن ما طرأ عليها من الاختلاف كان نتيجة طبيعية لمرور الزمن وتنوع البيئة ، ولهذا حق لكتاب العرب الذين عرفوا الكتابات اليمنية القديمة ووجدوا شبهاً بينها وبين خطوط المصاحف الأولى ، فقالوا أنها كتابة مقدسة وأن جبريل هو الذي أوحى بحروفها الى هود ، أن لا يفرقوا بينها وأن يطلقوا عليها جميعاً أسم الخط ” المسند” أو الخط الحميري ، نسبة الى دولة اليمن الشهيرة بحمير.
الكتابة العربية الشمالية
أما عن الكتابات “العربية الشمالية “التي عثر عليها في بادية الشام والعراق ، وفي الأقاليم الشمالية من الحجاز وفي سيناء فإنها قليلة إذا ما قيست بالنقوش الوفيرة التي عثر عليها في اليمن – وهذا أمر طبيعي – ، إذ الكثرة والقلة هنا تتناسب طردياً مع الخصب والجدب ، أي مع أحوال الحضارة والبداوة التي تسمح بتكون الدول أولا تسمح . وتنقسم الكتابات الشمالية التي عثر عليها المستشرقون الى عدة مجموعات ، منها : النبطية والآرامية ( أم الكتابة العربية الحالية ) والثمودية والصفوية واللحيانية . وهذه عرفها الكتاب العرب أيضا باسم ” المسند” على زعم أنها نوع من الكتابة اليمنية ، ولهم العذر في ذلك بسبب وفرة نقوش اليمن ، ولأن كثيراً من قبائل الشمال كانت يمنية الأصل . والحقيقة أن هذه الخطوط الشمالية يمنية الأصل حملتها القبائل التي هاجرت من الجنوب إلى الشمال في العصور التاريخية المختلفة ، ولكنها تأثرت في مواطنها الجديدة بالشمال بمؤثرات محلية متنوعة ، مثل الخط الفينيقي والسرياني ( المتمثل في الآرامي ) ، وكذلك الخط المديني قبل أن تعود الى الحجاز في شكل الخط الذي استخدمته قريش قبيل الإسلام ، والذي استخدم في كتابة الوحي وجمعت فيه المصاحف الأولى .
ولما كان معظم النقوش العربية سواء في اليمن أو في شمال الجزيرة لا يحمل التواريخ التي تحدد أزمانها من – ولو أن بعضها تميز بما حمله من تواريخ محلية – ولما كان معظمها يتناول أحداثاً محلية أو يتعلق بأمور شخصية من زواج أو مثيرات أو وصية بعد وفاة أو تقديم قربان لاله من الآلهة ، مما لا يساعد كثيراً على تحديد العصر ، اضطر الباحثون الى التنقيب في “تواريخ العراق القديم ومصر والشام وفارس واليونان والرومان ، وذلك في محاولاتهم للتعرف على الأحداث أو الأشخاص ، موضوع هذه النقوش ، وتحديد أزمنتهم .
وهكذا اتسعت دائرة البحث وتطلبت الكثير من أدواته في المجالات اللغوية والتاريخية والحضارية ، مما لا يتهيأ إلا للقلة من المتخصصين . وبفضل مجهودات هؤلاء أمكن إلقاء الأضواء على عدد عديد من النقاط التفضيلية الخاصة بأحوال العرب في أقاليمهم المتفرقة ما بين الجنوب والشمال والشرق والغرب ، والى أعماق بعيدة في زوايا التاريخ . والى جانب ما أضافته هذه الوثائق من المعلومات الجديدة فإنها ساعدت أيضاً على تفهم كثير من الأحداث التي اتصفت الغموض وصححت كثيراً من المعلومات القديمة الخاطئة ، كما أيدت بعض المعلومات التي كان يظن أنها ذات طابع أسطوري أو خرافي . والأمل أن تستمر الجهود وأن يوفق الباحثون في العثور على وثائق جديدة تميط اللثام عن حقب ما زالت مجهولة في تاريخ بلاد العرب قبل الإسلام، وتلقى بأضواء جديدة على ما غمض من هذا التاريخ.
ونكتفي هنا بالإشارة الى إنجازات عدد من مشاهير العلماء والرحالة الأوروبيين الذين عملوا في هذا الميدان ، ومنهم :
- الدنمركي : كارستن نيبور ، صاحب الرحلة المشهورة الى اليمن(1761- 1763م).
- الفرنسي : توماس أرنو ( الذي تقرب الى الأعراب وزار مأرب وصنعاء)(1843م).
- الإنجليزي : كوجلان ( الذي حصل من الأعراب على عدد من اللوحات الهامة) ( 1860م)
- الفرنسي : يوسف هاليفي ( الذي تنكر في زي يهودي متسول وزار نجران وصنعاء ) (1870م).
- النمساوي : ادوارد جلازر ( وهو من اشهر العاملين في هذا الحقل ، وقام بأربع رحلات الى اليمن جمع فيها عدداً هائلاً من النصوص القديمة (1882- 1894م).
- الأمريكي : وندل فيليبس (رئيس البعثة الأمريكية التي عملت في منطقة صنعاء (1950 – 1952م).
هذا الى جانب العدد العديد من المستشرقين والعلماء المتخصصين في اللغات السامية الذين عكفوا على دراسة هذه النصوص ، ونشروا ما استخلصوه من نتائج هذه الدراسة . ومنهم ك مولر وليد زبركسي وهومل وجويدي ، وغيرهم .
هذا ونود أن نخص بالذكر عالمين عربيين كان لهما فضل التعريف بالكشوف الأثرية الجديدة ، أولهما الأستاذ جرجي زيدان الذي يعتبر بحق رائد المؤرخين العرب المحدثين في هذا المجال بفضل كتابة الممتاز في ” العرب قبل الإسلام” الذي أتمه في سنة 1908 ، والذي نسق فيه بين تراثنا العربي الخاص بعصور العرب الجاهلية وبين ما وجد في مؤلفات اليونان والرومان من هذا التاريخ ( من هيرودوت وديودور الصقلي وسترابون وبطليموس وغيرهم ) ،وبين ما قدمته النصوص الأثرية من معلومات جديدة.
أما العالم الآخر فهو الأستاذ جواد علي ، وله مكانته الخاصة في مجال تاريخ العرب قبل الإسلام ، بفضل موسوعته الكبيرة التي أنفق فيها الكثير من الجهد والتعب ، والتي نشرها مساعدة جامعة بغداد في أول الأمر تحت عنوان :”تاريخ العرب قبل الإسلام ” في ثمانية مجلدات كبيرة ، ثم أعاد نشرها في بيروت ، مع إضافات وتنقيحات في تسعة أجزاء ضخمة ، تحت عنوان :”المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ” . فهذه الموسوعة – وان سارت على الطريقة التقليدية ، من جمع شتات المعلومات الغزيرة والمتنوعة في كل مظانها ووضعها جنباً الى جنب ، فإنها بفضل منهجها هذا ، وبفضل آراء صاحبها القيمة في كثير من الموضوعات ، تسهل على الباحثين العرب التعرف على المعلومات الأساسية اللازمة للبحث في هذا الموضوع ، سواء في المصادر العربية القديمة والحديثة أو في الكتب والمجلات العلمية الأوروبية الحديثة .
وهكذا تصبح موسوعة الأستاذ الدكتور جواد علي مرجعاً لا غنى عنه لمن يريد معرفة المصادر ، ومنهلاً يستقي منه الذين يكتبون في تاريخ العرب في الجاهلية ، وفيما قبل الإسلام .
المصادر العربية الأساسية :
رغم أهمية الكشوف الأثرية والدراسات اللغوية ، ورغم اتخاذ عنوان ” تاريخ العرب قبل الإسلام ” بدلاً من ” تاريخ العرب الجاهلي ” ،فإننا نكرر ما سبق أن أشرنا إليه من أن أهمية الموضوع تظل تتخلص في أنه مدخل لتاريخ العرب الحقيقي أي تاريخ العرب منذ قيام دولة الإسلام ، وهو تاريخ العرب القومي الذي يستمر حتى الآن ، وذلك بهدف ملاحظة التطورات التي طرأت على مجتمع العرب عبر العملية التاريخية المعقدة التي أدت الى ظهور الإسلام ثم تطور المجتمع العربي الإسلامي على مر العصور . وإذا كان الأمر كذلك فإن المصادر العربية الأولى في تاريخ هذا العصر تظل لها الأولوية في مجال البحث .
الإسلام والتاريخ العربي الجاهلي :
فمن المعروف أن الإسلام أتى ليهدم النظام السيئ الذي وجده في بلاد العرب ( في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع للميلاد ) وليقيم نظاماً جديداً . وإن هذا النظام خرج على التقاليد البالية التي كرست التفتيت بين سكان جزيرة العرب والتشتت، على المستويات الدينية والاجتماعية والسياسية وأحل مكانها ” مبادئ وحدوية ” على نفس هذه المستويات نجحت في إشاعة الألفة وحققت وحدة العرب ، تلك الوحدة التي اعتبرها كثير من الباحثين الأوروبيين المعجزة الحقيقية للنبي .
ولكنه إذا كان صحيحاً أن الإسلام هدم نظام العرب القديم ، فإنه ليس من الصحيح – على وجه الإطلاق – أن الإسلام وقف يعادي بعناد ، كل ما عرفه العرب في نظامهم القديم الى حد تحريم ذكره أو الإشارة إليه ، وخاصة على المستوى الديني . وهو الأمر الذي شاعت على أساسه فكرة أن الإسلام حرم استخدام الصور البشرية والحيوانية في فنونه ، أو انه حرم محاكاة الطبيعة بسبب عدائه لما كان سائداً من عبادة الأصنام قبل الإسلام – هذا الى جانب الفرضية الأخرى التي تنعى على العرب سذاجتهم التي منعتهم من إتقان التصوير الإنساني أو الحيواني أو تمثيل مظاهر الحياة الحية ، وهي مما ينفيه تاريخ العرب القديم .
والحقيقة أن الإسلام لم يكن معادياً للصور الإنسانية أو الحيوانية أو غيرها لذاتها بل كان مناهضاً للطقوس البالية التي كانت تجري حولها ، وهذا ما يفسر كيف أن الإسلام حفظ لنا كثيراً من المعارف الخاصة بتقاليد العرب الدينية والاجتماعية ، كما عرفنا بكثير من آلهة العرب وأصنامها .
القرآن الكريم :
فالقرآن الذي يعتبر مصدراً رئيسياً لدراسة التاريخ الإسلامي منذ بدايته وحتى أيامنا هذه ، على أساس انه دستور الإسلام الذي ينظم الحياة العامة والخاصة بكل المسلمين ، مهم أيضاً بالنسبة لدراسة العصور العربية السابقة على الإسلام . ففيما يتعلق بديانات العرب ومعتقداتهم في العصر الجاهلي توجد الآيات الكثيرة التي تشير الى أصنام العرب وآلهتهم وطقوسهم الدينية ، إلى جانب عاداتهم ، من واد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر ، وغير ذلك هذا كما توجد آيات تشير إلى معرفة العرب لعدد من الديانات القديمة ، من سماوية مثل : اليهودية والنصرانية والحنيفية ، وغير سماوية مثل : المجوسية والصابئية .
وفيما يتعلق بحياة العرب اليومية هناك ذكر لنشاطاتهم الاقتصادية وعلاقاتهم التجارية ، كما تشير الآيات الى سير قدامى الأنبياء وشعوبهم ، وفي هذا المجال ذكر لعدد من القبائل العربية القديمة التي لم يكن لها وجود عند ظهور الإسلام مثل : عاد وثمود وارم وغيرها ، وبيان للظروف التي أدت الى فناء هذه الشعوب من تقلبات طبيعية شديدة أو انهيارات للسدود .
الحديث والتفسير والسيرة :
ولما كان الحديث يهدف إلى تفسير القرآن – حتى قال البعض أنه إذا كان لا يستغني عن الحديث فإن الحديث يمكن أن يستغني عن القرآن ، وربما كانوا يعبرون بذلك عما حدث فعلاً في بعض العصور عندما اهتم العلماء بالحديث في شكل علم الفروع حتى غلب على علم الأصول – احتوت مجموعات الأحاديث النبوية على مسائل تفصيلية خاصة بهذه الموضوعات التي تناولها القرآن . ولقد استخدم مفسرو القرآن – مثل الطبري – هذه الأحاديث وكذلك الروايات ذات الطابع اليهودي ، مما عرف بالإسرائيليات ، أو النصارى التي نقلها ” مسلمة” اليهود والنصارى ( مثل كعب الأحبار ، وعبد الله بن سلام ، وغيرهما ) وخاصة ما يتعلق منها بسير الرسل والأنبياء وكثير من هذه المعلومات أقرب إلى الروايات الشعبية منه إلى الأخبار العلمية الصحيحة ، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في المقدمة وفي التاريخ في أكثر من موضوع .
وما يقال عن التفسير والحديث يمكن أن يقال عن كتب السيرة النبوية ، إذ تعرضت لكثير من موضوعات تاريخ العرب قبل الإسلام مما ورد في القرآن والحديث ومما يتعلق بسير الأنبياء والرسل ، والتي اشتملت على كثير من أشعار العرب القديمة لتؤيد بها ما سجلته من أحداث . ولما كان كثير من الأخبار التي حوتها أقدم السير ، وهي التي جمعها ابن اسحق ( توفي سنة 151هـ /768م) من ذلك اللون الشعبي الذي أشرنا إليه فقد حق لان هشام ( توفي سنة 218هـ / 824م ) أن ينقح تلك السيرة – حسبما تيسر له- وأن يرفع منها ما شك فيه من الأخبار ، وما رأى أنه منحول من الشعر الجاهلي.
الشعر الجاهلي :
والشعر الجاهلي يعتبر من أهم مصادر معارفنا عن حياة العرب في جاهليتهم . فالشعر هو الذي يعبر عن عبقرية العرب الممثلة في مقدرتهم اللغوية وفي فصاحتهم التي فاخروا بها بقية الشعوب . وإذا كان القرآن قد أشار في بعض الآيات إلى مساوئ الشعراء ممن ناهضوا النبي والدعوة ، فإن هذا لا يعني موقفاً عدائياً من جانب الإسلام للشعر ذاته ، كما هو الحال بالنسبة للصور والأصنام . وفي ذلك ينسب إلى معاوية أنه كان يحب الاستشهاد بالشعر ، ويقول : الشعر ديوان العرب والدليل على أحاديثها وأفعالها ، والحاكم بينهم في الجاهلية ،وأنه كان يتبع ذلك بقوله : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” إن من الشعر لحكماً ” (1) . والحقيقة أنه لما لم يكن العرب من أهل التدوين والكتابة في مطلع الإسلام كان الشعر – بفضل أوزانه وصوره وبيانه أقرب النماذج اللغوية إلى القلب ، وبالتالي إلى الحفظ .
وهكذا حفظت لنا الأشعار القديمة صورا من حياة العرب في الجاهلية ، في الجد واللهو والحب والبغض ، وفي أيام الخصب والرخاء وأيام القحط والبؤس ، وفي أوقات السلم والحرب ، وفي الزهد والتدين والترف والفجور وعلى الجملة في كل ما عرفوه وعاشوه . ولكن ذلك كان الشعر مرجع علماء اللغة العربية الأول عندما بدؤوا يضعون قوانينها وقواعدها ، كما رجع إليه مفسرو القرآن وأصحاب الحديث والسيرة ، وكذلك أصحاب الأخبار من المؤرخين ، ومن اشتغل بوصف جزيرة العرب من الجغرافيين .
ومن اشهر شعراء الجاهلية الذين يستفاد من شعرهم في هذا الموضوع امرؤ القيس ، والنابغة الذبياني ، وطرفة بن العبد ، والمتلمس ، وعمرو بن كلثوم ، كما يستفاد من شاعر النبي المخضرم حسان بن ثابت . فلقد أمدنا هؤلاء بمعلومات هامة عن أحوال كل من دول المناذرة بالحيرة والغساسنة بالشام وملوك كندة في نجد والحجاز . وكانت أشعارهم من الأصول التي استندت إليها الأبحاث الحديثة في تاريخ العرب الجاهلي ، مثل أبحاث “جويدي” وأبحاث “نولدكه” بن في بني جفنة أمراء غسان .
” المدونات الأولى في العصر الإسلامي “
” المصادر الأولية للتاريخ العربي القديم “
الأخباريون الأول :
” كتاب أخبار اليمن ” لعبيد بن شريه (1) وتتلخص أهمية هذا الكتاب في انه يمثل نموذجاً من نماذج طلائع المدونات الأولى في عصر الإسلام . فتدوين الكتاب تمّ على “أواخر أيام معاوية ” ، عندما صارت المسامرة وأحاديث من مضى أفضل لذات الخليفة المسن أي قبيل سنة 60هـ . أما صاحب الكتاب فهو عبيدة بن شريه الجهرمي الذي يمثل عصر المخضرمين أحسن تمثيل ، إذ أنه وهو يسامر معاوية كان يبلغ من العمر حوالي ” 150 سنة ” كما تقول الرواية بشيء من المبالغة على ما نظن ، وهي تؤكد أنه أدرك ملوك الجاهلية من لخم وغسان ، وشهد دخول الحبشة من اليمن إلى الحجاز ورجمها البيت الحرام (1) ، بمعنى أنه كان قد تجاوز الربعين عند مولد النبي .
أما عن منهج الرواية وطريقة تدوينها فهو طريف ، إذ يطلب معاوية الكتاب لتدوين ما يسمعه ، وعبيده يطلب الأمان من الخليفة قبل أن يبدأ الحديث خشية ألا يعجب معاوية ، ربما من الناحية الدينية أو العصبية أو من حيث ما كان متعارفاً عليه وقتئذ من أخبار الجاهلية ، خاصة وان العدنانية كانوا يجهلون أخبار اليمن ، كما يصرح عبيده (2).
وهذا ما حدث فعلاً عندما قال عبيده : إن إبراهيم هو أبونا وأبوكم فنحن ولدناكم وانتم هنا ونحن منكم ، فقال معاوية : كأنك تحدث عن حديث الجاهلية : ” وعندما رد عبيده : ” يا أمير المؤمنين لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك فقد محق الإسلام ما كان قبله كما محقت الشمس ضوء القمر ” ، طيّب معاويه خاطره ، وقال له : ” عزمت عليك ألا حدثتني عما أسألك
عنه “(1).
معاوية يطلب دعم الرواية القصصية بالشعر
وخلال الحديث لا يكتفي معاوية بالرواية القصصية بل يطلب تدعيمهما بالشعر ، فهو يقول لعبيده :” وأبيك لقد أتيت وذكرت عجباً من حديثك عن عاد وقد علمت أن الشعر ديوان العرب والدليل على أحاديثها وأفعالها ، والحاكم بينهم في الجاهلية ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول :” أن من الشعر لحكماً ” (2).
أما عن موضوع الرواية ( أو الكتاب ) فيمكن أن يقسم بشكل عام – بصرف النظر عن الاستطرادات هنا وهناك – إلى ثلاثة أقسام :
أقسام الكتاب :
- الأول خاص بتوزيع القبائل ( العربية القديمة ) من بابل إلى الجزيرة العربية من بعد نوح مع إشارات إلى توزيع الترك والصقالبة والسودان والبربر من حفدة نوح الآخرين .
- والثاني خاص بناية العرب البائدة ، من آل عاد ( الأولى والآخرة ) ، وقوم ثمود وجرهم ، والظروف التي هلكوا فيها ، وأخبار أنبيائهم وصلحائهم ، من هود وصالح ولقمان .
- والثالث خاص بأخبار ملوك اليمن القدامى ، ابتداء من أول ملوكهم ” سبأ” وانتهاء بحسان بن تبع اسعد الكامل ، وهلاك ملسم وجديس ( العماليق ) باليمامة على أيامه . وتفوز بلقيس وسليمان – بطبيعة الحال- بنصيب وافر من الرواية .
والذي نلاحظه أنه إلى جانب القصص الأسطوري ، تحوي الرواية في ثناياها معلومات هامة ذات طابع جغرافي عن بعض نواحي بلاد العرب ، مثل : الأحقاف والحجر ووادي القرى واليمامة . وعن مسميات الرياح عند العرب ، وأسماء سنوات القحط والجفاف ، وأسماء الأيام في الجاهلية ، إلى جانب ذكر عدد من الأصنام ، وشيء من الطقوس الدينية العربية القديمة .
وهكذا فرغم أن الرواية مليئة بالقصص الشعبي الذي كان سائداً وقت تدوينها ، والذي أصبح تسجيله امراً تقليدياً عند من أتى بعد عبيده ابن شريه من الكتاب ، حتى عند ألئك الذين عرفوا المنهج العلمي في النقد التاريخي ، مثل المسعودي وابن خلدون ، فان الكتاب يعتبر من المصادر الأولية للباحثين في التاريخ العربي القديم .
كتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منيه(1)
يعتبر وهب بن منيه ( ت 110هـ /728م ) من الطبقة الأولى للإخباريين ، إذا ما جعلنا مكانة خاصة لعبيد بن شريه بصفته من أوائل القصاص الذين دونت أخبارهم وتناقلها الكتاب فيما بعد ، ومنهم وهب بن منيه صاحب كتاب التيجان كما نقل عنه الهمداني ( توفي 334هـ / 945م ) في كتابه الإكليل.
وابن منيه يمني يهودي الأصل ، ولهذا ينسب إليه الكثير من القصص الإسرائيلي الذي دخل في مؤلفات المسلمين . والظاهر أنه كان يدعي العلم بالكتب المنزلة القديمة جميعاً ، وانه كان ينقل منها مباشرة . فهو يبدأ الكتاب بقوله :قرأت ثلاثة وتسعين كتاباً مما أنزل على الأنبياء ، فوجدت فيها أن الكتب التي أنزل الله على جميع النبيين مائة كتاب وثلاث وستون كتاباً (1). وهذا الأمر المستغرب يدعو – بطبيعة الحال- إلى التأمل فيما يكتب – وهنا تبدأ بالإشارة إلى أن ابن منيه لا يوافق على استخدام العقل عند النظر في العلوم الدينية ، فهو يهاجم استخدام القياس ، ويقول عمن يستخدمونه ، انهم “أرادوا أن يدركوا علم الغيب بالقياس “(2).
وممن نقل عنهم وهب بن منيه – إلى جانب عبيد بن شريه – محمد بن السائب الكلبي ( والد هشام صاحب كتاب الأصنام ) ،وهو حجة في أحوال العرب قبل الإسلام ، ولو أن معاصريه كانوا يتهمونه بالكذب ، كما سنرى .
وحطة كتاب التيجان – الذي يقع في أكثر من 300 صفحة – أشبه ما تكون بخطة أخبار اليمن لعبيد بن شريه إذ يمكن القول أن الكتاب يكاد يعالج نفس الموضوعات الثلاثة ، وهي :
” موضوعات الكتاب “
- بداية مران العالم بآدم وأولاده ثم العمران الثاني بنوح وبنيه ( سام وحام ويافت ) الذين تفرق أبناؤهم في أرجاء الجزيرة العربية ، ثم في أنحاء العالم وهي الخطة الإسرائيلية الأصل ، التي أصبحت تقليدية بالنسبة ” لرسم شجرة النسب الإنسانية ” ، إلى أن ظهرت ، في الحديث ، طريقة تقسيم الشعوب إلى مجموعات لغوية .
- الشعوب العربية البائدة ، مثل عاد الأولى والآخرة ، والعمالقة ( ومنهم طسم وجديس ) ، وثمود وجرهم .
- ملوك اليمن ، أولهم ” يعرب بن قحطان ” وأخرهم ” سيف بن ذي يزن” بمعنى أنه لم يقف عند التبابعة وهو حسان بن تبع ، كما فعل عبيد بن شريه ، بل اتبع ذلك بملك الحبشة لليمن على يدي أبرهة ثم تحرير البلاد منهم على يدي سيف بمعونة كسرى . وبناء على ذلك يبلغ ملوك اليمن عنده أكثر من 30 ملكاً وهو ضعف العدد الذي يقدمه عبيد بن شريه في قائمته .
وهذا لا يعني أن كتاب التيجان يقف عند هذه الموضوعات ، فالكتاب يعرض في ثناياه موضوعات فرعية أخرى ، منها ما هو خاص بالتعريف بالبلاد ، ومنها ما يتعلق بديانات العرب وبأيامهم وعاداتهم وتقاليدهم . كما أن الصعلكة ودفائن اليمن ومقابرهم القديمة ، بما تحويه من نصوص المسند والذخائر الثمينة ، تحظى باهتمام المؤلف .
وربما كان من مميزات الكتاب الهامة أنه رغم تخصصه في أحوال اليمن وملوكها القدامى فإنه يعرض لأحداث الأقاليم العربية الأخرى ، من :الشام والعراق والحجاز ، وما قام فيها من مماليك : الحيرة وغسان وكندة وغيرها ويستشف من ذلك – رغم الرواية ذات الطابع الأسطوري في كثير من الأحيان – أن العلاقة كانت وثيقة بين كل أجزاء جزيرة العرب في التاريخ القديم ، وهو الأمر الذي يثبت أن فكرة الوحدة الجغرافية والبشرية كانت الفكرة المسيطرة على قلوب الكتاب العرب ، رغم ما يشيرون إليه من الصراعات والنزاعات بين القبائل والشعوب .
ومن الموضوعات التي اهتم بها وهب أحوال مكة والبيت الحرام ، واللغة العربية وكيف انتشرت ، وحكماء العرب وما ينسب إليهم من الأقوال ، مثل : قس بن ساعدة وربيع بن ضبيع بن وهب ” ويظهر على وهب بن منيه بالإسرائيليات ” عندا يعالج موضوعات الأنساب ، وقصة بلقيس وسليمان ، وقصة داود وجالوت .
وهكذا يصبح كتاب التيجان موسوعة هامة ليس في تاريخ بلاد اليمن قبل الإسلام فقط ، بل في تاريخ الجزيرة العربية وأحوالها . ولا يقلل من أهمية الكتاب – مثل غيره من كتب هذا النوع من الأدب التاريخي – ما يحويه من الروايات القصصية أو الأخبار الأسطورية ، من : طول العمار وعظم هامات الرجال ، فلقد صارت هذه المعلومات تقليدية ، يسجلها الكتاب حتى أولئك الذين ينتقدونها ويدفعون بعدم صحتها .
كتاب الإكليل للهمداني (1)
وبعد وهب بن منيه نذكر الهمداني ( توفي سنة 334هـ/945م ) الذي يحقق بمؤلفاته ذروة التخصص في تاريخ العرب قبل الإسلام ، وذلك بفضل موسوعته الكبرى المعروفة بكتاب ” الإكليل ” الذي وضعه في عشرة أجزاء . والهمداني المشهور ” بابن الحائك ” يمني ينتسب إلى قبيلة همدان الكبيرة ، عرف بأنه من أعلم علماء زمانه في اللغة والرياضيات والشعر والأنساب . ولقد تعرف بمكة على الرجال من جميع البلدان والطبقات ممن كانوا على علم بديار العرب حتى عرف بالنسابة . وكان ذلك مما سمح له بتأليف كتابه المشهور في ” صفة جزيرة العرب ” الذي استفاد منه البكري في كتابه ” معجم ما استعجم ” ، كما استفاد منه ياقوت في ” معجم البلدان” (2).
وأشهر كتب الهمداني هو كتاب “الإكليل ” الذي وصلنا منه الجزء الثامن الذي نعرض له الآن ، والذي جعل المؤلف عنوانه :”في ذكر قصور حمير ومدنها ودواوينها ، وما حفظ من شعر علقمة والمراثي والمساند” أما عناوين الأجزاء المفقودة ، كما يسجلها المؤلف ، فهي على الوجه الآتي :
- مختصر من المبتدأ وأصول النساب .
- نسب ولد الهميسع بن حمير .
- في فضائل قحطان .
- في السيرة القديمة عهد تبع أبي كرب .في السيرة الوسطى من أول أيام أسعد تبع إلى أيام ذي نواس .
- في السيرة الأخرى إلى الإسلام .
- في النتيجة عن الأخبار الباطلة والحكايات المستحيلة .
هذا ولا نجد ذكراً للجزء التاسع . أما الجزء العاشر الذي وجد منه نسخة في المتحف البريطاني في لندن ، فعنوانه ” في معرفة حاشد وبكيل ” من قبائل اليمن الشهيرة (1)وهو الذي حققه محب الدين الخطيب بعنوان ، في معارف همدان وأنسابها وعيون أخبارها ، القاهرة ، 1368 .
والذي يفهم من تقسيم الهمداني لكتابه أنه يسير تقريباً على خطة عبيد بن شريه ووهب بن منيه التي أصبحت تقليدية بالنسبة للمشتغلين بتاريخ العرب قبل الإسلام . فالأجزاء الثلاثة الأولى ، كما يفهم من عناوينها ، كان الأول منها في عمران العالم ابتداء من آدم وبنيه ثم في العمران الثاني منذ نوح وبنيه ، والثاني في نسب حمير وتوزيع قبائل اليمن في البلاد وفي أنحاء الجزيرة العربية ، والثالث في فصائل وفضائل حمير أشهر قبائل اليمن وأعراقها .
والأجزاء الثلاثة التالية ( من الرابع إلى السادس ) خصصها المؤلف جميعاً في تاريخ اليمن الذي قسمه الى ثلاثة عصور : قديم ، وسط ، ومتأخر وقبيل الإسلام .
أما الجزء السابع فعنوانه يبين أن المؤلف كان يعرف قواعد النقد ، ويستطيع أن يميز دائماً الروايات الصحيحة ” الأخبار الباطلة والحكايات المستحيلة ” . ومع ذلك فإننا نظن أن نصه على ذلك لا يعني أنه جمع ما رفضه من الأخبار الباطلة في هذا الجزء فقط ، فإننا نجد بعض الأخبار التي يعرف المؤلف أنها أسطورية ، والجزء الثامن الذي سنعرف به ، وذلك أن نقل هذه المعلومات صار تقليداً كما سبقت الإشارة ، ولا يحسن الإخلال به في نظر الكتاب ، رغم ما يعرفونه من بطلانها ، ربما من أجل التسلية والترفيه عن القارئ أو السامع الذي يمل المعلومات الجافة ذات الطابع العلمي .
والجزء الثامن الذي يقع في حوالي 300 صفحة يخصصه الهمداني بذكر آثار اليمن الشهيرة ، ويقسمه الى كتابين وعدد من الأبواب . والكتاب الأول في القصور التي كانت في : صنعاء ، ظفار ، ناعط ، ومأرب ، وبنون ، ودامغ ، ونجران ، وصرواح ، وغيرها .ويضم هذا الكتاب حصون حضرموت ومحافدها ، مثل :دمون ، نجير ، شبوه ، حوزة …الخ . الباب الثاني في سدود اليمن : في مأرب وصعدة ويحصب وغيرها .
أما الأبواب فأولها في كنوز اليمن ودفائنها وثانيها في حروف المسند ، وثالثها باب القبوريات وأشهرها : قبور هود ، ملوك جرهم ، وقبر لقمان صاحب الأفسر ، وقبر بلقيس ، الى جانب عدد من قبور ملوك اليمن المعروفين عند الكتاب .
كما هو المعتاد نجد في ثنايا الكتاب معلومات ذات طبيعة متنوعة منها ما هو في طبائع أهل صنعاء وما هو في ثروة اليمن المعدنية مثل : المعادن الجزع وأنواعها . وهناك ذكر لبعض بيوت العبادة القديمة في اليمن مثل : رئام وبيت كهلان وكعبة نجران ، كذلك ذكر المساجد القديمة الخاصة بالأنبياء والمساجد الإسلامية .
والهمداني يذكر مراجعه في بعض الأحيان مثل هشام بن الكندي وعبيد بن شريه الجرهمي ، ويهملها في معظم الأحيان وهو يحرص على ذكر الروايات الأسطورية ، رغم دفعه إياها في بعض الأحيان ، كما أشرنا .
والمهم في أمر هذا الجزء من كتاب ” الإكليل ” أنه رغم استفاضته وتخصص في آثار اليمن ، مما يعطيه أهمية خاصة بسبب ندرة الكتب المتخصصة في هذا الفن مما عرفته المكتبة العربية القديمة . وإذا كان المر كذلك فمما لا شك فيه أن ضياع الأجزاء الأخرى من الكتاب تعتبر خسارة كبيرة يأسف لها المشتغلون في تاريخ العرب والإسلام . على العموم قبل الإسلام وبعده على حد سواء .
كتب الأصنام لابن الكلبي :
بعد ذلك نذكر ابن الكلبي صاحب كتاب الأصنام (1)وكان ينبغي أن يكون في المقدمة . فابن الكلبي ( هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، توفي سنة 204 هـ / 819م ) يعتبر من أعلام الطبقة الأولى في رواية أخبار العرب في الزمن الأول ، وفي جاهلية ما قبل الإسلام ، كما يتضح من ثبت مؤلفاته التي أوردها ابن النديم بالفهرس ، والتي أكملها محقق كتاب الأصنام الأستاذ ” أحمد زكي ” ، والتي تتناول كل ما يخطر على ذهنه في أحوال العرب في الإسلام .
وكتاب الأصنام الذي وصل إلينا يمكن أن يكون نموذجاً لهذه الكتب التي ألفها ابن الكلبي والتي تبين سعة اضطلاعه على أخبار ما قبل الإسلام ومعرفته التي لا تحد بأحوال العرب في الجاهلية . ويعرف الكتاب كل ما كان يعبده العرب في تلك العصور القديمة من الأحجار والأصنام والنصاب والأوثان الى جانب بيوت العبادة المعظمة عند العرب ، كالكعبة وكعبة نجران ورئام . وهو يعرف بطقوس العبادة من : الأهلال ، تقديم الذبائح والقرابين ، والشعائر الخاصة بالحج القديم . ويعرف أيضاً اليهودية والنصرانية بين العرب وبقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل مما عرف بالحنيفية .
لما كان من الطبيعي أن يورد ابن الكلبي ما كان قد تعارف عليه الأخباريون والقصاص من الأخبار ” ذات الطابع الأسطوري ” فليس مما يقلل من أهمية معلوماته ما رمى به من الكذب من جانب العلماء اللذين اتبعوا منهج النقد التاريخي مما عرفه أهل الحديث بـ ” الجرح والتعديل” فالموضوع مختلف تماماً عن موضوع علم الحديث من حيث الجدية ومن حيث المنهج . ولهذا كانت أخبار ابن الكلبي هي المنهل الذي استقى منه كبار العلماء في هذه الموضوعات ، من وهب ابن منيه الى الطبري والمسعودي وبن عبد ربه والهمذاني وغيرهم ممن أتى بعدهم .
كتاب أنساب الخيل
” أما كتاب أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام “(1) فيبين فيه هشام بن محمد بن السائب الكلب كيف أولع العرب بالخيل في الجاهلية والإسلام حتى أنهم قاموا يصبرون على الشدة وضيق العيش ويكرمونها حتى يؤثروها على الأهل والولد .
أما عن بداية استخدام الخيل التي يقال لها ” الخير ” كان في جماعة من الأزد من أهل عمان الذين قدموا على سليمان بعد تزوجه بلقيس ملكة سبأ ، إذ لما سألوه زاداً للعودة ، أعطاهم فرساً من خيله يصطادون عليه ، فسموه : ” زاد الركب “. وعن الأزد اتخذها بنو تغلب ثم بكر بن وائل ثم بنو عامر . وهكذا تناسلت تلك الخيول في العرب وانتشرت وشهر منها خيل منسوبة الآباء والأمهات .
وعندما يذكر ابن الكلبي أسماء مشاهير خيل العرب في الجاهلية ، يعرض لبعض أخبار العرب وأيامها في الجاهلية . فأعوج كان سيد الخليل المشهورة ، وكان ملك من ملوك كندة غزا بني سليم عليه يوم علاف ، فهزموه وأخذوا أعوج الذي آل الى بني هلال . وداحس كان من خيل غطفان وأبوه هو ذو العقال وأخته الخنفاء . أما الغبراء التي سميت به وبها الحرب المشهورة بين عبس وذبيان ، فكانت خالة داحس ،واخته لأبيه (1). ويتضح من هذا العرض لأسماء الخيل أن بني أسد كان لهم نصيب الأسد في مشاهير الخيل عند العرب .
أما عن الشعراء الذين مدحوا الخيل وقدروا بلائها في حروب العرب وأيامها ، فمنهم : قرابة الضبي ، وكلحبة اليربوعي ، ومالك بن نويرة ، والعائب الضبي ، والزبرقان بن بدر ، والأسود بن يعفر ، وعامر بن الطفيل ، وعنترة بن شداد العبسي وفرسه الأدهم …الخ .
هذه الكتب تبين نوع الأدب التاريخي الذي عرفته المكتبة العربية القديمة في تاريخ العرب قبل الإسلام ، فعنها أخذ المتاخرون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، كما فعل الطبري ( توفي 310هـ/922م ) في كتابه تاريخ الرسل والملوك ، الذي لخصه وأضاف إليه ابن الأثير ( توفي 630 هـ /1233م ) في كتابه الكامل ومثل هذه المعلومات نجدها في كتاب المسعودي ( توفي 346هـ /956م ) مروج الذهب ، كما نجدها في موسوعات المتأخرين مثل نهاية الأرب للنويري ، ومسالك الأبصار للعمري ، وصبح العشى للقلقشندي وغيرها .
كتاب العبر لابن خلدون ( ج2 )
ويكاد ابن خلدون ( توفي 808هـ /1406 م) يلخص كل ما كتبه قدامى الكتاب من المشارقة في الجزء الثاني من كتاب العبر ، وهو الجزء الأول من تاريخه الذي به المقدمة ، الى جانب ما يضيفه إليها مما نقله من نسابة الأندلس والمغرب ، مثل ابن حزم وابن سعيد .
وابن خلدون يجعل عنوان هذا الجزء : ” في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدأ الخليفة الى هذا العهد ” ويقدم له بمقدمتين:
الأولى منها : في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في أنابهم.
والثانية : في كيفية وضع الأنساب في كل منها في هيئة ” شجرة نسب ” تخلصها في شكل مبسط يرتسم بسهولة في الخاطر .
ودول العرب السابقة على الإسلام – حسب خطة ابن خلدون – مقسمة الى ثلاث طبقات :
- الطبقة الأولى : وهم العرب العاربة أو العمالقة من : عاد وثمود وطسم وجديس واميم وعبيل وعبد طخم وجرهم وحضرموت ويتلو ذلك الخبر على إبراهيم أبي الأنبياء وبنيه .
- الطبقة الثاني : وهم : العرب المتعربة ويدخل بضمنهم اليمنية أو السبأية وبذلك يدخل في ذلك الطبقة ملوك التبابعة من حمير وملك الحبشة لليمن وغزو الحبشة للكعبة .
- الطبقة الثالثة : وهم : عرب التابعة للعرب بين : العرب البادية أهل الخيام ” الذين لا أغلاف لهم ” من : العدنانية والمعدية ( والقحطانية وقضاعة ) وتفرقهم في البلاد بعد غزو بختنصر لهم وفيه يعرض لتاريخ حمير وقضاعة وكهلان . ويدخل في هذه الطبقة ملوك الحيرة من آل المنذر وملوك طيء وكذلك ملوك يثرب من الأوس والخزرج أبناء قيلة و الخبر عن عدنان ومضر وخندف واخيراً قريش التي تصل كل ذلك بظهور الإسلام فأهل هذه الطبقة الثالثة من العرب هم الذين سيجتمعون على الإسلام ويقومون بتقويم الدولة العربية الإسلامية وخلال تقسيم العرب الى هذه الطبقات الثلاث يسجل ابن خلدون تواريخ دول العجم المعاصرة من : ملوك بابل النبط ، والسريانيين ، و ملوك القبط ( مصر) وأحوال بني إسرائيل الى بداية النصرانية ثم أخبار الفرس على طبقاتهم ودول اليونان والروم واللاتين ( الليطينيين ) وعلاقاتهم بالعرب.
ويبدأ ابن خلدون بالإشارة الى قواعد النقد التاريخي التي نبه عليها في المقدمة ، فهو يشكك في صحة الأنساب التي كثيراً ما ترفع الى إسماعيل وإبراهيم ونوح بل والى آدم أبي الإنسانية ويقول أن ذلك مكروه عند جلة علماء السلف ، فلقد أنكر الإمام مالك ذلك وكره أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان وهو يعرض بعد ذلك وجه النظر المخالفة ثم يقف موقف الوسط فيقول :” والحق في الباب أن كل واحد من المذهبين ليس على أطلاقه فإن الأنساب القريبة التي يمكن التوصل الى معرفتها لا يضر الاشتغال بها لدعوى الحاجة إليها في الأمور الشرعية : من التعصيب والولاية والعاقلة وفرض الأيمان …الخ.
ورغم ما يقرره ابن خلدون من قواعد النقد هذه ومحاولة تطبيقها على قدر الإمكان فإنه عرض الى كل ما عرفه الأدب التاريخي العربي الخاص بالعصور القديمة ولخصه وقابل بين الروايات المختلفة محاولاً ترجيح بعضها على بعض فهو فيما يتعلق بنوح يعرض لنسبه ، كما ذكره ابن اسحق وغيره من العلماء وينبه الى الاختلاف في ضبط الأسماء لأن العرب أخذوها من أهل التوراة . ومع أنه يعتبر نوحاً ” أباً ثانياً للخليفة ” فهو يشير الى أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وأن بعض الفرس يقولون :” كان ببابل فقط” وعندما يعرض لقصص الأنبياء ونسب موسى للتوراة يرى أنه يصح إذا أخذ من النسخ الصحيحة والنقل المعتبر فهو لا يشكك إلا في “تفاسير التوراة وتأويلها ” .
وفيما يتعلق بالعصور العربية الأولى لا يعول على أساطير القصص وكتب بدء الخليقة وإن كان منها ما ألفه مشاهير العلماء مثل الطبري ، والكسائي . وذلك لأنهم :نحوا فيها منح القصاص وجروا على أساليبه ولم يلتزموا فيها الصحة ولا ضمنوا لنا الوثوق بها فلا ينبغي التعول عليها وتترك وشأنها .
ولكنه نظراً لكثرة الروايات التي كانت تتزايد – على ما يظهر – مع مرور الوقت ومع اجتهاد العلماء في تقديم معلومات جديدة عن تلك الأحداث البعيدة تنغمر ملاحظات مؤرخنا العبقري وسط سيل الاخبار المتضاربة ويظهر تأريخه لهذه الأجيال من العرب كأنه تأريخ تقليدي لا يختلف كثيراً عن تواريخ سابقة . هذا ولو أن خطة الكتاب الواضحة لتقسيم العرب الى طبقات : قديمة ، ووسطى ، وحديثة . بالنسبة لعصره الى جانب جمعه الشامل لمعظم التراث العربي في الموضوع ثم ملاحظاته النقدية ومقابلاته بين الروايات هي التي سهلت على الباحثين والمحدثين سبيل الأقدام على دراسة الموضوع العسير التناول .
البلاد :طبيعتها و مسمياتها
لما كانت التغيرات الطبيعية التي تطرأ على البيئة من حيث شكل الأرض و أحوال المناخ تتم بطريقة بطيئة ، غير محسوسة عبر الأجيال ،نلاحظ أن أحوال بلاد العرب الجغرافية ،كما سجلها الكتاب نتيجة لمشاهداتهم منذ القرون الإسلامية الأولى لا تختلف (كثيرا)عما كتبه الرحالة الأوروبيون عن بلاد العرب في العصور الحديثة، و عما نجده في كتب الجغرافيا المتداولة بين أيدينا الآن. و هكذا فإذا كانت طبيعة البلاد لم تتغير بشكل محسوس منذ أكثر من ألف سنة، أي منذ ظهور الإسلام فإنه يمكن القول –بشيء من الاطمئنان – أن طبيعة البلاد لم تكن تختلف كثيرا في ذلك الحين عما كانت عليه في الألف سنة أو في الألفي سنة السابقة على الإسلام، كما يقضي القياس أو سلامة المقارنة .
حقيقة أن الروايات العربية القديمة تتحدث عن تغيرات طبيعية عنيفة ألمت بالبلاد و انتهت بهلاك عدد من الشعوب أو الأجيال التي عاشت في البلاد قديما، كما تتحدث كتب الجغرافيين و الرحالة القدماء من اليونان و الرومان عن موارد للمياه لم تعد موجودة الآن في صحراوات الجزيرة .و أغلب الظن أن كثيرا مما يشيرون إليه لم يكن إلا تطورات طبيعية طارئة من عوارض الطبيعة و كوارثها المعتادة ، من الزلازل و العواصف و السيول و غيرها .أما عن الإشارة إلى منطقة كانت خصبة فصارت قاحلة أو إقليم عرف بجدبه أصبح خصبا،فهذا يمكن إرجاعه –في كثير من الأحوال- الى طبيعة العلاقة بين الأرض و الإنسان.فالمجهود البشري في استغلال الأرض و ما في باطنها من المياه و خاصة عندما يكون الجهد مكثفا ، يمكن أن يكون له أثره فيما يتعلق بالخصوبة و الجدب ،و هذا ما سجلته كتب التاريخ قديما و هذا ما يشاهد في كثير من البلاد على أيامنا هذه .
و إذا كان الأمر كذلك فلا بأس من الرجوع الى كتب الجغرافية العربية الى جانب المصادر التاريخية التي سبقت الإشارة إليها ،في التعريف بالأحوال الجغرافية كمقدمة للموضوع ،تهدف الى بيان أثر البيئة في مسار التاريخ ، أو الى إلقاء الضوء على العلاقة بين الإنسان و المكان .
الموقع:-
تقع شبه جزيرة العرب وسط سلسلة الصحراوات التي تمتد كالحزام حول العالم القديم نحو الغرب عبر النيل في الشمال الأفريقي فيما يعرف بالحراء الكبرى ، و نحو الشرق عبر سهول دجلة و الفرات و خلال و خلال الهضبة الإيرانية الى بلاد التركستان و صحراوات أسيا الوسطى في التبت و غوبى . و هذا الأمر له أهمية فيما يتعلق بتاريخ العرب و الإسلام إذا على أساسه فسر بعض الباحثين طبيعة التوسع العربي في القرنيين السابع و الثامن الميلاديين ، في شكل أفقي من إسبانيا الى التركستان بمعنى ان العرب توسعوا خلال هذا الحزام الأرضي لأنه لا يختلف كثيرا في طبيعته الجغرافية عن بلادهم أي البلاد التي ألفوا ا الحياة فيها .و نفس الملاحظة يمكن أن تكون صالحة بالنسبة لعلاقات العرب بمن جاورهم من البلاد و الشعوب قبل الإسلام و بذلك تتضح أهمية دراسة الجغرافية بالنسبة لتفسير حركة التاريخ خلال العصور .
هكذا يمكن القول أن بلاد العرب بفضل موقعها المتوسط من العالم القديم تمثل همزة الوصل بين قارتي آسيا و أفريقيا مما يسمح بنسبتها الى كل من القارتين . فهي بطبيعتها الإقليمية جزء من صحراوات أفريقيا الشمالية رغم وجود البحر الأحمر الذي يعتبر موصلا أكثر منه فاصلا بين سواحل مصر و الحجز و بين سواحل اليمن و الحبشة و الصومال حيث المضيق بشكل خاص .و يؤيد ذلك ما يسجله الجغرافيين العرب من أن القوافل بين سواحل عمان و بين تهامة غربا ، وبين سواحل عمان و البحرين شرقا كانت من الصعوبة بحيث كان طريق المواصلات فيما بينها هو الطريق البحري (1). أما عن برزخ السويس فكان البوابة الكبرى لعبور الهجرات من جزيرة العرب ومن آسيا الى مصر والمغرب ، وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار الجزيرة العربية من أفريقيا .
ومثل هذا يقال عن صلات بلاد العرب بآسيا . فإذا كان الخليج العربي (أو الفارسي ) يفصلها في الجنوب والشرق عن إيران ، فإنه كان موصلاً جيداً بين الساحل العربي والساحل الفارسي ، انتقلت عبرة الجماعات في كل من الجانبين ، خلال العصور وكذلك كان الأمر بالنسبة لسهول دجلة والفرات كموصل بين بلاد العرب والهضبة الإيرانية ( التي تعتبر البداية الطبيعية للقارة الآسيوية ) ، ومن هذا الوجه تعتبر بلاد العرب من آسيا .
الحدود الإقليمية .
عرفت البلاد باسم ” جزيرة العرب ” وقد تختصر التسمية الى ” الجزيرة ” فقط من باب التسهيل . وذلك كان منطق العرب في تسمياتهم ، كما فعلوا بالأندلس التي سموها ” جزيرة الأندلس ” وكذلك ” الجزيرة ” . هذا ولو أن من الجغرافيين العرب من رأى أنها جزيرة فعلاً على أساس أن الفرات يحيط بها من الشمال الى ان تتصل روافده الشمالية الغربية أو تكاد بسواحل الشام ، وبذلك يكون حدها الشمالي من الغرب هي سواحل الشمال التي تسير جنوباً الى أن تختلط بمياه النيل ، الذي يختلط بدوره بمياه القلزم جنوباً .
والحقيقة أن بلاد العرب شبه جزيرة تحدها المياه بشكل أكيد من الشرق والجنوب و الغرب من : “عبادان ” حيث منصب دجلة على طرف الخليج العربي الى ” عمان ” على مدخل الخليج – مروراً بالبحرين . ومن عمان الى” عدن ” على مدخل بحر القلزم ( الأحمر ) – مروراً بسواحل مهرة وحضرموت – ومن عدن الى طول امتداد سواحل اليمن ، عبر جدة والجار ومدين الى ” أيلة ” على طرف خليج العقبة عبر ” تاران ” ( ثيران ) (1)ويقرر الاصطخري أن هذه المساحة من بلاد العرب التي تحيد بها مياه البحار ( بحر فارس ) تمثل ثلثي بلاد العرب . وأما الثلث الباقي فحدوده الغربية من ” أيلة ” الى ” بالس ” ويعتبر هذا الحد من بلاد الشام ، ويمر على البحر الميت ( البحيرة المنتنة أو بحيرة زغر ) الى الشراة والبلقاء ( من عمل فلسطين ) ، الى أذرعات وحوران والبثنية والغوطة ونواحي بعلبك ( من عمل دمشق ) ، الى تدمر وسليمة ( من عمل حمص ) ومن هناك الى الخناصرة وبالس ( من عمل قنسرين ) عند الفرات .
وفيما يتعلق بالحدود الشمالية ، فهي تمتد من بالس الى عبادان على طول الفرات الذي يحيط بديار العرب من بالس الى الرقة وقرقيسيا والرحبة والدالية وعانة والحديثة وهيت والانبار ، الى الكوفة وبطائح الفرات والحيرة الى واسط قرب دجلة ثم الى البصرة حتى عبادان حيث ينتهي (1) .
وهكذا يحد البحر بلاد العرب من ناحية الشرق والجنوب وبعض الغرب حتى ايلة على نهاية خليج العقبة . وبعد ذلك تتداخل بقية حدودها الغربية مع الشام ، حيث الإقليم من ايلة الى بالس يعتبر من الشام . وتتداخل الحدود الشمالية مع الجزيرة فيما بين بالس والأنبار ثم مع العراق فيما بين الانبار وعبادان . ولا يرى الاضطخري إدخال سيناء التي يسميها برّيه أيلة والتي تعرف بتيه بني اسرائيل ، في بلاد العرب ، رغم اتصالها بها لموقعها ” بين أرض العمالقة واليونانية وأرض القبط” . كما يرى أيضاً استثناء بلاد الجزيرة شمالاً لأن من بها من العرب خضعوا للروم والفرس ، وبعضهم تنصر ، وهو نفس الوضع الذي كان عليه ذلك الإقليم قبل الإسلام .
التقسيمات الطبيعية ومسمياتها
بلاد تمثل في كتلتها الرئيسية هضبة تنحدر بلطف من الغرب الى الشرق نحو الخليج وهول الفرات . وتقسمها سلسلة الجبال المعروفة باسم السراة والتي تسير محاذية للبحر الأحمر الى قسمين : نجد بمعنى المرتفع ( والجمع نجاد ) وهو الهضبة الوسطى المنحدرة نحو الشرق والحجاز بمعنى الحاجز أو ألد ، وهو الإقليم الغربي ويشمل جبال السراة ( لاستوائها كسراة الفرس ) وما يليها غرباً من السهل الساحلي الذي يعرف بتهامة بمعنى الأرض السهلة أو الواطئة ، كما تعرف الأرض الأكثر انخفاضاً منها باسم الغور ( والجمع أنوار ) .
وبالنسبة لنجد والحجاز استعمل العرب في العصر الجاهلي الفعل أنجد بمعنى ذهب الى نجد ، والفعل انحجز واحتجز بمعنى سار الى الحجاز ، مما يستنتج منه أن التسمية سابقة على الإسلام ، رغم الاختلاف في تحديد مدى كل من الإقليميين وقتئذ (1)وتظهر الحدود غير واضحة أيضاً في العصور الإسلامية الأولى ، فقد كان لليمن نجدها شمالاً وللحجاز نجده جنوباً (2). وبلغ الأمر الى حد الاختلاف في عاصمتي الحجاز الكبيرتين : فرأى البعض أن المدينة من نجد لقربها منها ، وأن مكة من تهامة اليمن (3)هذا ورغم أن المعروف هو أن تهامة تعني الأرض السهلة فالظاهر أن تهامة اليمن اختلطت بنجد الجنوبية حتى وصفت بأنها جبال مشتبكة تمتد الى نواحي نجران . والمعروف أن الحجاز يمتد من جنوبي الطائف ومكة الى ما بعد تبوك وتيماء في الشمال بثلاثة أيام ، حيث تبدا مشارف بلاد الشام (1) .
وبعد نجد والحجاز تأتي بلاد اليمن التي تقع في جنوبي الحجاز ، وله تهامته أي إقليمية الساحلي الذي قد يمتد شمالاً حتى يختلط بتهامة الحجاز شمالي سواحل نجران التي تعتبر أول الأقاليم اليمنية جنوبي الحجاز ، وقد تصل الى سمت مكة أما اليمن الحقيقية فهي التي تشغل الإقليم الجبلي في ركن جزيرة العرب الجنوبي الغربي على سواحل كل من البحر الأحمر ( القلزم أو بحر عدن أو خليج الحبشة ) وسواحل بحر العرب ، وكان كلا البحرين يعرفان مع خليج العرب باسم بحر فارس (2) بمعنى المحيط الهندي.
أما عن تسمية بلاد اليمن فقد اختلف في تفسيرها فقيل أنها نسبة الى أول من قطنها من العرب ، وهو يعرب الذي قال له والده قحطان أنت أيمن ولى وذلك حسب القاعدة التي اتخذها العرب في تفسير أسماء الأشخاص والأماكن ، والتي استند إليها علم الأنساب (3) وقيل أنها من اليمن مباشرة بمعنى الخير
أو البركة على أساس أنها أخصب بلاد العرب ، مثلما فعل الجغرافيون القدماء من الرومان الذي سموها بلاد العرب السعيدة ( Arabia Felix ) . وهناك تفسير آخر يقول أنها سميت اليمن نسبة الى اتجاه اليمن وذلك بالنسبة لمن يتجه من مكة الى الشام . ونحن نميل الى الأخذ بهذا الرأي على أساس أن اتجاه اليمين يكون في هذا الحال عكس اتجاه الشمال الذي تمثله بلاد الشام فتصبح اليمن بمعنى البلاد الجنوبية ، كما كانت الشام تعني البلاد الشمالية.
والمهم في كل هذا أن النقوش الثرية أكدت أن التسمية ترجع إلى عصور قديمة قبل الإسلام ، إذ يظهر اسم يمنت إلى جانب اسم ” حضرموت ” الواقع الى الشرق منها . والإقليم الداخلي من حضرموت الذي يوصف بأن به رمال كثيرة ( أي مناطق قاحلة ) يعرف بالأحقاف (1) . والى الغرب من حضرموت تقع بلاد مهرة التي عرفت أيضاً باسم مدينتها ” الشّحر ” وتوصف بأنها فقرة لا نخيل بها ، ولذلك كانت ثروة أهلها الإبل . ويختلط هذا الإقليم بمعان حتى اعتبر من بلادها . وتأتى بعد ذلك عمان في الركن الجنوبي الشرقي على مدخل الخليج ، وهي بلاد غنية بالنخيل والزراعة ، وعاصمتها مدينة ” صحار ” البحرية (2).
والإقليم الواقع على ساحل البحر ما بين عمان ومصب دجلة عند عبادان والبصرة ، فهو البحرين . والجزء الجنوبي منه عرف باسم الاحساء ( مفردها الحسا ) ، وهو يعني الأرض الرملية التي تحوي الماء في باطنها على عمق قليل ، وهي لذلك عرفت بكثرة نخيلها . وقد يعرف إقليم البحرين عند بعض الجغرافيين العرب باسم عاصمته مدينة ” هجر ” التي ضرب بها المثل في كثرة التمر حتى قيل لناقل الشيء الى البلد الذي لا ينفق فيه : “كمن حمل التمر الى هجر “.
واليمامة تقع في جنوب نجد ، ويفصلها عن عمان والبحرين منطقة الربع الخالي ، وكانت تعرف قديماً باسم جوّ قبل أن تستبدل به اسم ” اليمامة “نسبة الى زرقاء اليمامة وهي المرأة التي عرفت بحدة بصرها العجيبة . واليمامة إقليم وفير المياه كثير النخل اذ تعترضه الأعراض وهي الأودية التي تخترقه كما تخترق صحراء الدهناء حتى تصب في الخليج العربي , وهذه الودية مليئة بالقرى والزروع ، ومنها أودية نساح وملك ولحا والعرض (1) وبسبب وقوع اليمامة جنوبي نجد اعتبرها الاصطخري من الحجاز .
والمنطقة الداخلية فيما بين عمان والبحرين واليمامة عرفت بأنها قفرة ممتنعة أي لا يمكن سلوكها ، ولهذا سميت بالربع الخالي بمعنى الخراب . وفي ذلك يقول الاصطخري :” ولا اعلم فيما بين العراق واليمن والشام مكاناً الا وهو في ديار طائفة من العرب ، ينتجعونه في مراعيهم ومياههم ، غلا ان يكون بين اليمامة والبحرين وبين عمان … برّية خالية من الآبار والسكان والمراعي ، قفرة لا تسلك ولا تسكن (2).
وفيما بين اليمامة ونجد شمالاً وبين الأحساء والبحرين تقع صحراء الدهناء ، وهو الاسم الذي يعني الحمراء بسبب حمرة ارضها . وهي على عكس البرع الخالي توجد بها المياه ، وخاصة في الربيع بعد موسم المطار الذي يعتبر عيداً – يستمر لمدة شهرين – بالنسبة للإنسان والحيوان . ومثل هذا يقال عن صحراء النفود والنفوذ بادية الشام . والنفود ( ومفردها نفد بمعنى التل ) هي صحراء التلول ، وذلك لطبيعة أرضها المتموجة في شكل كثبان رملية بفعل الرياح .
أهمية التسميات
يتضح من هذا الوصف أن العرب أطلقوا على أقاليم بلادهم المختلفة أسماء معبرة عن حالة هذه الأقاليم الطبيعية ، مما ينم عن دقة في الملاحظة ومعرفة بخصائص البيئة . فالحجاز من الفعل حجز واحتجز بمعنى فصل ، فهو الجبل الفاصل . وعرفت جبال الحجاز باسم جبل السراة تشبيهاً بسراة الفرس ، بمعنى المستوى حيث تنتشر القرى وواحات النخيل على ظهره . أما نجد فهي بين الفعل انجد بمعنى ارتفع ( ومنها المرتفع ) أو صعد ( ومنها الصعيد في مصر ) . اما الأحساء فأغلب الظن أنها من حسو الماء – الموجود قريباً من سطح الأرض هناك – بمعنى ارتشافه بعد استنباطه ، فكأنها بمعنى النبط الذي يقال انه الماء .
أما الدهناء فهي الحمراء والنفود تعني التلول وفيما يتعلق باليمن الذي يرى معظم الكتاب أنه من الخير والنماء والبركة ، نميل الى أن نأخذ بمعنى الاتجاه اليميني الذي يقصد به الجنوب على عكس الشام الذي يعني الشمال . وهكذا يمكن أن تكون دراسة هذه المسميات ذات أهمية على المستويين ” اللغوي والجغرافي ” .
الطرق
والذي يستنتج أيضاً من الوصف السابق أنه على الرغم مما هو شائع من أن بلاد العرب تمثل بلاد ليست قحلة مقفرة ، باستثناء إقليم واحد هو الربع الخالي . فرغم عدم وجود أي نهر – باستثناء الودية التي تسيل شتاء في موسم المطار – فإن الجداول والعيون والسواني والآبار كثيرة في البلاد.
ولهذا انتشرت القرى وواحات النخيل في معظم أرجائها ، مما ترتب عليه وجود طرق للقوافل لقطع الجزيرة في كل اتجاه ، مما كان مستخدماً في نقل التجارة منذ العصور التاريخية القديمة .
وإذا جاز لنا استخدام معلومات الاصطخري الذي اهتم بالطرق والمسافات فحدد 14 ( أربعة عشر ) طريقاً تقطع البلاد ، فإننا نلخصها في أن الطرق الرئيسية كان تشق البلاد في وسطها : من العراق والخليج الى الحجاز ، وفي غربيها : من اليمن الى الشام وبلاد الجزيرة عبر الحجاز وكذلك الى مصر(1) والذي يستحق الملاحظة هو أننا لا نجد فيما سجله الاصطخري طريقاً مباشراً بين العراق والشام عبر البادية ، وأغلب الظن أن ذلك الطريق ، الذي كانت له أهميته منذ الزمن القديم ، كان يسير خلال الجزيرة وعلى طول الفرات عبر المراحل التي سجلها الاصطخري عندما حدد ديار العرب في الغرب وفي الشمال من دمشق الى بالس ، ومن بالس الى الكوفة .
والى جانب الطرق البرية كان الطريق البحري مسلوكاً ما بين الخليج وبحر القلزم ، وكان النقل البحري يستبدل بالنقل البري عندما تكون الطرق البرية وعرة ، كما هو الحال في الطريق ما بين عمان والحجاز ، وما بين عمان والحجاز .
الخلاصة
نخرج مما سبق أن بلاد العرب تميزت بالآتي :
- موقع وسط بين بلاد العالم القديم التي تتصف بنفس النمط الطبيعي : الصحراوي أو شبه الصحراوي ، والذي يصفه البعض بأنه بلاد العطش، مما ترتب عليه تشابه في النمط الاجتماعي بين بلاد العرب وبين العالم المحيط بها .
- رغم ذلك فإن الحياة كانت تدب في كل جنبات جزيرة العرب حيث سكنت أحياء العرب مما سمح بعمران البلاد بالسكان ، بل وبتكون انفجارات سكانية ، كما يقال الآن .
- رغم العقبات المتمثلة في الصحاري والجبال والبراري الصعبة كانت طرق القوافل تربط ما بين جميع أطرافها في الشمال والجنوب والشرق والغرب ، مما سهل للمتاجر وللسكان التنقل بين أرجاء البلاد .
- إن أكثر الأقاليم عمراناً هي البلاد الساحلية والقريبة من السواحل في النصف الجنوبي من الجزيرة ، الذي تحدده الطرق بين العراق والحجاز ثم الأقاليم المناخية للفرات والشام في النصف الشمالي .
ترتب على كل ذلك أن العرب كانت عامرة بالسكان ، وأن الظروف الطبيعية الجيدة كانت تمح في بعض العصور بازدياد الكثافة السكانية التي تصل الى حد الانفجار . وانه رغم المسافات الكبيرة بين أطرافها ، التي يمكن تصور اتساعها اذا ما عرفنا أن دورها – على طول الطريق المحيطة بها – كان يمتد ، حسب مقاييس العصور القديمة ، الى ما يزيد على مسيرة ستة أشهر (1) ، فإن الاتصالات بين هذه الأطراف كانت مؤكدة عن طريق التجارة وعن طريق الهجرة . وهذا مما يسهل تفسير كثير من الأحداث السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد قديماً ، وأنه بسبب سخاء الطبيعة في عدد من الأقاليم المتطرفة ، مثل : اليمن وتخوم العراق والشام ، عرف الناس حياة الاستقرار فكونوا الحكومات ، وأحسنوا استغلال مواردهم ، ونشطوا في معاملاتهم مع العالم الخارجي المحيط بهم . وعلى هذا الأساس يمكن تفسير كثير من مظاهر الحضارة العربية في القديم وفي العصور الإسلامية .
ومن هذا الطريق يمكن فهم الشخصية العربية ، فلا تقتصر على شخصية البدوي راعي الإبل أو الغنم ، بل تتعدد أشكالها وتتنوع أنماطها وتثرى مواهبها .
السكان
العرب : التسمية ومفهومها :
المقصود بالعرب هم أهل البلاد الذين أعطوها اسمهم ، فصارت بلاد العرب والذين اشتهروا في التاريخ العالمي منذ كونوا دولتهم الإسلامية ، وجاوروا الصينيين الذين سموهم بالتاتشي ( من التاجك الفارسية التي يظن أنها نسبة الى طئ ) كما سماهم الفرنج بالراسين ( Saracen ) أو بالمور (Maures ) وهي الأسماء اليونانية الرومانية القديمة . فالأول يمكن أن يكون نسبة الى الشرق او الى سارة زوجة إبراهيم عليه اللام ، والثاني ينسب الى ولاية موريطانيا في المغرب .
ولقد التزم الكتاب العرب وبعدهم من نقل من المتأخرين في تفسير التسمية بمنهجهم التقليدي في علم الأنساب ، الذي يرجع – عادة – أسماء البلاد والشعوب الى الجدود القدماء أو البطال الأسطوريين فلقد قالوا عن ” الترك” أنهم أبناء ترك ابن يافت بن نوح ، وأن “الخزر” هم ابناء الخزر بن يافت وأن ” الفرس “أبناء فارس بن لاوذ بن سام ، وأن ” النبط “هم أبناء نبيط بن ماش بن ارم ، وأن السريان هم أبناء سريان بن نبط . او كما قالوا ان ” إسبانيا ” نسبة الى الملك أشبان ، أو أن ” أفريقية نسبة الى الملك افريقش ( ملك اليمن الحميري ) أو الملكة أفريقية ، او أن مصر نسبة الى مصر أو مصرايم بن حام . وهم في بعض ذلك قد تأثروا بالتقاليد اليهودية المعروفة بالإسرائيليات ، والتي تضع شعوب العالم في شجرة نب واحدة أصلها نوح وآدم : أبو الإنسانية .
في نطاق هذه التقاليد المأثورة نب عبيد بن شريه الجهرمي اسم العرب الى جدهم ” يعرب ” وهو ابن قحطان بن عابر (هود) الذي كان أول من تكلم باللغة العربية ، وعن طريقه تعلمها اخوته وبنو عمومته الذين تركوا بابل ليقيموا بجواره في اليمن ، من: عاد وثمود وجديس وعمليق وطسم وجرهم وغيرهم (1)من العرب المعروفين بالبائدة أي الهالكة .
ولكنه لما كان الترتيب الزمني يقتضي أن يكون العرب البائدة الذين هلكوا قبل الإسلام فلم يبقى من نسلهم أحد ، قد سبقوا بني يعرب ” ابن قحطان الذي تنسب اليه قبائل اليمن التي عرفها الإسلام ” رأى بعض الكتاب أن العرب البائدة ينبغي أن يكونوا أصل الأرومة العربية ، قبل القحطانية ، ولهذا نسبوا اليهم اسم العرب العارمة . وبناء على ذلك وجب أن يكون البائدة أول من تكلم بالعربية ، وهذا ما نص عليه الطبري ، كما ينقله ابن خلدون إذ يقول : وفهم الله لسان العربية عاداً وثموداً وعبيل وطسم وجديس واميم وعمليق ، وهم العرب العاربة … ويسمون أيضاً العرب البائدة (1).
ولقد ترتب على ذلك أن جعلت بعض الروايات موطن قبائل العرب عاد في اليمن قبل يعرب الذي غزاهم وملكه من أيديهم ، وفرق أخوته كحكام على الحجاز والشحر وعمان (2)). وتبعاً لهذه الرواية يكون يعرب وبنوه قد تعلموا العربية من بني عاد .
ومع أن ابن خلدون يتردد في إخراج القحطانية من العرب العاربة ، فيسجل وربما يقال أن من العرب العاربة يقطن ( أي قحطان ) أيضاً (3) . فإنه في تقسيمه العام للعرب في طبقاتهم المختلفة ، يضع القحطانية في الطبقة الثانية من العرب ، وهم العرب المستعربة أي الذين اصطنعوا اللسان العربي ، ويأخذ بالرواية التي تقول عن قحطان ( ابو العرب ) . ” أنه أول من تكلم بالعربية ” . وهو يشرح ذلك بقوله :” ومعناه من أهل هذا الجيل الذين هم العرب المستعربة من اليمنية ، والا فقد كان للعرب جيل آخر وهم العرب العاربة ، ومنهم تعلم قحطان تلك اللغة ضرورة (4) وابن خلدون يأخذ هنا بالرواية التي تقول : “بأن قحطان من ولد إسماعيل ” ويبني عليها أن تكون العرب كلهم من ولده ، لن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها .
وهذه النظرية تعني أن كل العرب الذين عاشوا في الجزيرة مع مطلع الاسلام كانوا مستعربة ، ولم يكن في الجزيرة من العاربة أحد ولذلك أطلق عليهم اسم البائدة أي الهالكة .
وفي ظل هذه الفكرة إذن كان العرب البائدة هم : العاربة بمعنى الرساخة في العروبية ، كما يقال : ليل الليل ، وصوم عمائم ، أو بمعنى الفاعلة العروبية والمبتدعة لها : بما كانت أول أجيالها …(1)، بينما ظل للعرب ” الباقية ” – إذا جاز استخدام هذه التسمية – وهم المستعربة ، فخر الانتساب الى جدهم يعرب الذي أخضع العرب العاربة من : عاد في اليمن ، والعمالقة في الحجاز ، والذي أخضع لسلطانه : الشحر وحضرموت وعمان (2).
وللتوفيق بين فكرة أن صانعي العروبة القدماء سبقوا يعرب وبنيه من المستعربة ثم أنهم بادوا في عصور تالية ، قسم النسابة العرب البائدة الى طبقتين : أولى وثانية فقالوا : عاد الأولى وثمود الأولى ، وعاد الآخرة وثمود الآخرة .
والظاهر أن المقصود ” بالعروبية ” التي ابتدعها العاربة ورسخوا قواعدها كما يقول ابن خلدون ، ليس اللسان العربي وما اشتهر به العرب من الفصاحة – التي يقال لها العراب – والغرام بالشعر ، بل يقصد بها أيضاً العادات التي تميز بها العرب في عصر ما قبل الاسلام من الفروسية والاعتداد بالنفس والشهامة مما يدخل في نطاق في نطاق ما عرف عند العرب ” بالمروءة ) .
والظاهر أن ” العروبة ” أو ما نسميه الآن بالعروبة كانت تعني في بداية أمرها ” البداوة ” ، وهي الصفة الغالبة على سكان بلاد العرب بالمعنى الذي ترمز اليه كلمة ” الأعراب ” وما تعينه من أسلوب في الحياة . فكلمة العرب كان يقصد بها عند بعض الشعوب القديمة ، مثل البابليين والآشوريين ( الذين كتبوها في شكل : أربي ) ، البداوة أو المشيخة ( أي حكومة البادية المتأخمة لبلادهم فيما بين الفرات والشام ) كما وردت الكلمة في التوراة بمثل هذا المعنى من البداوة والقفر (1).
ويؤيد ذلك ما ظهر في النقوش العربية القديمة سواء في شمال الجزيرة او في جنوبها من إشارات الى الحضر والى العرب ، بمعنى أن كلمة العرب صارت منذ وقت مبكر علماً على البدو بينما أصبحت كلمة الحضر علماً على أهل القرى والمدن . وهذا ما يتفق مع تقسيم أهل البلاد الى أعراب ( بدو ) وعرب ( حضر ) في مطلع الإسلام . وهذا التقسيم هو الذي ألهم ابن خلدون نظريته في قيام الدول عند العرب وأسباب انهيارها ، وعلى أساسه فسر اضمحلال ملك العرب البائدة من عاد وثمود وغيرها بأنهم مالوا الى أسباب الدعة والترف فضعفوا ، مما سمح لإخوانهم من المستعربة الذين ظلوا في بواديهم محافظين على قوة الشكيمة من القضاء عليهم والقيام بأمر الدولة بعدهم ، تماماً كما هو الحال بالنسبة للدول الإسلامية التي قرأ تاريخها ، ومنه استنبط نظريته هذه .
العرب بين الأمم
شجرة الأنساب وتفريعاتها عند العرب
يتضح من دراسة الأنساب ، كما عرفها العرب وفي الشكل الذي تطورت اليه في الإسلام ، حيث أصبحت علماً مساعداً للعلوم الشرعيه (1)، انها تحتوي مجموعتين متميزين من تلك الأنساب : الأولى لها مسحة عربية واضحة ، وهي التي تتعلق بأصول العرب القدماء من العاربة أو البائدة ( عاد وثمود وغيرها )، والثانية لحا مسحة عبرانية متأثرة بالإسرائيليات ، وهي الخاصة بأنساب العرب المستعربة من أبناء إبراهيم وإسماعيل .
ويظهر للباحث في تاريخ العرب قبل الإسلام أن محاولة التوفيق بين هذين النوعين من المعلومات تطلب جهوداً مضنية من الكتاب على طول العصور ، ولكن الاجتهاد لم يؤد الى نتيجة مرضية . فقد ظلت الاختلافات واضحة في أصول الشجرة الجديدة ( المهجنة ) وفي فروعها . فبسبب إلحاح الكتاب على التفصيلات التي ملئوا بها كتبهم ، تشابكت الأمور حيث أصبحت من العسير رسم خطوط واضحة حتى بين التقسيمات الكبرى لأجيال العرب والمثل لذلك عرب اليمن وهل هم من العاربة أو من المستعربة حتى اضطر ابن خلدون الى وضعهم في الجيلين جميعاً ، رغم جهود المؤرخ الكبير في سبيل تنظيم شجرة النسب ، ورغم اقتراحاته العبقرية في محاولة إماطة اللثام عن غموضها .
وبصرف النظر عن التفصيلات المرهقة ،ينقسم تاريخ الإنسانية القديم ، كما يظهر في شجرة النسب ، الى مرحلتين كبيرتين ، الأولى منذ بدء الخليقة بظهور آدم في الحجاز ، فحسب رواية وهب بن منيه نزل آدم من الجنة ( التي يمكن أن تكون جنة أرضية ) الى جبل لبنان ، ومنها سار الى بيت المقدس ، ثم الى مكة حيث التقى بحواء في عرفات الذي ما زال اسمه يحيى ذكرى ذلك اللقاء (1) وتتضمن هذه المرحلة تكاثر أبناء آدم ” ابو الإنسانية الأول ” ، وكيف بدا بينهم الشقاق منذ البداية ( في قصة هابيل وقابيل ) . والروايات هنا لها طابع أسطوري ، فالأعمار تقاس هنا بمئات السنين ، وتجاوز بعضها الألف سنة في بعض الأحيان مما يسمح بأن يعاصر الأحفاد الاقربون أجدادهم الأبعدون . وعن هذا الطريق يمكن تفسير اختلاط أنساب العائلة الأولى التي كانت قد تضخمت بشكل فريد ، وانتشرت في الأرض تحمل بذور الخطيئة والفساد ، فكان لا بد من هلاكها في الطوفان على عهد نوح .
وبعد الطوفان تبدا دورة جديدة للإنسانية ، كأنها بداية للعصور التاريخية ، ومع أن الكتاب العرب ناقشوا مسألة الطوفان باستفاضة ، وعرفوا أن الصينيين والفرس ليس لهم علم بطوفان حل بأقطار العالم أجمع ، وأنه ربما كان بأرض بابل فقط ، فلقد اصبح نوح ” أباً ثانياً للإنسانية ” بعد آدم ، كما يقول ابن خلدون . فإلى نوح والى أبنائه الثلاثة : سام وحام ويافث ، نسبة كل الشعوب المعروفة ، التي تفرقت فيها بين المشرق والمغرب ، فأبناء يافث عند عبيد بن شريه ، هم الترك والصقالبة و ” يأجوج ومأجوج ” ، ويضيف اليهم بن منيه : الخزر والسكس والقوط .
وأبناء حام عند عبيدة هم : الكنعانيون والبربر والحبشة ( أي السودان على الجملة ) ويضيف اليهم وهب : القبط ( أي المصريين ) والسند و”القول” والعاموريون ” والنوبة ” .
أما سام فكان له ولدان ، هما : ارفخشذ والى حفيده عابر بنسب العبرانيون ، وارم واليه ينسب العرب والى بنيه ، وهو الأمر الذي يهمنا .
العرب والجنس السامي :
هكذا قسم نسابة العرب البشرية الى ثلاث مجموعات كبرى من الأجناس أبناء سام ،و أبناء يافث، ووضعوا العرب في المجموعة .و عن العرب أنفسهم فقد قسموهم- دون الدخول في متاهات التفصيلات وما تحمله في ثناياها من الاختلافات والغلاط – الى مجموعتين كبيرتين ، هما : العرب البائدة ، والعرب الباقية . والأول هم الذين عرفوا باسم العرب العاربة ، والآخرون هم العرب المستعربة ( أي الذين تأثروا بالعاربة وأخذوا بالعاربة وأخذوا عنهم اللسان العربي بدل لسانهم الاصلي ) .
ولما لم يكن هناك فائض حدي بين العرب البائدة والعرب الباقية ، كما هو الحال في قصة الطوفان الذين أنهى الخليقة فيما قبله لكي تبدأ بعده بدأ جديداً ، وجب وجود طبقة عاربة من حيث الأصالة والقدم ، وتكون في نفس مستعربة من حيث اصطناع اللغة ، وهؤلاء هم القحطانية الذين يمثلون أهل جنوب بلاد العرب في مقابل اخوانهم المعدية أو العدنانية سكان نجد والحجاز والشمال .
وهكذا أصبحت جميع هذه الطبقات من العرب كما أصبح العرب الحاليون سواء في بلادهم أو في خارجها ، يمثلون الكتلة الكبرى من أبناء سام فمن اصطلح على تسميتهم حالياً بالجنس السامي .
والحقيقة أن الباحثين المحدثين اخذوا ذلك التقسيم التقليدي القديم وحاولوا أن يدرسوا الجماعات البشرية على أساسه ، فكان تقسيم الحديث ، الى الأجناس : السامية والحامية والهند وأوروبية أو اليافثية . ولقد بدأت دراسة هذه الأجناس من حيث الصفات العرقية أو السلالية من : الطول و القصر ، وبياض البشرة أو سوادها ، وسباطة الشعر أو تجعيده ، وزرقة العيون أو سوادها . ومن حث شكل الجمجمة والفك والأنف الى آخر ما هو موضوع دراسة الأنثروبولوجيين ، من العادات والتقاليد .
وفي هذا المجال يصف الهمداني العرب بـ ” الفصاحة والصباحة واعتدال المزاج ، وحسن الألوان : لا الصهبة ولا الزرقة ، ومتوسط النبات في الشعر : لا القطط ولا السبط ، واسوداد الأحداق واحورار المقل ، مع الحمية والأريحية والسخاء والكرم والجود بما تشح به الأنفس ، والصبر بساعة اليأس . وبها ( أي جزيرة العرب ) أفرس من ركب الخيل … وأحسن من امتطى الإبل …، وأوفى من تقلد ذمة ، وأبرع من نطق بحكمة… (1) ” .
ولكنه لما لم يكن هناك جنس نقي بعدما عرفته البشرية من اختلاط الشعوب والأجناس وما ترتب على ذلك من تشابه في نهج الحياة ، رؤى العدول عن هذا المنهج الى دراسة الشعوب والجماعات على أساس اللغات التي يتكلمونها والتي تحدد درجة القرابة بينها .
وفيما يتعلق بالساميين كان على الباحثين أن يبدءوا من حيث انتهى القدامى فكان تركيزهم على جزيرة العرب من حيث أن سكانها يكونون حالياً الكتلة الكبرى من الساميين الخلص ، كما وجهوا أنظارهم الى ما يحيط بها من البلاد ، مثل : العراق والشام وما بينهما من بادية الشام والجزيرة ، ثم مصر والحبشة – رغم اعتبارهما من بلاد الحاميين .
وبناء على ما وجده العلماء من التشابه في أعداد من الكلمات ، مما يتعلق بمظاهر الطبيعة من أنهار وجبال أو صفات إنسانية أو حيوانية ، ومما يتعلق بالتشابه تركيب الجمل أو في نهاية الكلمات من السكون والإعراب بين اللغات القديمة التي عرفتها هذه الأقاليم من : البابلية والآشورية والفينيقية والآرامية وغيرها ، وبين اللغات التي ما زالت حية كالعربية أو ميتة – حية كالعبرية والسريانية ، وبناء على ما وجدوا في تشابه بين هذه اللغات وبين لغة الحبشة ( الأمهرية ) وبعض اللهجات السودانية واللغة المصرية القديمة واللهجات البربرية في بلاد المغرب ، وجه كل منهم بحثه وجهة معينة ، وخرج بنظرية تتفق مع أسلوبه في البحث عن أصل الأميين ، وعما يمكن أن يكون من البلاد مهدهم . وتراوحت النتائج إقليميا ما بين إيران والحبشة ، مروراً ببلاد العرب من شمالها الى جنوبها (1) .
وبسبب العلاقة التي وجدت بين مجموعة اللغات السامية وبين مجموعة اللغات الحامية ( من الحبشية والسودانية والمصرية ) مال بعض الباحثين الى أن تكون إفريقيا والحبشة ، على وجه الخصوص وبسبب علاقتها الوثيقة ببلاد العرب الجنوبية منذ أقدم العصور هي مهد السامية .
وأخيراً ربما كان للرأي الذي يقول أن بلاد العرب هي المهد الأول للسامية له ما يرجحه على غيره لعدة أسباب ، منها :
- إن دراسة تاريخ البلاد المحيطة بجيرة العرب ومظاهر الحضارة فيها تشكك في أن تكون شعوب هذه البلاد القديمة هي المثل المفضل للساميين رغم وجود التشابه السلالي واللغوي فيما بينها .
- ان دراسة ” اللغة العربية الفصحى ” يمكن أن يؤدي الى اعتبارها أقدم صورة حية لما كانت عليه اللغة الأم ( لغة نوح وبنيه ) التي تفرعت عنها مجموعة اللغات السامية ( بعد أن ” تبلبلت الألسن ” حسب القصة المعروفة في مصادرنا ) مثلما تفرعت اللهجات العربية في أرجاء الوطن العربي الكبير منذ العصور الإسلامية الأولى ، وكما تفرعت اللغات اللاتينية الحديثة ( من فرنسية وايطالية وإسبانية ) من اللغة اللاتينية القديمة .
- وأخيراً تأتي الظاهرة التاريخية المعروفة منذ أقدم العصور في بلاد العرب ، وهي الهجرات المستمرة لقبائلها وشعوبها من جنوب الجزيرة ، ومن وسطها الى الشرق في العراق وايران ، والى الشمال في الشام والجزيرة ، والى الغرب في مصر والحبشة ، مما جعل جزيرة العرب ، على ممر العصور ، ” منطقة طرد ” سكاني ، كما يقول الجغرافيون المحدثون .
وأمر الهجرة وترك الوطن لا يأتيها الإنسان عن طيب الخاطر ، انما هي ظروف الطبيعة القاسية التي تدفعه الى وحشة الغربة ، عندما يشح الماء والزاد في بعض السنوات ، أو عندما تلم بالبلاد كوارث الطبيعة ،من : السيول الجارفة أو تفجر البراكين أو ثورات الرياح أو انتشار الأوبئة . بسبب مثل هذه الظروف ، التي كانت عادية في بلاد العرب ، تفرق السكان في كل أرجاء الجزيرة ، وفيما جاورها من البلاد . وفي مثلها أيضاً هلكت شعوب وبادت أقوام ، كما في القصص الذي يروى عن أخبارها العرب القدماء من عاد وثمود وغيرها .
تاريخ العرب القديم
العرب الأوائل وعلاقاتهم بالدول القديمة :
مع أننا نريد أن نلتزم بتحديد الموضوع في تاريخ العرب دون غيرهم من الشعوب القديمة ، حتى لا نخرج عن الهدف الذي يبرر هذه الدراسة ، كما أشرنا في البداية ، وحتى لا نجترئ على الدخول في ميدان بعيد عن تخصصنا ، له أصحاب ممن يمتلكون أدوات البحث اللازمة للعمل فيه ، وخاصة ما يتعلق منها باللغات القديمة ، فإننا نجد أنفسنا مضطرين الى الإشارة ولو من بعيد ، الى التواريخ القديمة للدول والشعوب المحيطة بجزيرة العرب ، لما كان بينها وبين العرب من علاقات سياسية واقتصادية وحضارية لا يمكن إنكارها .
والحقيقة ان أمر علاقات العرب بمن جاورهم من الشعوب لازم لتفهم طبيعة ما قام به العرب في نهضتهم الكبرى في الإسلام . هذا الى جانب أن المصادر العربية التي رأينا أن يكون اعتمادنا عليها في المقام الأول تشير فعلاً الى أن العرب ، في تاريخهم القديم ، ورغم الطابع الأسطوري لهذا التاريخ ، لم يكونوا منعزلين عن الشعوب القريبة منهم ، ولما كان يجري من المور فيها حولهم في البلاد .
علاقات العرب القدماء بالعراق :
فقصة تجمع أبناء نوح في بابل بفضل الأرواح ( الرياح) الأربعة وهي : الشمال والجنوب والصبا والدبور ، قبل انتشار أبناء سام من أجداد العرب ، والاشارة الى أنهم وقتئذ كانوا يتكلمون اللغة السريانية (1) ، تحمل في ثناياها معنى وجود علاقات قديمة بين العرب وبين بلاد العراق من ناحية ، كما تعني أن المقصود بالعرب في هذه الأزمان السحيقة هي جماعات البدو التي كانت تعيش في العراق ، وفي البلاد المحيطة بالجزيرة العربية قبل أن يتعربوا أي قبل أن يعرفوا باسم العرب .وذلك عندما عرف البدو في هذه البلاد بالأسماء التاريخية المعروفة من :
أريبي ( في العراق ) ، وعمورة (في بادية الشام ) ، وشاسو أو هكسوس ( في مصر ) وغيرها .
هكذا رأى بعض الباحثين اعتبار بعض تواريخ هذه البلاد ، وخاصة تاريخ العراق القديم كتواريخ عربية أو شبه عربية . وهذا ما اخذ به جورجي زيدان الذي مال الى رأي أن تاريخ بابل في العصر المعروف باسم الدولة البابلية الأولى أو دولة حمورابي ، نسبة الى ملكها ومشرعها ” حمورابي ” صاحب القوانين الشهيرة ، على أساس أن مؤسس هذه الدولة ، وعلى رأسهم الملك سرجون أترجونوا من الساميين ، وأن قومهم الذين كانوا يتكلمون لغة سامية قريبة من الحميرية ، كتبوها بالحروف المسمارية ، ربما أتو من بعض أنحاء جزيرة العرب أو من بادية الشام (1) .
وأهم ما يستند اليه جورجي زيدان في عروبة الدولة البابلية الأولى أو الأحادية كما يسميها البعض ” هو التشابه الكبير بين لغة دولة حمورابي وبين اللغة العربية بشكل لا نظير له بالنسبة للغات السامية القديمة الأخرى .
ويتمثل التشابه في حركات الاعراب من الرفع والنصب والجر ، وكذلك في التنوين الذي يستخدم الميم في البابلية بدلاً من النون في العربية . أما علاقة الجمع فهي واحدة في اللغتين وتتمثل في ” ون ” ( التي تصبح ” ين ” في السريانية ، و ” يم ” في العبرانية . كذلك تقترب صيغ الأفعال في البابلية من مثيلاتها في العربية ، بشكل لا نظير له في اللغات السامية الأخرى .
ومما يؤيد القرابة التربية بين اللغتين وجود عدد من الكلمات بنفس المعنى في اللغتين ، مثل : كلمة ” انف ” التي تحولت في السريانية والعبرانية الى ” أف ” بعد أن سقطت منها النون . ويؤيد ذلك أيضا تلك الأسماء العبرية التي حملها ملوك بابل الأول ، مثل :
” ساموابي ” أي ابن سام ، و ” شمس ايلونا ” أي ” الشمس إلهنا ” وغيرها(1).
ولما كانت المعلومات التي عرفت حديثاً عن الدولة البابلية الأولى ، من حيث عدد ملوكها وسنى حكمهم ن تكاد تقترب مما يذكره بعض مؤرخي الكلدان عن دولة بدوية يسميها عربية ، رجح زيدان أن يكون ” العربي ” هم الـ ” عمرو ” أي سكان الغرب في بادية الشام . ولما كان الطبري يطلق على جد العمالقة – وهم من العرب القدماء – اسم ” عريب ” يكون العمالقة بدورهم أجداد ملوك الأسرة البابلية الأولى أو الأكاديمية وتكون هذه الدولة عربية لحماً ودماً .
ويرى عدد من الكتاب المحدثين أن بدو بادية الشام الذين عرفوا بالأمورو هم الذين أتوا من غرب سوريا ليقيموا حكومة بابل الأولى ، وذلك بعد ما قام به ملوك الأكاديين الأوائل من : سرجون الاول ( والاسم ظل حياً في الشام الى أيام معاوية اذ حمله كبير أمنائه المشهور : ” سرجون بن منصور “) ، وحفيده نارام سين ، من منافسة المدن الشومرية ، التي وصل نفوذها الى شبه جزيرة سيناء حيث حارب نرام سين قبيلة مغان ( سنة 3750 م ) التي كان لها نشاطها التجاري في بابل ، وأسر أمير القبيلة ، كما نقل بعض أحجارها الى بابل (2)، واغلب الظن أن المقصود بالحجارة هي أصنام القبيلة أو أنصابها . ولقد هدد هذه الدولة ظهور العيلاميين في ايران ، فعندما ظهروا تقدم الامورو من بادية الشام نحو بابل اقاموا لهم بها حكومة نجحت في رد غارات العيلاميين ، وأقاموا الأسرة البابلية الأولى التي اعتبرت استمراراً للمملكة الأكاديمية الأولى التي كونها سرجون الأول ، والتي اشتهرت بسادس ملوكها ” حمورابي ” الذي عاش في أوائل الألف الثاني ق.م (1).
ويرجع الفضل الى حمورابي في توحيد الإمبراطورية الضخمة ، الأمر الذي كان من أهم نتائجه توحيد اللغة الأكادية التي صارت لغة بابل الرسمية بعد اللغة السومرية التي اندثرت ، ولم يبقى منها الا الخط المسماري الذي كان نقشاً في أول الأمر مثل الهيروغليفي ثم تحول الى شكله المعروف بفضل النقش المسماري .
أما أهم ما أذاع صيت حمورابي فهو مجموعته القانونية التي رتبت في حوالي ثلاثمائة مادة ، والتي تدل على ما وصلت اليه تلك الدولة من الرقى ، وخاصة فيما يتعلق بأمور الزواج والتبني والوراثة والتجارة (2).
ولا غرابة في أن تكون دولته التي وصلت الى سلم الرقى الى تلك الدرجة أن تكون قد ضربت بسهم وافر فيما يختص بالأمور الدينية ، وأن تكون قد عرفت ضرباً من عقيدة التوحيد . فحمورابي يقول أنه تلقى شريعته من السماء ، من إله الشمس ، وكلمة الشمس في البابلية هي ” شمش”(1) التي تكاد تكون نفس الكلمة العربية في بعض لهجاتنا الدارجة .
وفيما يتعلق بترتيب طبقات المجتمع فقد انقسم الناس في بابل الى ثلاث طبقات منها : طبقة الأحرار وطبقة العبيد ، كما كان معروفاً في مجتمعات العالم القديم ثم طبقة ثالثة وسط بين هاتين هي طبقة المساكين بلغتنا العربية – وكانت تعرف ” مشكينو ” ( أو الماشنك ) – والتي يقارنها زيدان بطبقة الموالي عند العرب في صدر الإسلام ، على أساس أن المولى في مرتبة بين الحر والعبد . فالعبد اذا تحرر يصبح في درجة المولى ، وهذا ما كان يحدث للعبد عند البابليين إذا تحرر فيصبح في طبقة ” المساكين ” . ويؤيد ذلك أنه فيما يتعلق بالحقوق المالية والواجبات من : الدية والعلاج من المرض وما شابه ذلك ، كانت طبقة ” المساكين ” في منزلة وسط بين الأحرار والعبيد(2).
ومع أنه لا يوجد وجه للمقارنة بين قانون حمورابي الحضري ، الذي لا يعتبر الزواج نافذاً الا بعقد مكتوب ، وبين ما وصلنا من الأعراف العربية القديمة ، فيمكن الإشارة الى بعض العقوبات القاسية التي ينص عليها ، والتي عرفت مثلها الجماعات البدوية منذ القدم . فعقوبة الزنا هي القتل ذبحاً أو غرقاً ، وإذا افترت امرأة على زوجها كانت عقوبتها الإغراق في الماء . ومثل هذه العقوبات التي فرضت على المهنيين إذا أخطئوا في عملهم : فالطبيب إذا عالج عين مريض بسكين وتلفت العين قطعت يداه بنفس السكين ، والبيت اذا سقط على ساكنه فقتله كانت عقوبة البناء القتل ، وإذا لم يترتب على السقوط إزهاق روح كان على البناء إعادة تشييده (1).
دولة حمورابي وتموجات البدو فيما بين نهاية الألف 3 وبداية الألف 2 ق.م.
ولم يقدر للدولة البابلية الأولى أن تعيش طويلاً بعد عصرها الذهبي على أيام حمورابي إذ تهددتها الأخطار من كثير من الجهات :
- ” من المشرق ” حيث ظهر الكاشيون ، وهم من الجنس الهند وأوروبي أو اليافثي .
- ” من الشمال في منطقة الجزيرة والموصل ” حيث بدأ الآشوريون في الظهور ، وهم من الجنس السامي كالبابليين ، وتعتبر دولتهم مجددة لدولة حمورابي .
- ” من الجنوب ، منطقة الخليج العربي ” حيث ظهرت الأسرة التي كونت الدولة البابلية الثانية .
- وكانت أشد الأخطار تلك التي أتت من ” آسيا الصغرى ” حيث ظهر الحيثيون الذين قدر أن يكون خراب الدولة الحمورابية على أيديهم (2).
مصر والهكسوس ( عمالقة العرب )
في الوقت الذي قامت دولة حمورابي وقعت مصر بين أيدي ” جماعات البدو” الذين أتوا من بوادي الشام الجنوبية عبر سيناء وصحراء مصر الشرقية ، والذين عرفهم المصريون باسم الشاسو ، وهي الكلمة التي تعادل البدوي أو العربي ، وكونوا في مصر دولة ( سامية )خاصة بهم ، هي التي عرفت في التاريخ بالاسم اليوناني ” هيكسوس ” أي ” ملوك الرعاة ” والتي عاشت من القرن 23 ق.م الى القرن 18 ق.م . ( أي قرابة خمسة قرون ) ، وهي تؤكد سلطانها في الدلتا في مواجهة معارضة المصريين في الصعيد ، وتدفع عن نفسها خطر الآشوريين الداهم من الخارج .
هؤلاء البدو عرفهم المصريون على تخوم مصر الشرقية في سيناء وفي شرق الدلتا والصحراء الشرقية منذ فجر التاريخ المصري القديم ، وكانوا يخافونهم ويخشون بأسهم . ففي بعض الأحيان كانوا يجردون ضدهم الحملات لطردهم بعيداً عن أرض الوادي ، وفي بعض الأحيان كانوا يستخدمونهم لمحاربة من ورائهم من بني جلدتهم من البدو، وذلك جرياً على السياسة التي اتبعتها الدول منذ القديم والتي انبنت على مبدأ ” فرق تسد” الذي طبقته روما بكثير من النجاح ولكنه مع مرور الوقت ، وبعد أن استقر هؤلاء ” الشاسو” على حدود مصر الشرقية ، طمعوا في البلاد وانتهزوا فرصة الضعف التي ألمت بمصر ( فيما يعرف في تاريخها القديم بالدولة الوسطى ) ونجحوا في السيطرة على الدلتا ، ومنذ ذلك الوقت ارتبط تاريخ مصر بتاريخ الشام والعراق وما بينهما من بلاد العرب .
فالظاهر أن “جماعات البدو” السامية كانوا قد كونوا لهم إمارات في شرقي البلاد ، قبل أن يتغلبوا على الوجه البحري ، وأن زعمائهم الذين استقروا على حدود مصر كانوا على علاقات وثيقة مع بني عمومتهم أصحاب الإمارات في جنوب بلاد الشام ، وان هؤلاء الأخيرين كانت لهم وصلات مع أمراء مصر في الوجهين البحري والقبلي ، وكانت تلك الوصلات تتراوح – كما هو المعتاد – ما بين المودة والعداء .
هكذا عندما اضطربت الأمور في مصر ( اعتباراً من الأسرة 12 ) وآل حكم البلاد الى سنوسرت هرب الأمير المصري ” سنحات بن امنحعت ” الى فلسطين حيث أقام في كنف بعض ملوكها ” عموانشي ” الى أن تقدم به العمر قبل أن يعود الى مصر . وفي مقابل ذلك تذكر النقوش المصرية أنه في عهد الملك سنوسرت الثاني قدم أحد ملوك العرب ” ابيشع ” لزيارة بعض أمراء المصريين في الصعيد الأوسط ولكنه اثر هذه العلاقات الودية تغيرت الأمور فخرج الملك سنوسرت الثالث من مصر الى الشام لمعاقبة ملك فلسطين فكانت هذه فرصة انتهزها بدو ” الشاسو ” أو ” الهكسوس ” الذين تسميهم الروايات العربية ” العمالقة ” للانقضاض على مصر والاستيلاء على الدلتا .
ورغم ما تقوله الروايات المصرية من أن البلاد تعرضت لأعمال من التدمير والقتل وانتهاك الحرمات ، من قبل هؤلاء البدو ، إلا أنه من الثابت تاريخياً أن احتكاك المصريين بهؤلاء الرعاة الفرسان أدى الى تعلم المصريين فنوناً جديدة في الحرب ، أهمها استخدام الخيل والعربات الحربية ، ثم أنه عندما انطلق المصريون يطاردون الغزاة فيما وراء حدود مصر الشرقية توثقت العلاقات مع بلاد الشام والعراق . فكان ذلك فاتحة عهد الإمبراطوريات الكبرى التي توحد البلاد فيما بين مصر والعراق ، والتي كانت إمبراطورية العرب المسلمين آخرتها .
العرب القدماء ( العمالقة في تاريخ مصر القديمة) :
والحقيقة أن الروايات العربية الخاصة بتاريخ مصر القديم ، والتي تصنف على وجه الإجمال ضمن علم ( العجائب ، وهي التي جمعها ابن وصيف شاه في كتابه المعروف بـ” العجائب ” ( الذي ترجمه كارادي فو ) والذي نقله البكري في كتابه ” المسالك والممالك ” عندما تعرض لوصف مصر ، ثم نقله عنه صاحب كتاب الاستبصار في الفصول التي خصصها لمصر (1)، تستحق عناية المختصين بدراسة تاريخ هذه العصور . فتاريخ مصر القديم ينقسم الى فترتين يفصل بينهما الطوفان – الأمر الذي أصبح تقليدياً بالنسبة لتاريخ العالم القديم ، كما سبقت الإشارة .
والفترة الأولى تبدأ بعمران مصر من لدن آدم ، وأول ملوكها هو ” نقراوش ” ابن اضرم ( ملك 230 سنة ) ثم يتبعه في الملك ابنه ” سورت ” الذي كان موحدا فخلع ، وولى بعده مصرام الذي زاد في هياكل الكواكب واحتفل في شكرها ، وبرّسدنت وزاد في دخلها وقرابينها(2).
وفي هذه الفترة بنيت الأهرام بمعرفة ” شوندين بن سلمون ” عندما أخبره الكهان بنبأ الفيضان الذي يحل بالعالم . وعلى أيام فرعان ، الذي اشتق من اسمه اسم الفراعنة ، شاع خبر نوح .
والفترة الثانية تبدأ بعد الطوفان ، وأول ملوكها مصر حفيد حام بن نوح ( وبذلك يصبح أهل مصر ضمن مجموعة الشعوب الحامية ) . وبعده ولى ابنه قطيم ( أبو الأقباط الذي ملك 400 سنة )،وفي أيامه هلكت عاد بالريح(1). والملك عديم هو أول من صلب على جريمة الزنا . أما أول من عبد البقر ونشر عبادتها في مصر فهو الملك ” ساوس “، الى أن ولى الملك ” ماليق ” الذي عاد الى التوحيد ديانة أجداده الأوائل ، مصر وقطيم . ولا نعرف إن كان اسم ماليق له علاقة بالعماليق ( ملوك الشام الذين سيذكرون فيما بعد ) وذلك أن الرواية تسجل له غزوات في بلاد البربر حتى افريقية والأندلس ، مما يذكر بالعلاقات القديمة بين الكنعانيين والبربر .
ومنذ عهد الملك ” كلكن ” تبدأ علاقات مصر مع المشرق العربي . ففي أيامه كان نمرود إبراهيم الخليل ( عم ) الذي ملك العراق وعرف بشدة البأس حتى أراد أن يستبد بملك مصر ، لولا ما أظهره ” كلكن ” من الحكمة والقوة.
وأول الفراعنة بمصر ، كما يزعم القبط ، هو فرعون إبراهيم ( عرف بذلك لبأسه كثرة قتله ) . وعلى أيام ابنته ” حورية ” بدأت الحرب الأهلية في مصر ، وهرب أكبر خصوم الملكة ( أمير مدينة أتريت ) الى الشام حيث كان الكنعانيون من ولد عمليق ، وطلب من ملكهم المعونة . وكاد الأمير المصري الهارب أن يدخل مصر على رأس جيش أهل الشام لولا احتيال الملكة المصرية التي وقعت بين “جيرون “ملك الكنعانيين وبينه ، وانتهى الأمر بقتل الأمير المصري بيدي الكنعاني الذي استخدمته ” حورية ” في بناء الاسكندرية ثم قتلته ، وهي تقول : ” ماء الملوك شفاء النفوس ” .
وعندما ثار ابن اخت أميرا تريب فيما بعد واستنصر بملك العماليق صاحب الشام وهو الوليد بن دومع ، خرج هذا الأخير لنصرته وغلب على مصر . وهنا تؤكد الرواية أن عماليق الشام الذي غلبوا على مصر من العرب العاربة ( أي البائدة ) .
وبعد الوليد ملك ابنه الريان الذي عرفه القبط باسم “نقراوش ” وهو فرعون يوسف (عم) . أما وزيره الذي آلت إليه أمور الدولة ، فهو “قطفير “الذي يعرف باسم ” العزيز ” ، والذي ورد ذكره في القرآن العظيم في قصة يوسف ( عم ) . وقصة بيع يوسف تشير الى العلاقات التجارية بين مصر والشام ، اذ اشتراه الوزير من بعض قوافل أهل الشام التي كانت تنزل بناحية ” الموقف ” من الفسفاط ، وهو سوق الدواب في العصور الإسلامية . وتستمر العلاقات بين مصر والشام بمجيء آل يعقوب الى مصر إثر مجاعة حلت بالشام .
وعلى أيام الملك ” دارم ” بن الريان ، وهو رابع الفراعنة من العماليق ، كانت وفاة يوسف الذي شغل منصب نائب الملك ، وقام باعمار اقليم الفيوم ، هذا ولو أنه توجد رواية أخرى تقول أن الريان بن الوليد صاحب يوسف عاش الى زمن موسى ، وأنه أدركه الإعجاب فتاله ودعا الناس الى عبادته ، فهو فرعون موسى ( عم ) المذكور في القرآن .
والرواة مختلفون في أمر فرعون موسى ، فهو الوليد بن مصعب في رواية أخرى . وهو أجنبي ليس من أهل مصر والغالب أنه من العماليق أو من عرب لخم من الشام . وذلك أن الرواية الراجحة تقول أنه قدم من البادية يحمل خمراً للبيع في وقت كان أهل منف يتنازعون فيمن يولونه أمرهم ، فوقع الاختيار عليه . وبصرف النظر عن الطابع الاسطوري لهذه القصة فانها تعني أنه شامي الأصل اذ كانت الشام هي بلاد النبيذ دون منازع .
وتختم الرواية تاريخ مصر القديم بتمليك موسى بلاد مصر والشام لبني اسرائيل يتوارثونها ملك من ملك ، ومنهم كان داود وسليمان ( عم ) الى أن بعث الله عيسى ( عم ) فملك النصارى مصر الى أن جاء الاسلام .
وهكذا فرغم طابع الرواية القصصي او الاسطوري ، ورغم عدم تشابه الأسماء التي توردها مع ما كشف عنه العلم الحديث من تاريخ مصر القديم ، فإن قصة بداية تحرش العماليق والكنعانيين في جنوب الشام بمصر ثم تمكنهم من السيطرة عليها ، بفضل النزاعات الداخلية ، يمكن أن تتفق بشكل عام مع تاريخ تغلب جماعات البدو الذين عرفوا بالهكسوس على مصر . واذا كانت الرواية العربية تربط بين ملوك هذه الدولة وجماعة الانبياء الذين دخلوا الى مصر عن طريق الشام ، من : إبراهيم ويوسف ويعقوب وموسى ، فان هذا الربط معقول على أساس أ، ملوكها كانوا من قرابتهم .
هذا ويحاول العلماء المحدثون فعلاً تحديد تواريخ ظهور هؤلاء الأنبياء بالنسبة لهذه الفترة . والرأي أن عصر إبراهيم يقع فيما بين أواخر الألف الثالثة ق.م وأوائل الألف الثاني ( ما بين 2061 – 2000 ق.م و 1986 – 1700 ق.م ) ولو أنهم يجعلونه أصلاً من أهل العراق ، من الجنوب حيث مدينة أور الكلدانيين أو من الشمال حيث حران بالجزيرة ما بين دجلة والفرات . أما يعقوب ويوسف فالمفروض أنهما دخلا مصر في القرن 18 أو 17 ق.م ، بينما المفروض أن موسى عاش في مصر في القرن 13 ق.م وبناء على ذلك يكون موسى وحده غير معاصر للهكسوس ، ومن الجائز أن تكون قصة طفولته وخروجه من مصر قرينة على استبداد الفراعنة بالإسرائيليين بعد طرد الهكسوس على أساس أنهم من بني جلدتهم (1).
أما عن الجزء الخاص بتمليك موسى مصر والشام لبني إسرائيل يتوارثون ملكها على أيام داود وسليمان فليس بصحيح ، وذلك أن الثابت تاريخها هو أن ملوك مصر منذ أحمس الذي طرد الهكسوس ومن آتي بعد مثل : تحوتمس الثالث ( حوالي 1600 ق.م ) ثم رمسيس الثالث ( حوالي 1200 ق.م ) رأوا أن خير وسيلة للدفاع عن حدودهم هي مطاردة الغزاة في قلب بلادهم شرقي مصر ، وعن هذا الطريق اتسعت الإمبراطورية المصرية في الدولة الحديثة فوحدت بين مصر وشمال بلاد العرب والشام حتى العراق وبلاد الحيثيين .
وكان رمسيس الثالث من الملوك الذين اهتموا باكتشاف سواحل البحر الأحمر حتى بلاد بونت ، التي يمكن أن تكون الصومال واريتريا أو ما يواجههما من سواحل اليمن . وبفضل الاسطول الذي بناه في البحر الأحمر أمن طرق التجارة بين مصر والشرق الأقصى ، كما اعتنى بطريق القوافل الموصل بين ثنية النيل عند مدينة فقط ( قنا ) وساحل البحر الأحمر عند القصير ، وهو طريق عيذاب الذي ازدهر إبان الحروب الصليبية عندما انقطع طريق سيناء والعقبة . والى جانب ذلك فمن المعروف أن المصريين غزوا القدس أيام شيشنق ، واغلب الظن أن ذلك كان ايام سليمان نفسه (1) هذا ، كما ان الامارة الأمامية في دمشق كانت قد هددت المملكة الإسرائيلية أيام سليمان نفسه ، واستولت على الجليل وجلعاد (2).
العرب القدماء من البائدة ( في اليمن )
عاد :
إذا كان الهكسوس الذين دخلوا مصر في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد يمثلون جماعات العمالقة من العرب البائدة ، فالمفروض أن يكون بنو عمومتهم البائدة من عاد وثمود وطسم وجديس وارم وجرهم وغيرهم قد عاصروهم . ولكن الروايات العربية تريد أن تكون قبائل عاد هي أقدم قبائل العرب على الإطلاق . ولهذا تجعل الرواية العربية الخاصة بتاريخ مصر القديم هلاك قبائل عاد بالريح – وهي القصة المعروفة في القرآن الكريم – معاصرة للفترة الأولى من التاريخ المصري القديم ، على عهد قطيم بن مصر ” أبي الأقباط ” . وهذا أمر مقبول في اللغة العربية إذ أصبحت كلمة عادي تعني : القديم أو الضارب في القدم ، ومنها اشتقت كلمة العاديات بمعنى التحف أو الآثار القديمة .
نسب عاد وأبناءه
وحسب الأنساب العربية فان جد القبيلة هو عاد بم عوص بن آرم بن سام ، الذي سار من بابل حيث تجمع حفدة نوح ليستقر مع بنيه الى جانب يعرب في اليمن ، في منطقة الأحقاف (1). وكان لعاد عشرة أبناء ، ولا ندري ان كان الرقم عشرة هنا مقصوداً لذاته أم لا ، اذ المعروف عند العرب أن من أهم أماني الرجل أن يصل أبناءه الى عشرة حتى أنه كان ينذر العاشر منهم للآلهة كنوع من الشكر حتى يحفظ لهم الزيادة والنماء . والحقيقة أن العدد الذي يقدمه عبيد بن شرية هو 12( اثنا عشر ) ، هم : شداد ، والخلود ( رهط النبي هود ) ،وتيم ، وبر ، وبهار ، والعنود والحقود والصور ( رهط ابي سعيد المؤمن ) ، وصد ( رهط لقمان صاحب النسور ) ، وفد ، وثمود ، ( وإن كان وضع ثمود هنا صحيحاً فهذا يعني فرعاً آخر غير ثمود المعروف) وأخيراً متاب ( رهط صاحب السحابات ) .
صفاتهم
وحسب الروايات القديمة كان العاديون يتمتعون ببسطة في الجسم وقوة البدن وطول العمر وسعة الرزق ، مما يميزهم عن غيرهم من الناس ، وفي ذلك تقول الآيات : ” وزادكم في الخلق بسطة ” و” أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون “(1). وفي ذلك ينسب الى عاد شعر يقول فيه :
اني أنا عاد الطويل النادي ذو العز والقوة والسداد
والبطش والأموال والأولاد يا قوم أجيبوا صوت النادي(2)
مناطق سكناهم
أما منطقة الأحقاف التي نزلوها ، والتي ورد ذكرها في الآية :”واذكر أخا عاد اذ أنذر قومه بالأحقاف ” (1) ، فهي اقليم الرمال الممتد ما ين حضرموت وبحر عدن . والمفروض أن شداد بن عاد هو الذي أقر ملكهم هناك بفضل بنائه للعاصمة الاسطورية المعروفة بـ” ارم ذات العماد ” التي ظن أنها الموضع القديم الذي بنيت عليه الإسكندرية . وفي ذلك تقول الروايات العربية أن الاسكندر عندما أتى موضع الإسكندرية أصاب به أثر بنيان وعمد رخام ، منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند ، وهو القلم الأول من أقلام حمير ،وملوك عاد : ” أنا شداد بن عاد ، سددت بساعدي الوادي ، وقطعت عظيم العماد من شوامخ الجبال والأوطاد، وبنيت ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد …(2) هذا كما قيل أنها دمشق (3) .
سبب هلاكهم
أما عن السبب في هلاك قبائل عاد ، فهو عتوهم في الأرض كما تقول الآية ” وأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ، وقالوا من أشد منا قوة”، وعدم انصياعهم لنبيهم هود ، واستمرارهم في عبادة أصنامهم ، ومنها : صداء ، وبغاء ، وصمود .فعندما دعاهم ” هود ” ردوا نصيحته وظنوا أن بعض آلهتهم أصابهم بجنون . وفي ذلك تقول الآية :” وقالوا يا هود ما جئتنا ببينة ، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمؤمنين ، أن نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء” .
كيفية هلاكهم وعذابهم
وبدا العذاب ينزل عليهم بالقحط المتوالي ثلاث سنين . الأولى سموها جحرة ، والثانية كحلا ، والثالثة كلحا (1) . وفي ذلك ، قيل شعر :
ازما جاءت ثلاثا ما يبل القطر عودا
جحرة تبعت بكحل واحتوت كلح العودا (2)
وكما كانت عادة العرب ذهب وفد منهم الى البلد الحرام مكة يطلبون من الله الفرج ، وعلى رأسهم الأشراف ، ومنهم ” لقمان ” صاحب النسور . ولكن الوفد نسي ما جاء من اجله ، في غمرة كرم الضيافة التي قوبلوا بها ، ” فانصرفوا الى أكل الخبز واللحم وشرب الخمر وسماع القيان . وفي مثل هذه الظروف لم يجد الدعاء من أجل ” القطر الذي ينبت الشجر ويكثر الثمر ويحيي البشر ” . وكان الرد أن نادى المادي ” رمادى ارمد ، لا يبقى من عاد بن عوص أحدا ، لا والداً ولا ولدا ، الا القبيل الأبعدا ، أي أبناء ابي سعيد المؤمن (3).
وأتتهم الريح الصرصر العاتية – من واد كان يقال له “مغيث”، كان يأتيهم من قبلة الغيث – كأمثال الجبال لها لجم بأيدي رجال ، كأن في وجوههم شهب النار ، كما وصفتها ” مهد” نائحة عاد – التي اعتبرت أول نائحة على الأرض – ذلك الوصف الرائع . وفي ذلك قال ” أمية بن الصلت أو النابغة الذبياني ” .
رأت ما رأت ” مهد ” فقيل لها ماذا ترين فقالت أنظر العجبا
أرى رياحاً كأمثال الجبال لها لحم بأيدي رجال تشبه اللهبا
وعصفت جبال الريح بجبابرة عاد فصرعتهم وأهلكتهم طول ” سبع ليل وثمانية أيام حساما ” وتركتهم ” كأنهم أعجاز نخل خاوية ” ، كما تقول الآية(1).
ذكر من نجا من قوم عاد ( أبناء أبي سعيد المؤمن ولقمان صاحب النسور )
وهكذا انتهت عاد الأولى ” وبقيت عاد الآخرة ” ولكن في مناطق جديدة من أحواز مكة ، وهم أبناء “ابي سعيد المؤمن “الذي آمن بهود . وكان متزوجاً من هزيلة الهمليقية ، أخت بكر بن معاوية الذي أضاف الوفد في مكة ، كذلك نجا لقمان الذي لاذ بالبيت وتضرع وطلب العمر ، فأعطى عمر سبعة أنسر ، فعاش 1764 سنة منها 1400 سنة عمر النسور (2).
ولكن هؤلاء أيضاً انتهى بهم الأمر الى البغي والعتو ، ووقع الشر بينهم وبين ثمود الذين أفنوهم عن وجه الأرض ، في قصة من ذلك القصص المعروف بأيام العرب ، حتى لم يكن لهم عقب عندما كان عبيد بن شرية يروي أخباره حوالي سنة 50 هـ .
هذا عن قصة عاد ، كما روتها أقدم الأخبار العربية مستندة الى القرآن والتفسير في كثير من أطرافها . ورغم ما تشير اليه الروايات العربية من وجود قبر هود بالأحقاف في كتيب أحمر تخالطه مدرة حمراء ، ورغم ما تشير اليه من أن الناس كانوا يطلبون زيارته ، وان بعهم كان يوفق في الوصول الى موضعه ، فإن الدراسات الحديثة لم توفق حتى الآن في العثور الى ما يشير الى عاد . هذا ويشير بعض الكتاب اليونان بين ما يذكرونه من قبائل اليمن ، الى قبيلة اسمها ” أدرميتاي Adramitai ” يظن بعض الكتاب أن المقصود بها هم العاديون أو ” العادرميون ” على أساس أنها عاد أو عاد ارم(1).
ثمود
وعندما تذكر قبائل عاد تذكر الى جانبها قبائل ثمود فكأنهما توأمتان ، وهما كذلك ولكن في سوء السيرة وتعاسة المصير . والحقيقة أن قصة كل من الشعبين هي في نفس الوقت قصة نبي من الأنبياء عصاه قومه فكان جزاءهم سوء العذاب ” وهود ” هو نبي عاد ونبي ثمود هو ” صالح ” صاحب الناقة .
نسب ثمود وأماكن سكناهم
وثمود حسب شجرة الانساب العربية هو ثمود بن عامر بن ارم ، فهو ابن عم عاد ، وكانت هجرته مع بنيه وآله من بابل الى اليمن بعد هجرة عاد . أما استقراره في اليمن فكان في قلب اليمن ، في وادي صنعاء ، مجاوراً ليعرب حيث تكلم باللسان العربي . ثم أن ثموديين انتشروا بعد ذلك في مواضع من الحجر الى قرح أي نحو وادي القرى ، وهي مدائن صالح الحالية ، بين الشام والحجاز (1)الى رملة فلسطين على 18 ( ثمانية عشر ) ميلاً بين الحجاز والشام (2).
والنزول في وادي صنعاء يعني الاقامة في منطقة غنية كثيرة الماء والخصب أما التوسع نحو وادي القرى وجنوبي الشام ، فيعني الهجرة نحو الشمال ، أما بسبب زيادة الكثافة السكانية بين الثموديين أنفسهم مما دعا بعضهم الى البحث عن موارد جديدة للعيش ، وإما أن يكون نتيجة لصراعات فيما بينهم ، أو بينهم و بين غيرهم من ابناء عمومتهم المهاجرين من العراق – حسبما تنص الرواية – أو بسبب ظروف طبيعية طارئة . والذي يتضح من الرواية فعلاً هو أن الهجرة الى وادي القرى كانت بعد هلاك عامة ثمود ، وأن المهاجرين هم الذين آمنوا بصالح فكأن ثمود وادي القرى هم ثمود الآخرة ، كما كانت عاد الآخرة هم رهط أبي سعيد المؤمن .
أما عن الفاصل الزمني بين ” هود ” عاد وبين ” صالح ” ثمود فتقدرها الرواية بـ 500 ( خمسمائة ) سنة (1) ، وذلك بعد فناء عاد الآخرة (2). ولما كانت الرواية تجدد الفارق بين صالح وبين إبراهيم بعده بـ 200 ( مائتي ) سنة ، ولما كان عدد من الباحثين المحدثين يرون تحديد عصر إبراهيم بحوالي سنة 2000 (الفين ) قبل الميلاد ، فكأن رواية عبيد تحدد هلاك عاد بحوالي سنة 2700 ق.م ، وإبادة ثمود بعد ذلك بـ 500 سنة ، أي حوالي سنة 2200 ق.م .
صفاتهم وتنظيمهم السياسي
والثموديون – مثلهم مثل العاديين – يتصفون بالفضل في الابدان والقوة وطول العمر ، الى جانب السعة في الرزق . أما عن سبب دعوة النبي صالح بينهم ، فهو ما انتشر فيهم من الطغيان والفساد ، وخاصة عبادة الاصنام . ويفهم من الرواية أن الجماعة الثمودية كانت منظمة في شبه دولة لها مؤسساتها السياسية والدينية . فكان لهم رئيس ( رأس ) هو : جندع بن عمرو بن خراش ، وصاحب حرب هو : خليفة بن عمرو بن لبيد بن خراش ، ولهم كاهن هو زيان بن صمغة ، كما كان لهم صاحب أوثان ، هو : ذؤاب بن عمرو .
أعيادهم وطلبهم الناقة من صالح عليه السلام
أما عن أعيادهم فالظاهر أنها كانت مواسم تجارية دينية اجتماعية ، تقع في فصول السنة الخصبة – مثلما كان الحال عند بقية العرب . فقد ” كان لثمود عيد في كل سنة يخرجون فيه الى بعض نزهاتهم بأوديتهم ، فيخرجون بالخمر والطعام والأجرار ، ويخرجون معهم أصنامهم التي يعبدونها ، ويقيمون هناك أياما يأكلون ويشربون ويلعبون ، وتضرب لهم القيان بالدفوف والمعازف ، ويجتمعون لذلك العيد من قراهم كلها في ذلك الموضع لذلك اليوم (1).
ومثل هذا العيد كان فرصة مناسبة لمناقشة أمور الجماعة على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدينية . ففي هذا العيد طلبت الجماعة من صالح النبي أن يصنع لهم آية يعتبرون بها ، بأن يخرج لهم من بعض الهضاب ( الصخور ) ” ناقة حمراء شعراء وبراء مهبرجة “- وهذا أمر طبيعي بالنسبة لمجتمع بدوي يعيش على نتاج الابل – ( لها ضجيج وعجيج ورغاء شديد ، تفور لبنا سائغاً )(2). وكان من الطبيعي ان يستجيب الزعماء السياسيون للدعوة ، وأن يرفضها أصحاب المصلحة من رجال الدين ، مثل : صاحب الكهانة وصاحب الأوثان (3).
قصة الناقة وأشياء لها مغزاها
وقصة الناقة مهمة بالنسبة الى تنظيم ذلك المجتمع البدوي ، من قسمة الماء بين الدواب على أيام الأسبوع ، وكيف كان للدواب طريق لورود الماء
وطريق آخر منه بعد ان تمتلئ ، ومن : صعودها على ظهر الوادي للرعي
صيفا ، وهبوطها الى بطن الوادي شتاءا ، وكيف يمكن ان تصطدم مصالح الجماعات المختلفة بسبب هذه المسائل .
وفي القصة أشياء لها مغزاها ، من : طبيعة الأسماء ، وبعض العادات الاجتماعية التي عرفها العرب قديمها . فالعجوز الفاسقة صاحبة الماشية ، التي حقدت على الناقة ، اسمها : عنيزة وكنيتها أم غنم ، وابنتها الجميلة ، هي :الرباب . أما أختها الجميلة الفنية ، فهي : الصروف ، وزوجها ، الفقير الذي كانت قد فوضته في مالها ،كما تفوض المرأة زوجها ، فهو : ضيم .
وعندما تختلف الصروف مع زوجها ، تطلب مناظرته في حضرة بعض بنى عمومتها .
والرجلان اللذان عقرا الناقة بتحريض عنيزة والصروف والصرفشيع الأولى بدفها وانشادها واغراء ابنتها الرباب ، وهي في زينتها ، فهما : مصدّع وقدّار والأول رمى الناقة بسهم في ساقها ، والثاني ضرب عرقوبها بمعوله حتى أبانها ثم طعنها بالسيف في لبتها فنحرها ، واتبع ذلك برمي سقبها ( صغيرها ) وكانت فرصة لكي يقتسم الناس لحمها (1).
وكانت مذبحة الناقة بعد صدورها من الماء في يوم ” الأربعاء ” الذي كان يعرف عند العرب قديماً بـ” دبار ” وذلك أن أيام الأسبوع الجاهلية كانت كالآتي ، ابتداء من يوم الأحد : يوم أول ، أهون ، جبار ، دبار ، مؤنس ، عروبة ، شيار (1).
وعندما اغتيلت الناقة ، ” كان (صالح )نازحاً عنهم في دار قومه ، لا علم له بما فعلوا بالناقة ” ، وكان طبيعياً أن يدعو عليهم ، وأن يجيب الله دعاءه . وبدأت نقمة الله بقتل السفهاء الذين شاركوا في الجريمة ، واتهمت عامة ثمود صالحاً وأصحابه بقتلهم . ورد عليهم صالح بأن الله سينزل بهم العذاب في ثلاثة أيام ، وتم الاتفاق بين عامة ثمود وبين آل صالح على الانتظار تلك المدة ، فإن نزل بهم العذاب فهو صادق والا سلمه أهله اليهم “بما جنى على نفسه من الكذب ” (2). وهذا ما يعرف عند العرب ” بالمباهلة ” – أي الاحتكام الى القوى الالهية عن غير الحرب ، مثل التعرض للماء أو النار – ومثل هذا ما عرفته الشعوب البدوية في العصور الوسطى في أوروبا ، مثل الجرمان ، وكان يعرف عندهم باسم الاوردالى Ordalie .
ونزل العذاب بثمود خلال ثلاثة أيام ، فاصفرت وجوههم في الأول منها واحمرت في الثاني ثم اسودت في الثالث ، واتتهم الصعقة في اليوم الرابع ، فقضت عليهم . ولا ندري أي نوع من الوباء هو الذي يؤدي الى مثل هذا التغيير في الألوان والأبدان . وربما كان من المهم أن نشير الى أن القوم حفروا قبورهم في بيوتهم ، وأنهم تحنطوا ولبسوا الأكفان . وكانت أكفانهم من الانطاع وخيوطهم من المر (1).
أما صالح ومن آمن به ، فقد خرجوا إلى الشام حيث نزلوا رملة فلسطين وربما عنى ذلك سكان وادي القرى ، فيما بين الشام والحجاز ، هم ثمود لثانية – كما كان بنو ابي سعيد المؤمن هم عاد الثانية في الحجاز ، فيما تقدم.
وقصة استقرار ثمود في اليمن ثم هجرتها الى شمال الحجاز ، مقبولة اذ تتفق مع ما هو معروف من هجرات عرب الجنوب نحو الشمال . واذا كانت الابحاث الأثرية والتاريخية الحديثة تدلل على أن بلاد ثمود كانت – قبل التاريخ الميلادي – في وادي القرى أو ما يعرف حالياً بمدائن صالح ، فان ذلك لا يقلل من أهمية الرواية العربية ، بل نرى أنه يؤيدها أو يرجح صحتها
فلقد ذكرت بلاد ثمود ضمن البلاد التي استولى عليها الملك الأشوري سرجون في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد ( سنة 715 ق.م ) ، واذا كان ما يفهم من وصفها أنها كانت تقع بالقرب من مكة أي جنوبي الحجر ، فإن ذلك يؤيد قصة الزحف من الجنوب نحو الشمال : ذلك أن الكتّاب اليونان يحددون بلاد ثمود ، في مطلع التاريخ الميلادي ، بمنطقة الحجر التي يسمونها ” آجراAgra ” (1) .
واذا كانت منطقة مدائن صالح قد دخلت قبيل التاريخ الميلادي في نطاق دولة بطرا ( البتراء ) النبطية ، مما سيأتي ذكره فيما بعد ، واذا كانت النقوش التي وجدت فيها تعتبر من النوع لنبطي أو الآرامي وليس من نوع المسند أي كتابة جنوب الجزيرة في اليمن ، فإن هذا لا يمنع أن تكون ثمود قد سكنت المنطقة وأن يكون الثموديون قد اتخذوا بعض هذه الخطوط اثر نقلتهم نحو الشمال . وذلك أن قصة تطور الخط العربي لها ارتباطها بتغير البيئة والمجتمع والتقاليد . ومن هنا صنف المختصون الخطوط التي وجدت في أقاليم شمال الحجاز وجنوب الشام الى عدة انواع منها : الكتابة اللحيانية ، والصفوية ، والثمودية ، ورأوا أنها جميعاً فروع لخطوط عربة جنوبية ، أي من كتابة المسند اليمنية (2). وهذا يعني أن أصحاب هذه الكتابات جميعاً أصلهم من اليمن . واذا كان بعض المتخصصين ( مثل جلازر ) يرى أن نحيان ( اصحاب الكتابة اللحيانية ) هم من ثمود ، فإن ذلك يرجح الرواية العربية التي تشير الى أن هذه المنطقة كانت جميعاً لثمود الثانية أو الآخرة . وبذلك لا تكون مصطلحات : لحيانية وثمودية وصفوية ، أكثر من علامات لتسهيل دراسة النقوش الثمودية المتطورة على مر العصور .
جديس وطسم
جديس
المفروض – حسب شجرة النسب العربية – ان جديساً هو اخو ثمود ، فهو جديس بن عابر بن ارم بن سام . وتبعاً لأخبار عبيد بن شرية فإن ثموداً هو الذي دعا أخاه جديساً الى ترك بابل واللحاق به في اليمن . وتؤكد القصة ذلك بالشعر الذي هو :” ديوان العرب ، والدليل على أحاديثها وأفعالها ، والحاكم بينهم في الجاهلية ” ، بصرف النظر عما يمكن أن يوجه الى هذا النوع من الشعر أو الرجز اذا ما اريد نسبته الى عصر ما قبل الاسلام ، او اذا ما قورن بما هو معروف من أقوال شعراء العصر الجاهلي . فقد وجه ثمود دعوته الى اخيه ، قائلاً:
أيا جديس يا جديس ويحكا أخوك لا تؤثر عليه عمكا
وعندما حضر جديس الى اليمن ردّ على أخيه ثمود بلسانه العربي الجديد :
أيا ثمود قد أجبت صوتكا وقد عرفت أن مجدي
وكان نزول جديس وبنيه في أرض اليمامة (1) ( في مجدكا جنوب شرقي نجد فيما بين عمان والبحرين ) التي كانت تعرف من قبل باسم قريتها “جو ” (2). وعلى عكس الرواية التفصيلية الخاصة بكل من عاد وثمود ، والتي جعلت من تاريخ ثمود استمراراً لتاريخ عاد ، كما سبق ، نجد الرواية هنا مبتورة فيما يتعلق بجديس أذ تتركهم في اليمامة لتعالج تاريخ اليمن من ألقحطانية ،
فلاتعود الى ذكر جديس ألا في ثنايا تاريخ اليمن ،وفي صراعها مع شقيقتها قبيلة طسم ،وذلك في نهاية تاريخ كل من القبيلتين 0
طسم
وطسم هو ابن لاوذ بن ارم بن سام ، فهو “شقيق عمليق ” الذي ترك بابل بعد جديس . والمفروض ان طسما لحق بأخيه عمليق (1). ولكن ولده تبعوا جديساً في اليمامة ، لما علموا من سعة أرضهم . وهذا واضح من وصف الهمداني لليمامة واوديتها وقراها الكثيرة النخل والزروع والأودية والآبار ( البئار ) (2). وتقول رواية عبيد أن طسماً دخل بعد ذلك أرض فارس ( حتى قيل ن جميع أجناس الفرس من ولده ) (3)
وبعد أن تنقطع اخبار كل من جديس وطسم عند معالجة القحطانية في اليمن تظهر أخبارهما فجأة لتنهي تاريخ كل من القبيلتين ، على أيام ملك اليمن حسان تبع . وفي الرواية تحل قبيلة عمليق محل طسم ، بمعنى دخول تاريخ طسم وبنيه في تاريخ أخيه عمليق وبنيه ، مما يمكن أن يفهم منه أن عمليقاً كان قد شخص الى اليمامة أثر جديس ثم تبعه طسم الى هناك ، أو مما يفهم منه أن جميع العرب البائدة يمكن أن يطلق عليهم اسم العمالقة ، كما رأى البعض .
أما عن استبداد طسم ( أو عمليق ) بجديس ، فيفهم منه أن القادمين الجدد غلبوا الجديسيين على أرض اليمامة . هذا ، ولو ان الهمداني عندما يصف بعض الحصون العتيقة في أرض اليمامة ، في القرية الخضراء ، وهي خضراء حجر ، ويقول أنها :”حضور طسم وجديس وفيها آثارهم وحصونهم وبتلهم الواحد بتيل ، وهو هن مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين ” . وانه ربما ارتفع الواحد منها في السماء الى مائتي ذراع وأكثر ، يعود فيخصص ، قائلاً ” كانت جديس تسكن الخضرمة ، وكانت طسم تسكن الخضراء “(1). ولما كانت الخضرمة هي ” جوّ ” القديمة ، وهي التي كانت تعني اليمامة ، كما رأينا ، وكما يسجل الهمداني ذلك أيضاً (2) ، فإن ذلك يمكن أن يؤيد ما ذهبنا اليه من ان الوافدين الجدد من طسم غلبوا على بني عمومتهم من الجديسيين على قصبة البلاد – مع مرور الوقت – .
وتشير الرواية الى أن الاستبداد بجديس بلغ الى حد أن أمر عمليق بألا تتزوج بكر من جديس يبدأ بها فيفترعها قبل أن ينالها زوجها . ومع أننا لا ندري ان كان هذا الأمر يمكن أن يكون من العادات التي عرفتها بعض الجماعات المنقطعة في بعض العصور – فإلى مثل ذلك تشير بعض الروايات الخاصة بتاريخ المغرب الإسلامي عند بعض الجماعات المنقطعة في الجبال – فان الرواية تجعل جديساً تنظر بعين الاستنكار الى هذا الفعل الشائن ، حتى أنها تدبر مقتل الملك عمليق غدراً . فلقد دعته الى طعام بعد أن دفنت سيوفها في الرمل ، ثم فاجأته ومن معه من طسم فقتلتهم
وسار من نجا من طسم الى حسان تبع ملك اليمن واستنصروا به ، فخرج لغزو اليمامة ، وهو يعمد الى التمويه عن طريق حمل الرجال للأشجار حتى تتم المفاجأة . ولم تغب الخدعة عن المرأة الاسطورية التي كانت تسمى زرقاء اليمامة ، التي كانت تكتحل بالحجر الأثمد ، والتي كانت تستطيع أن تبصر الركب من مسيرة ثلاثة أيام ولكن قومها لم يصدقوها . ولا بأس أن تكون المرأة ذات البصر الحديدي كانت قد اعتادت على النظر الى مسافات بعيدة من فوق الصوامع الشامخة التي كانت معروفة بالبتل والتي كان بعضها يصل الى ارتفاع 500 متر (1). وبذلك دخل ملك اليمن الى اليمامة وأباد جديساً على بكرة ابيها ، وعن هذا الطريق لحقت جديس بعد طسم بعاد وثمود ، وصاروا من العرب البائدة (2).
ويضيف عبيد بن شرية الى ذلك خروج طيء من الجوف في اليمن الى جبلي طيء . وبذلك لا تعرفنا القصة إلا ببداية كل من جديس وطسم في اليمامة ، ثم نهايتهم على أيدي اليمنية . وإذا صحت القصة ، وبناء على الأبحاث الحديثة في تاريخ اليمن ، يمكن تحديد نهاية كل من طسم وجديس بأوائل القرن الخامس الميلادي ، حيث عاش الملك حسان بن تبع .
ورغم فناء أهل اليمامة من جديس وطسم فان البلاد ظلت تتمتع بسمعة طيبة من حيث رخائها وخصبها وطيب مناخها ، وحسن المقام بها ، مما جعل شعراء الجاهلية والإسلام يلهجون بالثناء عليها ، كما يسجل الهمداني في صفة الجزيرة .
ففي قرية ملهم ، وهي غير بعيدة من وادي قرّان ، يقول مرقّش :
بل هل شجعتك الظعن باكرة
كأنهن النخل من ملهـم
وفيها قال طرفة :
وان نساء الحيّ يركدن حوله
يقلن عسيب من سرارة ملهما (1)
أما ذات غسل من أرض اليمامة ، فقال فيها الشاعر :
أيا ذات غسل يعلم الله أنني
لجوّك من بين البلاد صديق (2)
ومنها موضع بلبول ، وفيه يقول عمارة حيث دفن ابنه :
سقى الله بلبولاً وجرعائه التي
أقام بها ابني مصيفاً ومربعا
وعن حصن آ عصام خادم النعمان ملك الحيرة الذي قال فيه النابغة
نفس عصام سودت عصاما
فخير ما ورائك يا عصام
ومن المواضع باليمامة ” الدخول وتوضيح ” ، وإياها عنى امرؤ القيس بقوله:
يسقط اللّوي بين الدخول وحومل
وتوضح فالمقراة لم يعف رسمها (1)
آثار اليمامة
وعن آثار اليمامة القديمة ، فإلى جانب ما ذكره الهمداني من البتل أو الصوامع المبنية باللبن التي أقامتها جديس وطسم ، يذكر تحصينات مدينة جسعدة ، وهي من مدن العروض ، ويشير الى أن جدرها تسمح بأن يركض عليها أربع من الخيل جنباً الى جنب ، وان ” جهد الغالي بالسهم أن ينال رأسها ” .
أما عن القصر الذي يصفه بالعادي ، في موضع الابل ، وهو من عهد طسم وجديس ، فيصفه بأنه حصن يتكون من قسمين :
- قاعدة سفلى مبنية بالطين ( او اللبن ) المدكوك الى ارتفاع 30 ( ثلاثين ) ذراعاً .
- الحصن الحقيقي فوق القاعدة ، وهو مبني في الوسط ، وحوله منازل حاشية الرئيس ، يحيط بها النخل والاثل (1)
والبناء بالطين في اليمامة ، قديماً وحتى أيام الهمداني ، يدلل على استمرار خصب البلاد ووفرة الأرض الطيبة والمياه بها ، كما هو الحال في العراق القريبة منها . وكما هو الحال في وادي النيل منذ القديم . ولكنه لما كان من الخطورة ان تتعرض الحيطان الطينية للحصون لخطر الماء ، خصوصاً اذا كان يحيط بها خندق . فنجد أن البناء احتاط في بناء اسوار مدينة ” سوق الفلح ” ( القريبة من جعدة ) التي بلغ سمكها 30 ( ثلاثين ) ذراعاً ، فمنطقة ” بالفضاض والحجارة والشاروق ” الى ارتفاع قامة وبسطة ، فرقا ان يحصر أو يرسل العدو السيول عليه (2).
أما القصر المنسوب الى سليمان بن داود ، والذي كان موجوداً في قرية سدوس ، فكان مبنياً بصخر منحوت عجيب ، ورغم أن معظمه كان خراباً فإن قصبته ( أي قلعته ) كانت سليمة على أيام الهمداني .(3)
جرهم
وآخر العرب البائدة الذين يعتبر عبيد بن شرية الجرهمي – أقدم أخباريينا بالنسبة لهذه الدراسة – آخر ممثليهم ، فهم قبائل جرهم ، الذين استقروا بالحرم بمكة ، والذين صاهرهم إسماعيل بعد ان أقره والده ابراهيم هناك ، فكان جميع ولده من بنت ” مضاض بن عمرو الجرهمي ” ، زعيمهم المشهور (1).
والغريب أنه غم أن عبيد بن شرية يضع جرهماً بين العرب العاربة من : عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق (2)، على أساس انه ابن قحطان واخو يعرب (3) ، الا أنه عند توزيع هؤلاء من بابل الى اليمن ثم الى غيرها من البلاد ، وكما رأينا ، لم يخصص مكاناً لجرهم ، واكتفى بالإشارة الى ان الذين تركوا اليمن الى الحرم هم أبناء عمليق . ولا بأس من أن يكون الخلط هنا بين العمالقة وجرهم ، كما سبق الخلط بين العمالقة وطسم ، يعني اعتبار جميع البائدة من العماليق ، كما أشرنا والمهم هو أنه عاد وخصص لجرهم دورها في الهجرة الى مكة .
وهجرة العرب البائدة ( الأوائل ) من اليمن تمثل دورة ثانية في تاريخ العرب القدماء – بعد الدورة الأولى التي بدأت بالهجرة من العراق – يمكن أن تسمى بالدور اليمني .
وعلى عكس قصة فناء عاد وجلاء ثمود ( بعد 500 سنة ) التي تدخل في سير الأنبياء ، فإن قصة خروج العماليق من اليمن ، وكذلك خروج جرهم ، تدخل في نطاق الأمور التاريخية المعتادة ، وذلك نتيجة لكثرة العرب باليمن ، وبدء الصراعات فيما بينهم من أجل أسباب الحياة . واذا كانت قصة خروج العماليق من اليمن الى الحجاز مبتسرة ، فكأن العماليق لم يؤثروا في وطنهم الجديد باليمن ولم يتأثروا به ، فإن قصة جرهم تمثل جزءاً أساسيا من تاريخ اليمن ، كما عرفه العرب قديماً .
أصل جرهم
فجرهم هو ابن قحطان بن عابر ( هود ) ، فهو ابن رأس ملوك اليمن قحطان ، وشقيق يعرب ” أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن “(1). ولقد استقر أبناء جرهم الذين تكاثروا في اليمن ، ومنهم : هزان ، وذيال ، والعاد ، ومصيار بين أبناء عمومتهم القحطانية . والظاهر أن فكرة الكتاب العرب عن جرهم ، أنهم تمتعوا بعظم الأجسام ، وطول الأعمار ، وزيادة القوة والبأس ، مثلهم في ذلك مثل عاد والعماليق . فعندما يذكر وهب بن منبه في تاريخه اليمن بين هزان ( أول قبائل جرهم ) في الأحقاف ، يقول أنهم :” كانوا أطول الناس أجساماً واعناقاً ” ، ولذلك سموا بالغرانيق لأن الغرنوق طويل العنق . ويقول عن أحدهم ، وهو سعدانة بن هزان ، أنه : كان يأكل التمر جالساً من نخلة سحوق (1).
الحرب بين جرهم وبين الحميريين
وينتهي الأمر بالحرب بين جرهم وبين بعض بني حمير ، ولما يجد الجرهميون أنه لا طاقة لهم بحمير ، فإنهم يقررون الرحيل عن اليمن نحو الحجاز ومكة ، تحت قيادة زعيمهم المشهور ” مضاض بن عمرو ” الذي ملكوه على أنفسهم (2). ومع ان قصة عبيد بن شرية هذه مقبولة من حيث الشكل والموضوع ، فإن وهب بن منيه يروي في ” التيجان ” رواية أخرى ، قد لا تصمد كثيراً أمام أصول النقد . فهو يريد أن تكون مسيرة الجرهميين الى مكة بناء على توليه شرعية لهم من قبل يعرب ملك اليمن ، ليس على بني عملاق في مكة فقط بل وعلى طسم وجديس أيضاً (3). وأن ذلك كان على عهد جرهم نفسه ، وهو الأمر المستغرب .
أما عن فكرة إقامة دولة جرهمية في مكة ، توارثها بنو جرهم كل عن والده ، وهم : عبد ياليل ، وحرشم ، وعبد المدان ، ونفيلة ، وعمرو الذي يعرف أيضاً ” بعبد المسيح ” ، ثم مضاض ثم الحارث بن مضاض ، فهو أمر لا بأس به (1).
مساكن جرهم
وهكذا وصلت جرهم الى مكة ، وكان أهلها العماليق ، واختاروا موقعاً في أعلى الحرم كان يكثر فيه الشجر الذي قطعوه ، ونزلوا فيه . وهذا الموضع هو الذي صار يعرف باسم المعلاة – أي الحي المرتفع من مكة في مقابل الأبطح أو البقيع الذي يمثل الحي المنخفض الذي عرف بالمسفلة . وتقول رواية عبيد بن شرية أنه كان لجرهم قبيلة حليفة نزلت في أسفل مكة حيث موضع جبلي قعيقان وأجياد (2)، الذين سيأخذان اسميهما مما سيدور – فيما بعد- من الحروب بين الجرهميين أنفسهم من : قعقعة الدروع ، والجود بالدم .
تعايش الجرهميين والعملاقيين وحربهم ضد بني اسرائيل
والظاهر ان الجرهميين والعملاقيين تعايشوا في مكة لفترة من الزمان ، فهذا ما يمكن أن يفهم من رواية وهب بن منيه ، من أنهم حاربوا جنباً الى جنب بني اسرائيل وحلفائهم من الروم عندما اتو من الشام يهددون مكة (3)، ولو ان وهب بن منيه يعود فيسجل لمكة انتصارين آخرين على الإسرائيليين والروم ، أولهما : يعرف بيوم ” شنيف ” قرب جبل المطابخ – غير بعيد عن مكة – وكان قائد المكيين هو عمرو بن مضاض الجرهمي (1)، والثاني كان تحت راية اخيه الحارث بن مضاض . واذا صح ذلك تكون جرهم قد استقلت بملك مكة ، ولم يعد للعماليق فيها أي سلطان .
مصاهرة إسماعيل النبي جرهم وخروج جرهم على دعوة إبراهيم وإسماعيل
وعندما يستقر إسماعيل في مكة يصاهر جرهما ، فيكون بنوه جميعاً ، وهم العرب المعدية من زوجته الجرهمية . ويأتي فناء جرهم فجأة دون مقدمات مناسبة . والظاهر أن ذلك بسبب خروجهم على دعوة ابراهيم وإسماعيل ، فهذا ما يفهم من رواية وهب الذي يقول : أنه لم يبق منهم الا ” عشرون ” رجلاً كانوا مؤمنين ، على دعوة اسماعيل (2). وهكذا هام زعيمهم الحارث بن مضاض الجرهمي ، اذ خرج هارباً يجول في الأرض هماً وغماً ووحشة لما نزل بقومه ، وتغرب ثلاثمائة سنة وكثرت فيه الأمثال ، وسار بغربته الصوت حتى ذكره حبيب بن اوس الطائي ، في الإسلام فقال :
غربة تقتدي بغربة قيس بـ ـن زهير والحارث بن مضاض
والفتى من تعرفـه الليالـي في الفيافـي كالحيـة النضناض
زعمائهم
الحارث بن مضاض موضوع أدب شعبي طريف :
والحقيقة أن آخر ملوك جرهم العظام ، وهو الحارث بن مضاض كان موضوع أدب شعبي طريف ، بقيت أصداؤه حتى صدر الإسلام . فالملك الجرهمي ” كان يملك مكة وما والاها من الحجاز والتهائم الى هجر والانعمين ، وحضر العالمين الى مدائن ثمود ” (1). وفي أواخر أيامه كان شيخاً جليلاً ” كالنخلة السحوق ، اعمى ، ولحيته تنطح ركبته ” ، يرتاح من يراه من عظم جسمه ، واذا وضع يده على منكب الرجل أحسّ وكانها الجبل . والجمل لا يستطيع أن يحمله الا يوماً واحداً ثم يقطر ، وهو يتنبأ بمولد النبي محمد ، في بني مضر ، وهو في طريقه الى مكة .
هذا ، كما كان الحارث طرفاً في قصة غرام من النوع المفجع ( مثل قصة ليلى والمجنون ) ، بطلبها ابن أخيه عمرو ، الملك السابق ، وهو الشاب الفاتن : مضاض بن عمرو الذي هوى ميّة ابنة الزعيم مهليل بن عامر ، وكانت أجمل من رأته العيون . وكان من الممكن للحارث بن مضاض الرقيق الحاشية ، والذي أشفق على العاشقين المولهين أن ينهي قصتهما بالزواج ، لولا أن هجم علينا الشهر الأصم – كما يقول الحارث – وكنا لا نحدث فيه حدثاً غير ” العمرة والطواف ” حتى ينسلخ ” . ومع تدخل الوشاة تنتهي فصول القصة التي بدأت بالفاجعة . فتسير ميّة الى أخوالها ويتبعها مضاض ، هلعاً جزعاً مضرباً عن الشراب حتى الموت ، وتلحق به ميّة ، ميتة عطشاً هي الأخرى ، بعد أن أوصت بأن تدفن الى جانب مضاض في الدوحتين (1).
فصار موت مضاض بن عمرو مثلاً بين العرب ، فقال فيه رجل من أهل الطائف:
أموت اذا جدّ الفراق بيثرب
كما مات من حر الفراق مضاض .
مقابرهم واشعارهم وآخر زعمائهم
أما مقبرة آباء الحارث ، وهم ملوك جرهم في مكة ، وحيث ذهب الحارث نفسه ليموت على سريره ، فهي لا تقل في وصفها عن مقابر قدماء المصريين . فقد كانت في أسراب مهولة ، مليئة بالدر والياقوت واللجين ، وتحرسها الحيات والتنين . وفيها ” قبر نفيلة بن عبد المدان ” ” وقبر عبد المسيح بن نفيلة ” ، ” وقبر مضاض بن عبد المسيح ” وكان على قبر عبد المسيح لوح مكتوب فيه : انا عبد المسيح بن نفيلة بن عبد المدان ، ” عشت مائة سنة ، وركبت مائة فرس ، وافتضت مائة بكر ، وقتلت مائة مبارز ، وأخذني الموت غضباً (2).
والظاهر أن صيت مقبرة آل الحارث ، وما حوته من الكنوز والذخائر قد ذاع أمره قبيل عصر النبوة وفي صدر الاسلام , فثروة اياد بن نزار ( أخى مصر وربيعه ) تنسب الى وقر بعير حمله من المقبرة ثمنهاً لحمل الشيخ الحارث بن مضاض الى مكة (1)، كما نسبت اليها أيضاً ثروة عبد الله بن جدعان – الزعيم القرشي المعروف – اذ وجد فيها الجوهر والياقوت واللجين والعقيان ، الذي باعه في مصر ، فكان سبب غناه .(2)
والى الحارث بن مضاض ينسب الشعر الذي يرثى قومه جرهماً :
كن لم يكن بين الحجون الى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلـى نحـن كنـا أهلهـا فأزالنـا صروف الليالي والجدود العواثر
وكنـا لاة البيـت من بعد نابت نطوف بذلك البيت والخير ظاهر
فصرنا أحاديـث وكنا بغبطـة كـذلك عضتنا السنون الغوايـر
آخر الجرهميين
ولا يكتفي وهب بن منيه بنهاية جرهم عند الحارث بن مضاض فيجعل له خليفتين في حكم مكة ، هما : عمرو بن الحارث ثم البشر بن عمرو الذي سلم للإسماعيلية من المعدية والنزارية ملك مكة ، وبذلك يكون آخر ملوك جرهم .
وهكذا تنتهي أخبار العرب البائدة ممن أشارت اليهم الروايات العربية القديمة ، ولكنه يبقيه أخبار دول من العرب البائدة التي كشفت عنها الأبحاث الأثرية الحديثة والتي أشارت اليها أخبار اليونان والرومان بصفة خاصة ، وذلك لأنها كانت دولا عاشت على حدود بلاد الشام ، ودخلت في نهاية الأمر تحت نفوذ الدولة الرومانية ، ومن أشهرها : دولة بطرا ( البتراء ) ، ودولة تدمر .
عرب الأنباط في بطرا ( البتراء )
لقد أصبح تاريخ عرب الأنباط أو النبط – وأصلها نبطو ، كما وجد الاسم في نقوشهم (1) – في جنوبي بلاد الشام وشمالي الحجاز يكون فصلاً هاماً من تاريخ العرب قبل الإسلام ، وذلك بعد أن بدا علماء الآثار واللغات السامية في الكشف عن أنقاض مدينة بطرا ( البتراء ) ، ومنذ بدأوا في فك النقوش العربية القديمة التي وجدت في منطقة حوران وفي مدائن صالح ، وهي من إقليم وادي القرى المعروف في شمالي الحجاز . ولا ندري ان كان من الممكن الربط بين تاريخ ثمود الآخرة في إقليم ما بين الحجاز والشام وبين تاريخ هؤلاء العرب الذين عرفوا بالأنباط ، والذين لهم ذكر لا بأس به عند كتاب اليونان والرومان ، منذ غزوة الاسكندر المقدوني .
أصلهم
والثابت أن الأنباط الأوائل هم من سكان العراق اذ ورد ذكرهم في آثار ” آشور ” منذ القرن السابع ق.م ، على أيام ” آشور بانيبال ” (1)وهذا ما يفسر كيف أن العرب عندما عرفوا الأنباط لأول مرة كان ذلك في بطائح العراق ، حتى قالوا أن اسمهم مشتق من كثرة الماء – الذي هو النبط – عندهم ، وربما كان ذلك سبباً في اشتهارهم بالزراعة ، وكتب الزراعة النبطية معروفة في المكتبة العربية الإسلامية .
واذا كان العرب يأنفون من النبط ويزدرونهم ، كما يشير الى ذلك جواد علي (2)، فانهم لا يأنفون من صلتهم بالآرميين أو الآراميين . والمفروض أن النبط قد دخلوا في نطاق العرب عن طريق اتخاذهم للثقافة الآرامية واصطناعهم لكتابة الآراميين ، التي تأثرت فيما يتعلق بحروف الشكل أو علامات العلة بالسريانية (3) ومن طريق الأنباط الآراميين يرى المختصون بتاريخ الكتابة العربية ، أن هذه الكتابة تطورت من شكل المسند اليمني القديم ، ذي الزوايا المستقيمة ، الى شكلها الشمالي الحديث ، المتمثل في الكتابة القرآنية ، عن طريق الأنباط والآراميين (4) .
موطنهم وعاصمتهم
والحقيقة ان الفصل في ذلك لا يرجع الى الانباط انفسهم بل الى الموقع الممتاز لموطنهم في جنوبي الشام والسواحل الشمالية للبحر الأحمر ، في الموضع الذي كانت تشغله مملكة الأدوميين القديمة (1) ، وذلك في المنطقة التي عرفها الرومان ببلاد العرب الصخرية ( Arabia Petraee ) ، والتي كانت تتحكم بفضل موقعها المتوسط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وبين بلاد العرب والشام ومصر ، في طرق التجارة البحرية والبرية بين الشرق وبين الغرب في العالم القديم .
وعاصمة هذه البلاد عرفها الرومان أيضاً باسم المنطقة فهي الحجر أو الصخر أي بطرا ( Petra ) أو البتراء ، كما عرفها بعض الكتاب العرب . وهي تسمى أيضاً باسم ” سلع ” أو” سلاع “المأخوذة من العبرانية بمعنى الحجر أيضاً . والمنطقة معروفة بكهوفها الطبيعية التي اتخذت مساكن ومدافن وبيوتاً للهياكل . ولا ندري ان كانت هذه الكهوف من ذلك النوع الذي كانت تتخذه ثمود ، من البيوت المنحوتة في الجبال .
والمعلومات المعروفة عن دولة الأدوميين السابقة جاءت عن طريق علاقاتهم بالاسرائيليين وخاصة على عهد شاؤول الذي حاول غزوهم ، ثم على عهد داود وسليمان الذين تمكنا من إخضاعهم ، واستخدام سواحلهم كموانئ للوصول الى سواحل اليمن والحبشة والمحيط الهندي ، ولكن هذا لا يعني استكانة الأدوميين اذ كانوا ينتهزون الفرص للقيام على الاسرائيليين . فبعد ملك سليمان ، وعندما بدأت إسرائيل تتعرض للغزو من الخارج ، كان الأدومييون من بين المهاجمين ، من الآراميين في دمشق ، والعمونيين ، والمؤابيين ، والعرب ثم الفلسطينيين (1).
وعندما هاجم الأشوريون اسرائيل ، واتى بختنصر ( بنوخذ نصر ) ليدمر أورشليم ( سنة 586 ق.م ) كان الأدوميون أعواناً له على ذلك ، فكانت مكافأته لهم تتمثل في الابقاء على دولتهم وتأييده لسلطانها على حدود مصر(2) ،هذا ولو أن البعض يرى أن الاشوريين هم الذين أتوا بهم من العراق أيام نبوخذ نصر ( بختنصر ) (3). وبعد ذلك بحوالي قرن أو يزيد انتهت دولة الادوميين على أيدي جماعات الانباط الذين أتوا من الشرق ، والذين اتخذوا مدينة بطرا عاصمة .
والمدينة ليست من ابتكار النبطيين ، اذ كانت حصناً للأدوميين . ولقد وصفها سترابون ( الذي شارك في حملة غالوس سنة 18 ق.م في اليمن ) بانها مدينة صخرية تحيط بها الصخور – وسط الرمال المحرقة – كأنها السور . وتوجد آثار بطرا حالياً في وادي موسى الذي يعتبر ملتقى طرق القوافل بين الشام واليمن والبحر الأحمر . ولقد بقي من المدينة بقايا بنيان بالصخر الأحمر الوردي ، يعرف بخزنة فرعون ، على واجهته نقوش نبطية آرامية (1) .
حياة الانباط
أما كيف تهيات الحياة للأنباط في هذه البادية الجرداء ، فالظاهر أن ذلك يرجع الى طبيعة الأرض الصخرية نفسها التي يمكن أن يحتفظ فيها بمياه السيول عن طريق الصهاريج التي كانوا يحفرونها في الصخر في شكل مربع تحت الأرض ، ويجعلون لها فوهات ضيقة يستطيعون احكام سدها بحيث تخفى على الغرباء كما وصفها ” ديودورس الصقلي ” في القرن الأول الميلادي ، والتي كان بعضها سبباً في انقاذ بعض المماليك الذين هربوا من مصر الى الشام على أيام المقريزي ( القرن 9 هـ / 15 م ) . وهكذا كان الانباط – في بيئتهم الصعبة هذه – لا يعرفون الزراعة ويعيشون على لحوم الإبل والغنم وألبانها . وأن ثروتهم كانت تأتي من الاتجار بالأطياب والمر والعطريات التي يحملونها من اليمن الى مصر وشواطئ المتوسط ، وأنهم كانوا يحملون الالتار الى مصر – على وجه الخصوص – لاستخدامه في التحنيط ، كما يقول ديودورس (2).
الأطماع الأجنبية في دولة الانباط
ورغم قيام دولة الأنباط في بطرا فان اسم الادوميين ظل يطلق على المنطقة من قبل الكتاب اليونان الذين سجلوا محاولات السلوقيين – خلفاء الاسكندر في الشام – لإخضاع المنطقة . فلقد طمع الاسكندر وخلفاؤه في البلاد بسبب موقعها كمحطة تجارية هامة ، وبسبب خيراتها الوفيرة ، ولكنها لم تكن صيداً سهلاً بالنسبة لهم . فعندما حاول الاسكندر الاستيلاء على غزة سنة 332 ق.م ، وهي الميناء النبطي الهام ، تصدى له العرب فيها وقاوموه(1). وعندما حاول “انتيجوناس ملك السلوقيين “في الشام غزو الانباط سنة 312 ق.م لم يقدر لحملتهم النجاح (2) . ولكن ما فشل فيه السلوقيون نجح فيه – جزئياً – البطالمة الذين اهتموا بالسيطرة على البحر الاحمر من اجل تامين تجارتهم في بلاد بونت ( منطقة اربتريا والصومال وربما اليمن الجنوبية أيضاً ) والهند . فلقد نجح بطليموس الثاني ( 285 – 246 ق.م ) في السيطرة على سواحل النبط في البحر الأحمر الشمالي ومنع النبط من التعرض لسفنه ، كما نجح في القضاء على القرصنة في سواحل البحر الجنوبية . وتم له ذلك بفضل بنائه لعدد من المستعمرات والمدن اليونانية ، كان من اهمها مدينة برنيق ( Berenicia ) على خليج العقبة (3).
وهكذا تمكن البطالمة من السيادة التامة على البحر الاحمر والتحكم في متاجرة . وبفضل رحلات الملاحين البطالمة اكتشفت أهمية الرياح الموسمية بالنسبة للسفن التجارية اذ تأكد بفضلها انتظام حركة السفن بين مصر والمشرق البعيد .
ولقد ترتب على ذلك أن قامت تجارة نشطة بين سواحل الحجاز حيث ميناء النبط ” لوكة كومة ” Leuce Kome ” وبين العاصمة بطرا التي أبحت همزة الوصل بين كل من الشام واليمن والعراق ومصر . والظاهر أن احتكار البطالمة للتجارة في البحر الأحمر أضر بالتجار العرب الذين حرموا من المكاسب الكبيرة التي كانوا يحققونها . وهكذا نجد أن العرب يقفون الى جانب السلوقيين في الشام ، في صراعهم ضد البطالمة من أجل السيطرة على الأقاليم الجنوبية من الشام وبضمنها بلاد النبط . فعندما حاصر انطيوخس الثالث مدينة غزة سنة 217 ق.م أيدته معظم القبائل العربية في المنطقة ، فكان في جيشه حوالي عشرة آلاف مقاتل من العرب (1).
نتائج الصراع الاجنبي على عرب الانباط
هذا كما كان من نتائج “الحروب بين السلوقيين وبين البطالمة “تقدم القبائل العربية من مواطنها في جنوب بلاد العرب نحو الشمال . فلقد ترتب على ضعف السلوقيين تقدم القبائل أكثر فأكثر نحو الشمال وفي داخل الشام ، كما ترتب على ضعف البطالمة تقدم العرب نحو شبه جزيرة سيناء وصحراء مصر الشرقية (2).
وهكذا أصبحت الظروف مواتية بالنسبة للانباط ، فقد استطاعوا مقاومة المكابيين من الإسرائيليين ، وتمكن الحارث الثالث ملك الأنباط ، الذي حكم بعد سنة 87 ق.م من توسيع رقعة بلاده فهزم السلوقيين أيام أنطيوخس 12 ( الثاني عشر ) وتمكن من الاستيلاء على دمشق من البطالمة ، ثم التدخل في شئون مملكة يهوذا الإسرائيلية (1). وانتهى الامر بأن توسعت مملكة النبط الآرامية ، ، وفرضت سلطانها ، على :”دمشق ، وسهل البقاع ( بقأت هالبنون ) ، والأجزاء الجنوبية والشرقية من فلسطين وحوران ، وما كانت تشغله كل من مملكة أدوم ومملكة مدين حتى سواحل البحر الأحمر ، كما امتد نفوذها الى شرق الدلتا حيث سكنت جماعات من النبط هناك “(2).
ضعف مملكة الانباط وخضوعها للرومان
ولم يطل ازدهار مملكة النبط بسبب ظهور الرومان الذين فرضوا سيادتهم على الشام التي أصبحت ولاية رومانية ، واضطر نفس الملك الحارث الثالث الى الخضوع لهم فدفع الجزية حوالي سنة 62 ق.م على عهد بومبيوس (3) ، كما دخلت مملكة يهوذا ضمن الولاية العربية الرومانية (4).
وبذلك دخل العرب في خدمة الرومان الذين استفادوا منهم في حروبهم ضد الفرس ( البارث – الفرثيين ) وضد من وراءهم من بني جلدتهم من العرب ، كما حدث في حملة أوليوس غالوس ( Aelius Gallus ) التي قام بها الرومان سنة 18 ق.م أيام اغسطس ، والتي وصلت الى بلاد اليمن بهدف الاستيلاء على خيراتها من المر واللبان والبخور ، وهي الحملة التي شارك فيها سترابون ووصفها (1). فلقد وعد ملك النبط عبادة ( الثاني – 28 – 9 ق.م ) تقديم كل معونة ممكنة الى الرومان ، وعندما وصلت الحملة الى ميناء ” لوكة كومة ” على ساحل الحجاز انضم الى الحملة ألف من جند النبط مع 500 ( خمسمائة ) من اليهود (2). وبعد فشل الحملة كانت عوتها الى مصر عن طريق الحجر ( Egra ) ، وهي مدائن صالح اليوم ( من بلاد الثموديين القديمة ) ، ومنها وصلوا الى ساحل البحر الأحمر من حيث انتقلوا بالسفن الى الساحل المصري المقابل لقفط من صعيد مصر حيث صعدوا شمالاً مع النيل (3).
ومع مرور الوقت أخذ ملوك بطرا ( البتراء ) يظهرون بمظهر التابعين للرومان ، أكثر فاكثر ، فالحارث الرابع ( حوالي 40 م ) عاون الرومان في حربهم ضد مملكة يهوذا . والظاهر أنه مع تشديد قبضة الرومان على ملوك النبط بدأ هؤلاء يهملون العاصمة البتراء . فلقد بنى عبادة الثاني مدينة اوارا التي بين أيلة وبطرا مما يدعو الى الظن أنها ربما كانت في موضع الحميمة ، كما يرى جواد علي (1).وكان المتاخرون من ملوك النبط يقيمون في مدينة بصرى مما أدى الى ضعف العاصمة بطرا (2). وهكذا ستحل بصرى محل البتراء كأهم مركز تجاري في جنوب بلاد الشام على أيام دولة الغساسنة – آخر دول العرب في الشام قبل ظهور الإسلام .
وكانت نهاية دولة بطرا النبطية العربية سنة 105م او سنة 106م ، عندما قررت روما إنهاء استقلالها على عهد ( تراجان ) ، وادخلتها ضمن ولايتها العربي في الشام ( Provincia Arabia ) ، التي كانت تحدها شمالاً أرض دمشق مما يلي حوران والجولان ، ويدخل في نطاقها مدن : درعة ، وبصرى ، وديوم ،وجرش وبطرا (3)، وعمان ( التي كانت تعرف بفيلادفيا)(4) ، كما كان يدخل في نطاقها مواضع من النقب غربي العربة (5)، وأيلة والحجر ( مدائن صالح ) وربما سيناء (6).
ملوكهم وملكاتهم
وبفضل معلومات الرومان واليونان ، وما عثر عليه من النقود والنقوش أمكن قوائم لملوك مملكة النبط في بطرا ، وما تم في عهودهم من الأعمال ، مما يستشف منه أن هذه المملكة عربية الأصل ، وأنه يمكن اعتبار ملوكها اسلافاً لأمراء الغساسنة في بصرى .
وأول ما يسترعى الانتباه هو كثرة وجود اسم الحارث ( Aretas باليونانية ) بين ملوكهم ، اذ وجد منهم حتى الآن 4 ( اربعة ) يحملون هذا الاسم ويأتي بعد ذلك اسم عبادة ( Obadas ) ، ثم اسم مالك ( Malichus ) ، وحمل كلاً منهما 3 ( ثلاثة ) من الملوك ، ثم اسم رب ايل ( صاحب الله ) وحمله اثنان منهم ، واخيراً زيد ايل ( زيد اللات؟) وحمله واحد من ملوكهم .
ومما يسترعي الانتباه ايضاً وجود اسماء ملكات في قوائم ملوك النبط ببطرا ، مثل الملكة ” خلدو” ( خالدة ) والملكة ” شقيلة “وهما امراتا الحارث الرابع ، و” شقيلة ” ايضاً امراة مالك الثاني ، وسميتها والدة ” رب ايل ” الثاني ، وجميلت ( جميلة ) زوجته . هذا ويرى بعض الباحثين أن وجود صور هؤلاء الأميرات على النقود لا يعني أنهن حكمن مملكة بطرا النبطية على وجه الضرورة ، إذ ربما لم يكن نقش صور معظمهن على النقود أكثر من تكريم لهن جانب أزواجهن أو أقاربهن من الملوك . وربما حدث ذلك نتيجة من احتكاك العرب باليونان ، وتأثرهم بحضارتهم وثقافتهم .
الأثر اليوناني والروماني على عرب الأنباط
ويظهر الأثر اليوناني واضح كذلك في النقود التي ضربها هؤلاء الملوك على النمط اليوناني – مما يذكر بما سيفعله المسلمون فيما بعد عندما قلدوا النقود البيزنطية قبل أن يعربوها . ومن القطع النقدية الجميلة التي عثر عليها ذلك الدينار الذي ضرب أحياء للاتفاق بين الحارث الثالث والقائد الروماني ” سكاوروس ” . فعلى أحد وجهي الدينار نقش يمثل القائد الروماني في عربته الحربية التي تجرها الخيول ، وعلى الوجه الآخر صور جمل بديع النقش ، يركع الى جانبه صاحبه وهو يمسك خطامه بإحدى يديه ، ويمد اليد الأخرى بشجرة عطرية ، ربما كانت تمثل الجزية المفروضة على الملك النبطي(1).
نقوشهم وعباراتهم
أما عن نقوش مملكة بطرا التي عثر عليها على بعض القبور ، والتي تحتوي على تبركات ووصايا من اجل المقبرة ، فانها تحتوي على أسماء أصحابها العربية ، مثل : وائلة وكليبة ( من اسماء النساء ) ، وعائذ والقس ووهب اللات وعبد عبادة ( من أسماء الرجال ) ، كما انها تسجل عدداً من أسماء الآلهة التي كان يعبدها أهل بطرا ، مثل : ” ذوي الشرى ” ، واللات و” منوت ” ( مناة ) و” قيس ” وهبل (2).
وهكذا تحول زعماء انباط القرن الاول قبل الميلاد ، من بدو يقدسون الحرية ولا يخضعون للأجنبي ، كما وصفهم ديودورس الصقلي ، فيكتفون من أسباب المعاش بالقليل من الماء الى جانب لحوم الإبل والغنم وألبانها ، فإذا هاجمهم أجنبي ردوه على أعقابه ، فان لم يكن لهم قبل به فروا الى الصحراء ، الى ملوك مرفهين يحملون الألقاب اليونانية وينقشون صور نسائهم على النقود . وهكذا فقدوا قواهم الحربية مما أدى الى فقدانهم ما كانوا يستأثرون به من أرباح التجارة ، أمام منافسيهم الأقوياء من الرومان . وهكذا قدر لدولة بطرا أن تختفي في ظل الإمبراطورية الرومانية ، وأن يذوب أهلها وسط أخلاط سكان المنطقة من السريان والآراميين وغيرهم .
ولكن هذا لا يعني أن المنطقة فقدت أهميتها الاستراتيجية والتجارية ، وذلك ان مركز الثقل انتقل قليلاً من إقليم بطرا نحو الشمال الشرقي الى مركز عربي جديد في تدمر التي سيؤكد ازدهارها أهمية الأقاليم الشمالية من بلاد العرب كعصب الحياة الاقتصادية في قلب العالم القديم .
عرب مملكة تدمر ( مدينة النخل ” الميرا ” )
اضمحلت بطرا في مطلع القرن الثاني الميلادي بإدخالها في الولاية العربية الرومانية ، فكان ذلك بشير سعد لمدينة تدمر التي أخذت في الازدهار منذ ذلك الوقت الى أن بلغت ذروة مجدها في القرن الثالث الميلادي بفضل تملكها لناصية التجارة بين المشرق والبحر المتوسط .
موقع تدمر وأهميتها التجارية
وتدمر ليست مدينة بهذا الازدهار لاضمحلال بطرا فقط ، اذ الحقيقة أنها كانت تتمتع ” بموقع ممتاز ” بفضل وقوعها في قمة بادية الشام في مركز وسط يكاد يمثل همزة الوصل بين أراضي الفرات الشمالية الغربية الخصبة وأراضي الشام الشمالية الشرقية . فكأن بادية الشام أسفلها مثلث متساوي الأضلاع : ضلعه الشرقي من الحيرة ( أو الكوفة ) الى تدمر ، وضلعه الغربي من تدمر الى بطرا ، بينما الضلع الجنوبي ( أو القاعدة ) يمر بشمال نجد والحجاز عبر البادية ، من الحيرة الى بطرا في جنوب الشام .
ولما كان طريق البادية الأخير من الطريق الصعبة ، حتى أن قوات المسلمين عندما عبرته بقيادة خالد بن الوليد ( من العراق الى الشام ) اعتبر ذلك عملاً عبقرياً من أعمال القائد العربي الكبير ، كان طريق الشمال عبر الرقة وبالس ، في العصور الإسلامية رغم طوله ، هو الطريق المطروق ما بين الشام والعراق ، كما سجل ذلك الاصطخري (1) ، وكانت تدمر تكاد تمثل في القديم موضع الرقة وبالس في العصور الإسلامية الأولى ، من حيث كونها عقدة المواصلات بين العراق والشام ، مع تميز طريقها بأنه أقل طولاً – اذ لا يصعد كثيراً نحو الشمال – كما أنه يتفادى عبور الفرات ، وهذا كان يمثل عقبة صعبة بالنسبة لمرور القوافل .
وبذلك كانت تدمر منافسة لبطرا كواحدة من مراكز التجارة بين الشرق والغرب منذ القرن الثالث قبل الميلاد ، بل ويرى بعض الباحثين أنها كانت مركزاً تجارياً جيداً منذ القرن السادس قبل الميلاد . فقد كانت تمر بها القوافل التي تحمل الأمتعة والبضائع من اليمن الى الشام وآسيا الصغرى ، ومن الشام الى العراق وفارس وبالعكس (1) . وبناء على ذلك فالمدينة قديمة لا يعرف بانيها على وجه الدقة ، والعرب لم يعرفوا كثيراً عنها قبل الإسلام . والظاهر أن ما عرفه العرب عنها كان عن طريق الإسرائيليين الذين ذكروها في أسفارهم باسم ” تمار ” أو ” تامار ” بمعنى تمر الذي ربما تحول الى “تدمر” (2).والراجح أن كلمة تدمر العربية هي تحوير بكلمة تتمر الآرامية التي تعني المدينة التي يكثر فيها النخيل ، فكأنها مدينة النخل ، وهو تقريباً نفس المعنى الذي عرفت به المدينة في اللغات الأوروبية حيث سميت “بالميراPalmyra ” (3).
بقايا مدينة تدمر وتسميتها
أما عن بقايا المدينة ( التي كشف عنها في القرن 18م ) فهي تدل على مدينة عظيمة احتوت على (4):
- هيكل عظيم مربع الشكل يحيط به سور ضخم ، ويحتوي على صفوف من الأروقة التي تحف بها الأعمدة الهائلة .
- شارع اوسط وشارعين جانبيين يحفان به على طول اكثر من ألف متر ، تحف بها الأعمدة الضخمة . وقد وجد على عمودين من اعمدة هذا الشارع أو الرواق العظيم نقشان يرجعان الى سنة 271 م ، أي قبيل انهيار الدولة ، أحدهما يسجل اسم أذينة والآخر اسم زنوبيا (1).
- مدافن المدينة كانت منبثقة حولها ، ويتألف كل مدفن من بناء يحتوي على أربع طبقات ترتفع الى أكثر من 25 متراً .
وحسب الطريقة العربية القديمة في تفسير الأسماء ، نسبت المدينة الى امرأة من سلالة العماليق اسمها ” تدمر بنت حسان بن أذينة ” . وكما هو الحال بالنسبة الى بقايا الأبنية العظيمة قيل أنها من بناء سليمان ، ولا بأس من أن يكون قد سخر الجن في بنائها ، كما هو معروف (2).
تاريخ المدينة الحقيقي وسكانها
أما عن تاريخ المدينة الحقيقي – الذي أتى عن طريق ما عثر عليه من النقوش أو ما كتبه اليونان والرومان – فإنه يكاد يكون نسخة طبق الأصل من تاريخ بطرا ، ولو أن أغلب ما كتب عن تدمر يرجع – بطبيعة الحال – الى القرون الميلادية الأولى .
فأهل تدمر عرب كالأنباط ولكنهم يكتبون بالآرامية التي كانت قد انتشرت في المنطقة ما بين فارس والشام والحجاز ، على أنقاض اللغة البابلية القديمة ، حتى أصبحت اللغة الرسمية في كل هذه البلاد ، كما كانت لغة التجارة والدبلوماسية . وملوك تدمر يظهر عليهم التأثر بالثقافة والعادات الرومانية كملوك بطرا ، فهم يحملون أسماء عربية والى جانبها ألقاباً رومانية . واذا كان لبطرا ملكاتها الشرفيات أو الحقيقيات ، فقد كان لتدمر ملكتها الأسطورية ” زنوبيا ” الذائعة الصيت ، التي كادت تحيي بسيرتها العجيبة سيرة ملكة مصر البطليمية ” كليوبترا ” .
أما نقوشهم فتظهر فيها أسماء الأصنام العربية التي عبدوها الى جانب الأصنام الآرامية (1). فمن أصنامهم : شمس ( شمس ) ، وبل ( بعل ) ، والت ( اللات ) ، وأشتر ( عشتار ) ، وبعل السماوات ( رب السموات )(2).
أطماع الأجانب وموقف تدمر من ذلك
وبسبب وقوع المدينة بين العراق وبين الشام ، وبسبب ما تملكته من زمام التجارة ، وما جمعته من الثروات التي قد تثير أطماع الطامعين فيها ، كان على أصحابها أن يقيموا سياستهم مع جيرانهم الأقوياء ، وهم الفرس في الشرق ، والرومان في الغرب، بما يحفظ التوازن بينهم وبين هؤلاء الجيران . فكأنهم كانوا يقفون من الفرس والرومان موقف خلفائهم أمراء الحيرة وأمراء غسان جميعاً ، ولو انهم كانوا الى الرومان أقرب ، فهم بالغساسنة من هذا الوجه أشبه .
والحقيقة أن المدينة كانت محط أطماع اليونان منذ فتوح الاسكندر ، اذ خضعت للملك المقدوني ثم لخلفائه السلوقيين في الشام منذ سنة 280 ق.م . والظاهر أن الرومان حاولوا إخضاعها منذ وقت مبكر على عهد الإمبراطور طيبريوس ( 14 – 17 م ) (1) . ولو انه من الثابت أن تدمر لم تدخل في ملك الرومان الا بعد سنة 41م باستيلاء مارك انطونيوس عليها (2). وفي سنة 130 م زارها الإمبراطور هادريان ، وأظهر عناية فائقة بها حتى انه نسبها الى نفسه فسماها ” مدينة هادريان Hadriana Polis ” أو ” بالميرة هادريان Hadriana Palmyra ” (3) .
وفي ظل الحكم الروماني كان لمدينة تدمر نظمها على الطريقة اليونانية الرومانية ، فكان لها مجلس للشيوخ له حق إصدار القوانين ( له رئيس وكاتب ) ، وكان لها مكتب تنفيذي يتكون من عشرة أفراد ويرأسه شيخان ، كما كان للمدينة نظامها القضائي المستقل عن كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية (4).
وهكذا فانه رغم اعتبار تدمر مستعمرة رومانية ، فان المدينة كانت تتمتع بنوع لا بأس به من الاستقلال . والحقيقة أنه كان لتدمر أسرتها الوطنية الحاكمة ، التي توارثت الملك أو الامارة في البلاد والتي كانت صاحبة السلطة الحقيقية .
أشهر ملوكها والتقدم السياسي لتدمر
وأشهر ملوك هذه الأسرة هو الملك أذينة ( Odenatus ) بن خيران ( أو حيران الملقب بسبتيموس ) بن أذينة الذي أعطى لقب القنصل من قبل الإمبراطور فاليريان ، مكافأة له على معاونته له في الحرب ضد الفرس بقيادة سابور ( سنة 258 م ) ، وهي التي انتهت بهزيمة فاليريان ووقوعه في الأسر (1). ومع أن أذينة حاول التقرب من الملك الفارسي المنتصر الا أن الأمر انتهى بينهما بالحرب ، ونجح الأمير التدمري في إلحاق الهزيمة بالقوات الفارسية سنة 264 م ، واسترجاع البلاد التي كان سابور قد استولى عليها في الجزيرة (2).
والظاهر ان اذينة شعر باهمية موقفه بين كل من كسرى وقيصر فحاكاهما جميعاً ، فاتخذ لقب ” ملك الملوك ” الفارسي ، كما اتخذ لقب القياصرة ، وهو ” اغسطس ” (3). وكأنه أصبح يقف موقف الحكم بين الإمبراطوريتين المتصارعتين على سيادة المشرق ( بدلاً من ان يكون بينهما وكانه بين شقي الرحا )
ولا شك أن هذا ” التقدم السياسي ” الذي أحرزته المملكة التدمرية كان يؤدي الى ازدهارها اقتصادي عن طريق تامين القوافل وتنظيم التجارة واقرار الضرائب المقررة على التجار وعلى تجارة العبور وكان تجار تدمر وعلى رأسهم الأسرة الحاكمة – بطبيعة الحال – يتعاملون في منتجات جزيرة العرب من الذهب والجزع واللبان والصمغ ، وفي اللآلئ الآتية من الخليج ، وفي حرير الصين الثمين ، وطرائف الهند ، من القرنفل والبهار والعاج والأبنوس (1). ولا شك أن الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي كانا يؤديان الى الرقي ” الحضاري والثقافي والفكري ” وهذا ما تشير اليه النصوص في عصر ” زنوبيا ” أو الزباء .
زنوبيا
والمملكة ” زنوبيا ” الشهيرة هي ” زوجة أذينة ” ، وكانت قد آلت إليها الوصاية على عرش ابنها ” وهبلت ” ( وهبلات أو وهب اللات ) الذي عرف في اليونانية باسم ” اثينودورس ” ، بعد وفاة زوجها سنة 267 م (2). والروايات العربية تجعل اسم الملكة نائلة بنت عمرو بن الظرب ، كما تسميها ” تدمر ” على زعم أنها بانية المدينة ، كما سبق . وتنسب اليها قيادة الجيوش والانتقام ، غدراً ، من قاتل والدها وهو جذيمة بن الأبرش ملك ملك الحيرة ، وتنهي قصتها بانتقام ابن أخت جذيمة ، الذي ملك الحيرة بعد خاله ، الذي الذي استولى على تدمر بالحيلة (1) .ولا بأس من ان تحمل هذه القصة الأسطورية في ثنياها بعض الأصدقاء التي عرفها الاخباريون العرب من أخبار المملكة التدمرية التي استقلت بملك بلادها ، والتي اصطدمت بالرومان وبحاسديها من اهل البلاد .
واسم زنوبيا أو الزباء ، كما يظهر في الكتابات الآرامية التدمرية ، هو ” بت زياي ” ” أي بنت زباي ” (2). فكأن الزباي أو الزباء الذي اشتهرت به هو اسم والدها . ولقد بالغت الروايات الرومانية في صفاتها ، فهي : سمراء اللون ، سوداء العينين ، قوية البدن ، ذات جمال وهيبة . وهي ذكية تتكلم الآرامية واليونانية واللاتينية ، وتتقن اللغة المصرية . وهي حامية للعلوم تهتم برجال الفكر وتظل الفلسفة برعايتها . أما في الحكم وتدبير شئون الدولة فهي تتصف بالحزم والحسم كما كانت تقود الجيوش وتركب الخيل وتجالس القواد والأعوان . ولقد تشبهت الزباء بالأكاسرة فعاشت في القصور واتخذت الحاشية ، وأحاطت نفسها بالحجاب والوصيفات ، كما ضربت باسمها النقود ونقشت عليها صورتها (3).
وفيما يتعلق بتقدير مثل هذه الشخصية الفذة ، كان من الطبيعي أن تختلف الآراء . فلقد قيل أنها تهودت – ربما بسبب الجالية اليهودية الكبيرة التي كانت تعيش في تدمر على أيامها – وقيل أنها كانت مصرية ( مثل كليوبترا ربما ) والظاهر أنها شعرت بقوتها فقررت الاستقلال عن روما . ففي سنة 271 م اتخذ ابنها ” وهبلات ” لقب ” اغسطس ” ، وهو لقب القياصرة ، بينما أمرت هي قواتها بغزو مصر . ولكنه عندما استتبت الامور في روما للامبراطور أورليان حتى قامت الحرب بين الرومان والزباء ، وانهزمت القوات التدمرية أمام الرومان في انطاكية وحمص . وانتهى الأمر بأن وصلت القوات الرومانية الى تدمر ، واضطرت الزباء الى الهرب نحو فارس ، ولكنها أخذت على ضفة الفرات ، وعفى عنها فاستسلمت تدمر للرومان سنة 273 م (1).
وعندما حاولت المدينة الثورة خربها الرومان ، فهدموا أسوارها ، وقتلوا معظم اهلها ، وحملوا الزباء نفسها الى روما حيث قضت بقية حياتها .
وخلال قرن من الزمان صارت المدينة التجارية الكبرى قرية صغيرة ، وحصناً من حصون الحدود التي أحاطت بها روما حدودها . وظل الامر هكذا خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين حيث كانت تقيم حامية رومانية مخصصة للدفاع عن حدود الامبراطورية ضد غارات قبائل البادية . وكانت تدمر من المواضع التي اتخذها الغساسنة قصراً ريفياً لهم ، وظل حالها كذلك الى أن فتحها المسلمون سنة 634م (1).
عرب الجزيرة وممالكهم
إمارة الحضر :
لم تكن إمارة تدمر هي الإمارة العربية الوحيدة المزدهرة بفضل التجارة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين ، فلقد عاصرتها إمارة عربية أخرى في الشمال ، فيما وراء الفرات وفي أرض الجزيرة ، حيث عقدة المواصلات في الأقاليم الخصبة ما بين العراق والشام . وما زالت الآثار الباقية منها ، على بعد 140 ق.م . جنوب غربي الموصل ، تدل على مدينة حسنة البنيان تجمع ما بين الطابع العربي والطابع اليوناني الروماني ، مثلها في ذلك مثل بطرا وتدمر – وتلك هي ” مدينة الحضر ” .
والحضر معروفة عند الكتاب العرب مثل ابن الكلبي والطبري وابن خلدون ، والاسم معرب عن الاسم الآرامي ” حطرا” (2). ويرجع تأسيس المدينة الى القرن الأول قبل الميلاد ، ويدل ما عثر عليه في بقاياها من النقوش والكتابات أن مؤسس المدينة من العرب الذين كتبوا بالآرامية مثل أهل البطرا وأهل تدمر . ومع أنه وجدت في هذه الكتابات أسماء عربية الى جانب أسماء إيرانية وآرامية ، فإن نسبة الاسماء العربية في آثار الحضر تزيد على نسبة الأسماء العربية في كتابات تدمر مما يرجع عروبة أهل الحضر .
وملوك الحضر يسمون بصريح العبارة لقب ” ملوك العرب . فمن اسماء ملوكها سنطرق ملك العرب ( ملكادي عرب ) ، كما أن سادن معبد الحضر يسمى ” سادن العر “(1). ومعبد الحضر مكعب الشكل – حسبما شاهدناه – يحيط به رواق للطواف ” تصطف فيه الأصنام والآلهة ” .
ولقد عرفت المدينة أوج ازدهارها بعد ضعف حكومة السلوقيين بالشام ، وعلى أيام الفرثيين من الفرس الذين يعرفهم الكتاب العرب باسم ملوك الطوائف . وهكذا فعندما قويت الملكية الفارسية بقيام الساسانيين ، كان ذلك ايذاناً بخراب امارة الحضر ( التي انتهت قبل انهيار تدمر ) وذلك في سنة 241م على أيام ملك الفرس سابور الأول ( 241-272 م ) .(2)
إمارة الرها :
والى جانب الحضر كانت مدينة الرها ( Edesse ) المشهورة في تاريخ الحروب الصليبية ، والتي تعرف حالياً باسم ” أورفة ” مركزاً تجارياً هاما من مراكز منطقة الجزيرة ن وكان لها اسرتها الملكية من العرب الذين حملوا أسماء : معن ( معنو) ، وبكر ( بكرو ) ، وعبد ( عبدو) ، كما كانت لها آلتها ذات الأسماء العربية أيضاً مثل : عزيز ، ومنعم ( Monimos , Azizon) . وتتلخص أهمية مدينة الرها بالنسبة لدراسة تاريخ العرب قبل الإسلام ، في تراثها الذي وصل الينا في كل من الأدب السرياني ( الذي حل محل الآرامي ) ، والتاريخ النسطوري (1).
إمارة حمص :
هذا وقد كان لمدينة حمص أيضاً أسرتها الملكية العربية ، التي يكاد تاريخها يشبه تاريخ تدمر ، ومن أسماء ملوكها : شمس جرم ، وجميل ، وعزيز .
عرب الصفا :
ويمكن أن يضاف الى هؤلاء جماعات العرب الذين عرفهم المستشرقون باسم الصفويين ، نسبة الى كتابتهم التي ليست من النوع الآرامي بل تنتسب الى نوع المسند الحميري . والحقيقة أن النسبة الى جبل الصفا في شرق وشمال جبال حوران ، وربما كان المقصود بكلمة الصفا الأرض الصخرية التي تخترق الماء بين طبقاتها . وكان كشف هذه الكتابة منذ حوالي منتصف القرن 19م . أما تاريخها فيمتد ما بين القرن الأول والقرن الثالث للميلاد . ومعظمها نصوص شخصية ، وبعضها يشير الى صراعات مع الروم والبيزنطيين . ومع اتساع مجهودات الباحثين اتسعت منطقة الكتابة الصفوية فامتدت ما بين حماة والفرات وما بين حماة وفلسطين والأردن وشمال الحجاز .
ومن اسماء القبائل التي تسجلها هذه الكتابات : اشلل ، وجعبر ، وحمد ، وزد ( زيد ) ، ونمرت ( نمرة ) ونميرة . ويفهم من هذه الكتابات وما حولها من الصور الحيوانية أن جماعات الصفويين هؤلاء – مثل غيرهم من اهل المدن السابقة كانوا وسطا بين البداوة والحضارة . اما الأسماء التي كانوا يحملونها ، فمنها قصي ( قصيو ) ، وروح ( روحو ) ، كلاب ( كلبو ) ، ومالك .
أما عن آلهتهم ، فمنها : عشار ، واللات ، وذي الشرى وشمس وغيرها(1).
الخلاصة :
من هذا العرض لتاريخ كل من البترا ( بطرا ) وتدمر والحضر وغيرهم نستطيع أن نستخلص أن بلاد العرب الشمالية ، المتاخمة لحدود كل من الشام والعراق عرفت عصراً من الازدهار السياسي والحضاري والاقتصادي ، بل والفكري خلال الفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي.
وبصرف النظر عن أهمية الموقع بالنسبة لأهل المنطقة التي تعتبر عقدة المواصلات الأرضية والبحرية بين المشرق وبين عالم البحر المتوسط ، فلا شك ان ازدهار هذه الإمارات العربية يرجع بالدرجة الأولى الى الظروف السياسية المواتية بالنسبة لأهل البلاد ، والتي تمثلت في الصراعات التي قامت في المنطقة – بعد أن دخلت في نطاق إمبراطورية الاسكندر – ” بين مملكة السلوقيين في الشام وبين دولة البطالمة ” في مصر في الصراع بين ” الامبراطورية الرومانية ودولة الفرس ” .
فخضوع المنطقة للدول الكبرى التي أقرت الأمور وهيأت استتباب الامن كان من اسباب الازدهار الاقتصادي الذي تمثل في النشاط التجاري الذي اهتمت به هذه الدول . وكان من الطبيعي أن يستفيد العرب من أهل المنطقة على كل المستويات : السياسية والحضارية والاقتصادية . فلقد تأثر العرب باليونان والرومان وحاكوهم في حياتهم السياسية ، وفي طريقة معاشهم اليومية ، كما عملوا في التجارة وكونوا الثروات ، وانتهى الامر بأن كونوا أسرات عربية حاكمة في هذه المدن .
وبطبيعة الحال لا يعني قيام حكومة محلية في كل مدينة من هذه المدن أنها كانت مستقلة عن الأخرى ، فطبيعة التجارة التي لا تزدهر الا في نطاق الامن على الطرقات ، واستقرار السلام بين الممالك والدول ، كان يتطلب وجود علاقات ودية بين هذه المدن . وذلك أن كل واحدة منها لم تكن أكثر من محطة على طريق القوافل التجارية ، تفيد هذه القوافل بما تقدمه لها من خدمات على الطريق ، في نظير الاتاوة المفروضة على تجارة العبور ، كما تتم الفائدة عن طريق تبادل السلع المحلية أو المستودعة ، وفي ذلك كسب لكل الأطراف .
وهكذا يصل تاريخ هذه المدن ، وهي تتعاصر وتزدهر ثم تضمحل ليقوم غيرها بنفس الدور في تسلسل لا ينقطع ، بين ماضي العرب البعيد في شمال الجزيرة قبل الإسلام وبين ماضيهم في العصور الإسلامية المبكرة .
واذا كان تراثنا العربي الإسلامي لم يحفظ لنا من أخبار هذه الشعوب العربية شيئاً كثيراً ، فإن الفضل يرجع الى ما تركه هؤلاء العرب من آثار سجلوا عليها ما قاموا به من أعمال . والحقيقة أن هؤلاء العرب ملئوا تاريخ هذه الفترة العربية بنشاطاتهم في ميادين السياسة و الحضارة ،و لم يتركوا-رغم إمكاناتهم المحدودة –بلادهم نهبا لاطماع أصحاب الدول الكبرى في تلك العصور ،او فراغا يمكن أن يملأه الأجانب من ذوي الحول و الطول.
و في هذه الظروف حارب هؤلاء العرب دفاعا عن بلادهم في كل الأحيان، و خضعوا و حاربوا الى جانب الغزاة في بعض الاحيان ،و لكنهم كانوا لا يلبثون أن يطمحوا في الاستقلال و أن يحققوه في كثير من الاحيان و هم في كل ذلك يمتلكون ناصية التجارة و يحققون لأنفسهم و لبلدهم عن طريقها القوة و الرحاء.
و هكذا تنتهي عصور هذه الجماعات من العرب القدماء ممن عرف نسابة العرب أسماءهم و لكنهم لم يعرفوا ماذا آلت اليه مصائرهم ،فسموهم بالعرب البائدة ،مثل : عاد ، وثمود وغيرها أو ممن لم يعرفوا عنهم شيئاً لبعد بلادهم أو لانقطاع أخبارهم عنهم ، مثل : عرب البتراء وتدمر والحضر وغيرهم ، ممن كشفت الأبحاث الحديثة عن كثير من أعمالهم وأمجادهم . وننتقل بعد ذلك الى معالجة تاريخ الجماعة الأخرى من العرب الذين ممكن تتبعهم من الأصول الى الفروع أو من الفروع الى الأصول ، وهم العرب الباقية ، الذين حملوا رسالة العرب ، أي الإسلام والذين نشروا العروبة في كل مكان .
العرب الباقية
بناءً على الخطة التي أردنا أن نضعها في هذه الدراسة ، والتي وددنا لها أن تنسجم مع تراثنا العربي الإسلامي في تاريخ العرب القديم ، نرى أن الفصول السابقة وخاصة في العرب البائدة ممن عرفهم الكتاب فقالوا أنهم هلكوا وممن كشفت عنهم التنقيبات الأثرية الحديثة من الكتابات اليونانية والرومانية ولا نعرف كيف انتهى بهم المآل ، يمكن أن يعتبر كمقدمة لتاريخ العرب الحقيقي أي تاريخ العرب المعروف في العصر الجاهلي وفي صدر الاسلام ، والذي يحوي الى جانب تاريخ عرب بلاد الحجاز بصفتها مهد الاسلام ، تواريخ الممالك العربية التي عرفتها جزيرة العرب في اليمن وفي العراق وفي بلاد الشام .فعرب هذه البلاد جميعاً شاركوا في الحركة الإسلامية ، وانتشروا مع عرب الحجاز في سائر الأمصار ، في المشرق وفي المغرب وهم بذلك يكونون الاصول الأصيلة في شعوب العالم العربي المعاصر .
ولقد فضلنا استخدام صفة ” الباقية ” لأننا سنقبل تقسيم العرب الى عارب ومستعربة ، لكن نتفادى ما قد يقوم من اللبس بين كل من كلمتي ” عاربة وبائدة ” التي استخدمهما الكتاب القدامى بنفس المعنى في بعض الأحيان مما جعل ابن خلدون يتحير أمام هذا الأمر فيجعل العرب الباقية جميعاً من المستعربة ، وبضمنهم عرب القحطانية من اليمنية رغم أن المتفق عليه أنهم من العاربة كما لم يخف على مؤرخنا الكبير .
عرب اليمن وممالكهم
القحطانية الأوائل :
يجعل نسابة العرب عرب اليمن من مبتكري العروبة ومرسخي أصولها على رغم أن يعرب بين قحطان ( أو والده قحطان ) كان أول من هاجر من بابل الى اليمن قبل اخوته وبني عمومته الذين ساروا في أثره وأنه كان أول من تكلم منهم باللسان العربي .وهكذا فاذا كانت عاد وثمود وبنوهم من العرب البائدة يعتبرون من العاربة فمن باب أولى أن يعتبر يعرب بن قحطان وبنوه من العرب العاربة .
وبصرف النظر عن الاضطراب والخلط الذي يقطع اوصال الرواية العربية عن القحطانيين الأوائل في اليمن والذي تصر عليه هذه الرواية وأن يعرب بن قحطان كان اول من حياه قومه بتحية الملك في اليمن (1)فهو الذي قاتل بني حام ونفاهم من اليمن الى غرب الأرض (2) وهو الذي هزم العاديين عندما زاحموه هناك ، وذلك في موضع يقال له بارق ، بين ” الاحقاف ” و “العالية ” ، وقتلهم مقتلة عظيمة . وفي ذلك ينسب الى يعرب أنه قال شعراً :
لعمري لقد شادت على الدهر خطبة سيوف بني قحطان في يوم بارق
لقد حضرت عاد الى الموت ضحوة و للمرهفات الغر فوق العواتـق
دلفنا الى عـاد بجمـع كأنـــه على الارض يعدو كالسيول الدوافق
أرادوا دفـاع الله و الله غـالـب فكنا عليهم منهم احدى الصواعق(3)
فكأن صاحب هذا الشعر كان يعرف مقدماً ما سوف يحل بعاد من العذاب.
و رغم ما تقوله رواية وهب بن منبه من أن يعربا هو الذي فرق اخوته حكاماً من قبله على البلاد ،فعهد الى جرهم بأمره ،و ولى عاد أرض بابل ،و ولى حضرموت أرض الحبشة و عهد الى ناعم بعمان و أنه بعد وفاته ملك ابنه يشجب و بعد هذا ولى ابنه عبد شمس بن يشجب المعروف بسبأ (1) يؤكد عبيد بن شرية أن أول من ملك من ولد قحطان هو سبأ المعروف بعبد شمس و يفسر اسم سبأ بانه : أول من سبأ السبايا (2) فكأنه يريد أن يحدد بداية تاريخ اليمن القديم بمملكة سبأ و هو الامر المقبول تاريخياً.
و الحقيقة ان سبأ (عبد شمس ) يظهر في شخصية حكيم من حكماء العرب في رواية وهب .فهو يخص القحطانية على الغزو ويحذرهم من أنهم لم يقاتلوا الناس قاتلوهم … ويقول :
- واعلموا أن الصبر فوز والعمل مجد والأمل منهل ، فمن صبر أدرك ومن فعل فاز … .
- التجارب علم والعزم عون …
- الدنيا صاحبة الغالب وعدوة المغلوب ، والصبر باب العز والجزع باب الذل ….”
- لا تصحبوا التواني فإنه شرّ صاحب ولا تضوا بالمنى فانه مراتع العاجزين ، ولا تقروا على ضيم فانه مصارع الأذلاء ، فقوموا قبل أن تمنعوا القيام (1) .
أما عن فتوحاته فتشمل العراق ( بابل ) وأرمينية والشام والمغرب ، وانه الذي بنى مصر على النيل بين البحرين لتكون ” صلة بين المشرق والمغرب ” ووصل الى قمونية في المغرب . ولكثرة من سبى في غزواته هذه من الذراري والعيالات سمي ” سبأ” (2).
وأهم أعماله العمرانية هو بناء ” السد ” الذي ذكر الله في كتابه ” ، وهو سد فيه سبعون نهراً ، ويقبل اليه السيل من مسيرة ثلاثة أشهر .
وبعد وفاة سبأ ” بعد أن أسس قواعد السد ” صار الملك الى ابنه حمير دون ابنه الآخر ، وهو كهلان .(3)
وحمير فاتح عظيم ملك الأرض ومن عليها : فقد أمعن في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج الى مطلع الشمس ، كما دخل الشام ، ومضى الى الحبشة يتبعهم حتى بلغ بهم الى البحر المحيط من المغرب .
ومن أهم أعمال حمير استخدامه خط المسند ، الذي قيل له مسند لأنه أسند الى هو د عن جبريل . وتقول رواية وهب أنه أتى لحمير ” آت في المنام قال له : ان الله اصطفى هذا الخط للفرقان يأتي به محمد ” ، وهو الذي عرف على أيام خلفاء حمير بالخط الحميري . ومات حمير بعد أن عاش 445 سنة .
وبعد حمير يتوالى على ملك اليمن – حسبما يعدد وهب بن منيه – اكثر من ثلاثين ملكاً ، أي ضعف الذين عددهم عبيد بن سرية . والثلاثة الأول منهم ، من أبناء حمير ملكوا أبناً عن أب ، وهم : وائل ، والسكسك ، ويعفر الذي ” مرج امر حمير بعد وفاته ” . وبعده انتقل الملك الى فرع حمير جانبي بملك ” عامر ذورياش ” ثم عاد الى النعمان بن يعفر الذي سمي بالمعافر أيضاً والذي مات بعد ملك دام 300 ( ثلاثمائة ) سنة . وبمناسبة عودة الملك الى سلالة حمير ، يروي وهب عن كعب الاحبار أنه سمع أهل الكتب الأول والأخبار المتقدمة يقولون : أن حمير في الأرض كالسراج المضيء في الليلة الظلماء وأن الناس ليريدون هكذا وخفض يده ، ويريد الله بهم هكذا ورفع يده(1).وابن منيه يشير هنا الى الصراع الذي كان قائماً بين اليمنية وبين القحطانية في صدر الإسلام ، وهو يتعصب لبني جلدته من اليمنية .
بعد ذلك ينتقل الملك الى أسرة عادية من أشهر ملوكها اثنان ، هما : شداد بن عاد ، الملك الاسطوري الذي دوَّخ العالم وبنى المدينة العجيبة ” ارم ذات العماد ” ، وعمر 500 ( خمسمائة ) عام . وأخوه لقمان بن عاد صاحب النسور الذي سمى بالرايش لتواضعه . والرواية هنا تخلط بين عاد البائدة وبين حمير القحطانية ، رغم أنها تنسب شداد الى فرع حميري قحطاني ( عرف بعاد الأصغر ) .
ومن اشهر ملوك هذه الأسرة الحارث الرائش الأصغر ( ابن أخي لقمان الرائش الأكبر ) الذي عرف بتبع ولقب بـ ” ذمراثد ” بمعنى ” ذوايادى ” في لغت حمير ، وكانت تأتيه هدايا الهند ، من : أصناف الطيب والمسك والعنبر والكافور وحب اللبان واليونجوج والزعفران والفلفل والهليلج وغيره ، ويأتي الجوهر والعقيق والدن” ، مما أطعمه في غزوها (1).
ومن الأسرة العادية هذه ” الصعب بن الحارث ” الرائش الملقب بذي القرنين صاحب الخضر ( وهو غير الاسكندر الرومي ) ، الذي لم يكن في التبابعة متجبر مثله ، والذي غزا الحبشة وغلب على أرض السودان ، ووصل في فتوحه الى وادي الرمل في المغرب ، والى جزيرة الأندلس ، ووصل الى مغرب الشمس في المحيط ، كما وصل الى مشرقها فيما وراء ارض يأجوج وماجوج .
أما عن وصية الخضر له ، وهي من حكم العرب أيضاً ، ففيها :
- ” مرّ ينفع خير من حلو يضر “
- ” أيقن واتقن ، فإتقانك صلاح الدنيا ويقينك صلاح نفسك “
- ” الناس عبيد الدنيا ، فمن نصح نفسه اعتقها ، ومن خلط طال رقه “
- خذ ما أتيت بحزم وعزم ، واجعل الصبر دثارا والحق شعاراً ، والخوف من الله جُنّة … يزكو لك العمل وتأمن من هول الأجل “(1).
وبعد الصعب ياتي ابنه أبرهة ” ذو المنار ” ثم ابناه العبد بن ابرهة وعمرو بن ابرهة . ومع ان ابرهة هذا وبنوه غير أبرهة الحبشي وابنه يكسوم اللذين ملكا اليمن في أواخر دولة حمير ، فان اسرة ابرهة ذي المنار لها علاقات وثيقة بالحبشة . فذو المنار سمى أبرهة بمعنى ” وجه ابيض ” باللغة الحبشية ، فكان أبرهة كان لقباً لقبه به الأحباش . وهذا أمر مقبول بالنسبة لسياق الرواية التي تقول أنه غزا الحبشة . بل وتربط الرواية بين هذا الماضي البعيد والحاضر الإسلامي ، فتقول أنه الذي أمر أن يمضي بأسرى الحبشة الى أرض ” البحرين وعمان ” يخدمون المراكب ، فيزعمون ان النوتيين الذي كانوا بعمان والبحرين من بقايا سبايا الحبشة الذين سبى العبد بن أبرهة (2)). والعبد بن ابرهة يلقب بـ ” ذو الاشرار ” نسبة الى الحبشة الذين غلب على جميع أرضهم وسباهم وساقهم الى مكة . وهذه اشارة الى جماعة الاحابيش التي كانت تعيش في مكة عند ظهور الإسلام . وينتهي ملك هذه الأسرة بعمرو بن ابرهة الملقب بـ ” ذو الاذعار ” ” لأنه ذعر الناس بالجور ، وأمه كانت جنية تعرف بالعيسوف ، وكانت على دين الحنيفية (1)).
انتقال الملك
وينتقل الملك الى أسرة جديدة بدأها شرحبيل ( الذي قاتل ذا الاذعار ) ثم ابنه الهدهاد والد بلقيس ملكة اليمن المشهورة ، ووالدتها من الجن ( الأمر الذي يرده عامة من العلماء ) ، ويأتي معها سليمان بعد ذلك ، وكانت ” تقله الريح وتظله الطير … وسخرت له الإنس والجن والشياطين ” . وهنا يبين وهب بن منيه معارفه في الإسرائيليات : فإسرائيل : ولى ( اسرا) الله ( ايل) ، وجبرائيل : رسول الله ، وعزرائيل : عبد الله ، وميكائيل : صفى ( ميكا) الله ( ايل ) (3). وبعد بلقيس يملك رحبعم ابنها من سليمان .
ويعود الملك من جديد الى حمير ” بمالك بن عمرو ” بن يعفر الذي لقب ناشر النعم ( أي محبي لنعم لما أحيي ملك حمير ) ، وغزا المغرب والحبشة ووصل في المشرق الى مطلع الشمس . ويليه ابنه شمر يرعش وهو ” تبع الاكبر ” الذي لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه … كان بنو قحطان وبنو عدنان شاكرين لأيامه ، اذا كان يتجاوز عن مسيئهم ويحسن الى محسنهم ، ولهذا فهو عندهم تبع الاكبر ، وان كان قله تبايعة عظماء أعظم منه (1). وشمر يرعش الذي يعتبر من الشخصيات التاريخية في تاريخ اليمن هو بطل العرب الذي يغضبون لغضبه ، ويقومون معه للدفاع عن أرض العرب ضد تهديد فباذ بن شهريار الفارسي ، ويغزون تحت رايته المشرق حتى سمرقند ، وأصلها بالفارسية ” سمركنداي ” أي ” ما خرب شمر ” ، فأعربته العرب بلسانها ، فقالوا سمرقند (2). واليه ينسب صنع الدروع السوابغ التي منها سواعدها وأكفها ، والتي تعرف بالأبدان . وبعده يملك ابنه تبع صيفي بن شحريرعش .
مرحلة جديدة في تاريخ اليمن
بعد ذلك ننتقل الى مرحلة جديدة في تاريخ اليمن بملك عمرو بن عامر مزيقيا وهو ملك متوج . وعلى أيامه ينهار السد ، وتبدأ هجرة الأزد الى الحجاز حيث كان منهم الأوس والخزرج ، والى الشام حيث كونوا أسرة الغساسنة (3) . ويلي ذلك ربيعة بن نصر من ضعاف التبابعة ، ثم تيان اسعد أبو كرب وعلى أيامه دخلت اليهودية الى اليمن (4). ثم حسان بن تبع أسعد ابو كرب ، وبعده أخوه عمرو بن تبان اسعد صاحب الأخدود المذكور في القرآن ، والذي اضطهد النصارى في نجران مما كان سبباً في غزو الحبشة لليمن .
أما ملوك الحبشة على اليمن فهم ابرهة الاشرم صاحب الفيل الذي أراد فتح مكة وهدم الكعبة ، وابنه يكسوم بن ابرهة ( ملك متوج ) وعلى ايامه خرج سيف بن ذي يزن الحميري بجند فارس وهزم الحبشة .
وسيف بن يزن حكم اليمن من قبل كسرى ، ولو ان كل ناحية كان يليها رجل من حمير ، ” وهو الذي وفد عليه عبد المطلب بن هاشم ” وأمية بن أبي الصلت ، وأمية بن عبد شمس ، وخويلد بن اسد للتهنئة (1) .
ورغم الخلط في الرواية العربية القديمة الخاصة بملوك اليمن القدماء والتي بدأها عبيد بن شرية بحوالي 15 ( خمسة عشر ) ملكاً ، وزادها وهب بن منبه الى أكثر من 30 ( ثلاثين ) مع تقديم وتأخير في عهود هؤلاء الملوك الى جانب ما يصحب ذلك من التغيير والتحوير في الأسماء والألقاب ، وهي القائمة التي ظلت – مع مرور الوقت – موضع التعديل واعادة التنظيم ، حسب اجتهادات الكتاب والمؤرخين ، فإنها يمكن أن ترسم لنا الخطوط العريضة في تاريخ اليمن القديم . ففيها ذكر لتاريخ سبأ ، وتاريخ حمير ، وتغلب اليمن على الحبشة ، وهجرات عرب اليمن نحو الحجاز والعراق والشام إثر ضعف المملكة الحميرية وانهيار السدود ، ثم تغلب الحبشة على اليمن ، واخيراً خضوع البلاد لسلطان الفرس .
واذا كان الفضل يرجع الى المكتشفات الأثرية التي قام بها الأوروبيون في إلقاء الأضواء على كثير من عصور تاريخ بلاد اليمن القديم ، فمما يسترعي الانتباه أن العرب لم تفتهم أهمية آثار اليمن القديمة فحاولوا كشف النقاب عن أسرارها . ولقد خصص الهمداني – كما سبقت الاشارة – ضمن مؤلفه الكبير في تاريخ اليمن المسمى بالاكليل ، جزءاً لقصور اليمن ومحافدها وفبورياتها مثل: قصور غمدان،وظفار،ومأرب،وسلحين ويبنون،وصرواخ وغيرها،الى جانب حصون حضرموت ومحافدها …الخ.
ولكنه رغم تصور هذه الدراسة الأثرية العربية القديمة ، في أطارفهم العرب لتاريخ الأمم العريقة الذي ينبغي أن يحوي العجائب والغرائب ، وحسبما كانت تسمح به أدوات البحث في العصور الوسيطة ، فلاشك أنها كانت حافزاً للدارسين الأوربيين المحدثين الذين تجشموا المصاعب في سبيل الكشف عن حقيقة هذه الآثار وما تحويه من الخطوط أو النقوش . ويأتي على رأس هؤلاء جلازروهاليفي واوبتي وأرنو ومولر الذين نجحوا – بفضل جهودهم في التنقيب الى جانب استفادتهم مما كتبه اليونان والرومان – في إعادة ترتيب تاريخ اليمن القديم ، وتقويم الرواية العربية بإلقاء الأضواء على ما فيها من قصص اسطورية وحكايات شعبية ، وما حوته هذه الحكايات في ثناياها من روايات لها سند من التاريخ الصحيح .
دولة معين :
والحقيقة أن كتاب اليونان أشاروا الى دول أو إمارات عرفوها في اليمن مع مطلع التاريخ الميلادي ولم يرد لها ذكر عند الكتاب العرب مثل ” معين ” وعاصمتها القرن ، و ” قتبان ” وعاصمتها مأرب ، الى جانب حضرموت وسبأ .
وفي ضوء ما سجله الهمداني من وجود محفدين من محافد اليمن ، بأسفل جوف ارحب في أصل جبل هيلان ، يعرفان باسم براقش ومعين ، وبصرف النظر عن سبب تسمية الحصن ببراقش (1)، فقد دلت المكتشفات الحديثة ( وخاصة ما وجده هاليفي ثم جلازر من النقوش ) على أنه كانت توجد مدينة قديمة في اليمن ، في منطقة الجوف ، شرقي صنعاء اسمها معين ( أو براقش ) وانها كانت عاصمة لدولة قديمة سبقت الدولة السبائية ثم عاصرتها(2).
والحقيقة أنه رغم كثرة النقوش التي وجدت عن هذه الدولة فان معظمها لا يحوي أكثر من أسماء ملوك وأشخاص ، الى جانب تسجيل بعض الأحداث الشخصية أو الخاصة ، مما ترتب عليه اختلاف الباحثين في تحديد بداية هذه الدولة ونهايتها . والتواريخ المقترحة تتراوح ما بين القرن الخامس عشر قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي ، ولا ندري كيف وقع اختيار الاستاذ جواد علي على تحديد تاريخ الدولة المعينية بين سنة 1300 ق.م وسنة 630ق.م(1).
والمنطقة التي سادت فيها دولة معين هي المعروفة بالجوف ، بين نجران وحضرموت ، وهي أرض خصبة ذات مياه كثيرة ، وصفها اليونان فقالوا:أنها ذات أشجار كثيرة وغروس . أما أهم مواضعها ، فمنها : معين ، ونشق ، وبراقش ، وكمناثم بيحان ، وسراقة ، ولوق – في الجوف .
ملوك معين وأسماؤهم
وكما أن الباحثين لم يتفقوا على تحديد عصر هذه الدولة ، فانهم اختلفوا في ترتيب عهود ملوكها . ويشترك عدد من الملوك في نفس الاسماء مثل : ” اب يدع ” “أليضع ” ، ” حفن ” و “قه ايل ” ومن اسماء ملوكهم ، معد يكرب ، وتبع كرب ، وخلكرب ، وكثير منهم لهم ألقاب مثل : يثع بمعنى المنقذ أو المخلص ، وصدق بمعنى الصديق أو الصادق أو العادل ، ويغس بمعنى الفخور ، وريام بمعنى السامي(2).
نظام الحكم في دولة معين
ونظام الحكم في هذه الدولة كان وراثياً من الأب الى الابن ، وقد يشترك الاثنان معاً في الحكم . وعرفت المدن في هذه الدولة ما يمكن أن يسمى بنظام الحكم المحلي اذ كان رؤساء القبائل لهم رأي في تسيير أمور المدينة ، وكانت لهم دار يجتمعون فيها تسمى بالمزود أو المزاد . وان وجود لفظ اكرب في أسماء بعض الملوك ، وهو اللفظ الديني الذي يعني المقرب الى الآلهة ، يمكن أن يفهم منه أن هؤلاء الملوك كانوا كهانا أو رؤساء دينيين في نفس الوقت .
ديانة معين
وقد كان لكل مدينة معبدها الخاص الذي يحوي اله أو اكثر ، ومن الجائز أن تتعدد المعابد . ومعبد العاصمة ، وهي القرن ، كان يعرف برصاف (1). وأشهر الآلهة التي عرفها شعب معين هي : ود( ويرمز الى القمر ) ، وعثتر ( الذي يرمز الى الزهرة ) ، ونكرح ( الذي يرمز الى الشمس ) ، والالت معن ( أي آلهة معين ) . وفكرة عبادة الشمس والقمر عند أهل اليمن ترد فيها إشارات كثيرة عند الكتاب والمؤرخين العرب .
حدودها ونشاطها التجاري
ولقد مدت الدولة المعينية إبان عظمتها سلطانها على ” جزيرة العرب من شواطئ البحر الأحمر الى الخليج العربي” . وكانت التجارة مصدر ثرائها الرئيسي ، فكان لها نشاطها التجاري مع الشام مما يمكن أن يفسر وجود المعينيين في شمال الحجاز ، المر الذي تثبته النقوش المعينية فيما بين وادي القرى وحوران . والنقوش اللحيانية التي وجدت في جنوب أرض النبط وخاصة الحجر وفي دران ( خراب العلا الحالية ) ، والتي تشير الى أسماء ملوك منهم : هوس بن شهر ، وذا سفعن تخمي بن لذن . ولا يعرف إن كان الحميريين هم الذين قضوا على مملكة اللحيانيين في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد أم النبط في بطرا هم الذين قضوا عليها في القرن الأول قبل الميلاد(1).
نهاية دولة معين
أما عن نهاية دولة المعينيين فالمفروض أنها تمت على أيدي السبائيين الذين بدءوا بإمارة صغيرة أخذت تتسع شيئاً فشيئا حتى نشرت سلطانها على كل اليمن . ومع أنه لا يعرف على وجه الدقة التاريخ الذي انتهت فيه الدولة المعينية بسبب وجود ذكر لها الى جانب الدولة السبائية ، فالظاهر أن المعينيين ظلوا يتمتعون – في ظل السبائيين – بحكم بلادهم المحلي ، كما كانوا يقومون بنشاطهم التجاري .
مملكة قتبان :
وفي مثل هذه الظروف يمكن أن تكون قد انتهت مملكة قتبان التي عاصرت معين ” في الركن الغربي من اليمن حول مدخل البحر الأحمر وعدن ” وأهم مدن قتبان هي : تمنع العاصمة ( كحلان الحديثة ) وبها بقايا أبنية قديمة ، تمثال الأسد من البرنز يرجع الى القرن الأول الميلادي ، ثم مدينة حرب ( وهي حريب ) فقد وجدت نقوش تحيي ذكرى هذه الدولة ، وبها أسماء لبعض الملوك مثل : سمه علي وتر ، وابنه هوف عم يهنعم الذي يمكن أن يرجع الى القرن السادس قبل الميلاد ، وشهر هلال يهنعم ، ثم شهر عيتلان الذي انتصرت قتبان أيامه على حضرموت . ويتضح من هذه النقوش أن ملوك قتبان كانوا يحملون لقب مكرب ( أي مقرب ) مثلهم في ذلك مثل حكام سبأ .
أما عن موضوعات هذه النقوش فهي تتعلق ، على الجملة بأغراض شخصية من بناء حصن يرم ( محفدن يرم ) تقربا لآلهة قتبان مثلاً الى ضريبة خاصة تجبى للمعابد لينفق منها الكهان على المعبد .
وهناك اشارات الى انتصار قتبان على معين أو الى تحالف قام بينهما ، وانتهى بأن سيطرت قتبان على معين حوالي القرن الأول ق.م ، وذلك قبيل الوقت الذي استولى السبئيون فيه على معين .
مملكة حضرموت :
ولقد عاصرت كلا من معين وقتبان مملكة حضرموت ، اذ وجدت في مدينة مذاب ، في موضع الحريضة اليوم ، آثار معبد للإله سين ( الذي يرمز للقمر ) من القرن الرابع قبل الميلاد تقريباً . كما وجدت كتابات حضرمية تحمل أسماء عدد من الملوك منها : المكرب يرعسن بن ابيشع ، وشكم سلحان الذي بنى سدا في الوادي ، وصدق آل ( أي صديق ايل ) ، ومعديكري ، رب شمس ( الذي يرجع الى مطلع القرن الثاني قبل الميلاد) . ويفهم من هذه الأسماء أن هؤلاء الملوك كانت لهم صفة دينية مميزة ، يؤيد ذلك أنهم كانوا يقدمون الذبائح للآلهة عند تنصيبهم في حصن انود . ومن أسماء القبائل التي عثر عليها : يهبار ، وأسد ، ويام .
وكانت عاصمة حضرموت مدينة شبوه ( التي عرفت بسبنه في التوراة ) أما مدينة قنا ( Cana ) فكانت الميناء الذي يصدر منه اللبان والبخور والعطور .
دولة سبأ
على عكس ما فهمه الاخباريون العرب من أن دولة سبأ كانت دولة فاتحة غازية ، عرفها اليونان والرومان على أنها دولة تجارية تعمل في تصدير منتجات جزيرة العرب الجنوبية من الطيب واللبان والعود والمعادن النفيسة من : الذهب والأحجار الكريمة التي اشتهرت بها البلاد . هذا الى جانب عملها في تجارة الهند من : الفلفل والبهار والعاج والأقمشة الحريرية . وهذه حقيقة تاريخية تؤيدها الروايات العربية أيضاً .
واقدم ذكر لاسم سبأ وجد في النقوش الآشورية من أيام الملك سرجون الثاني ( 721 – 705 م) وفيها ان من بين من كانوا يدفعون الجزية للملك الآشوري ” يثعمر السبأي ” . وهكذا يمكن القول أن مملكة سبأ كانت موجودة قبل القرن الثامن قبل الميلاد ، بصرف النظر عن كون المسألة تتعلق بسبأ اليمن أو بسبأ شمال الحجاز . ولكنه بسبب ما هو مشهور من علاقة سليمان ( الذي عاش في القرن العاشر ق.م وملكة سبأ ( بلقيس ) ، وبصرف النظر عما اذا كان الامر يتعلق بملكة مملكة عربية شمالية ، مثل : ملكات بطرا أو ملكة حبشية ، وجد أنه يجب أن تبدأ المملكة السبئية مع بداية الألف الأولى قبل الميلاد ، او قبل ذلك بقليل ، كالقرن الثاني عشر قبل الميلاد مثلاً .
وبفضل ما عثر عليه الباحثون المحدثون من النقوش السبئية ، وما قاموا به من الدراسة المقارنة بينهما وبين الروايات العربية والإسرائيلية والحبشية ، أنفقوا على تقسيم الدولة السبئية الى أربعة مراحل . المرحلتان الأوليان منهما تكونان تاريخ سبأ الحقيقي ، وتنتهيان في أوائل القرن الثاني ق.م . تقريباً والأخريان تمثلان تاريخ دولة حمير ، ما بين قوتها وضعفها وتنتهيان مع مطلع القرن السادس الميلادي .
والباحثون يستندون في تحديد هذه الأطوار التي مرت بها الدولة الى الألقاب التي حملها الملوك ففي المرحلة الأولى حمل حكام سبأ لقب : ” مكرب سبأ ” وفي الثانية لقب “ملك سبأ” وفي الثالثة ( حوالي سنة 115 ق.م) التي تعتبر بداية للتاريخ الحميري ، حملوا لقب ” ملك سبأ وذوريدان ” وفي المرحلة الرابعة والأخيرة زاد اللقب فصار :” ملك سبأ وذوريدان وحضرموت واليمن واعرابها في الجبال وفي التهائم “.
والمفروض أنه – بناء على تطور هذه الألقاب – أن يكون السبئيون قد بدءوا أمراء صغار ممن بسميهم الكتاب العرب بالأذواء ، وهم يقصدون بذلك جمع ” ذو” أي صاحب التي يضاف إليها اسم المكان ، من حصن او محفد ، مثل غمدان وصاحبه “ذوغمدان ” وريدان وصاحبه ” ذوريدان ” ثم تحولوا الى أمراء لعدد من الحصون أو المحافد ممن يسميهم الكتاب العرب الأقيال ( ومفردها قيل ) وهم في الطريق الى ان يصيروا ملوكاً أو أباطرة على كل البلاد .
- المكربون : ( 850ق.م – 650 ق.م )
معنى المكرب
والفترة الأولى يسميها الباحثون عصر ” المكربون ” . ولما كانت لفظة المكرب تعني المقرب من الآلهة ، كان لهؤلاء الملوك صفة كهنوتية ، فهم ملوك كهان .
أسماؤهم
وحسبما وجد من الكتابات السبئية في صرواح ( عاصمتهم القديمة ) عدد الباحثون حوالي 17 ( سبعة عشر ) مكرباً ، حددوا عصرهم بما بين سنة 850ق.م . وسنة 650 ق.م . من اقدمهم المكرب ” سمه علي ” الذي أقام معبداً لإله سبأ المعروف بـ ” المقة ” في مدينة صرواح . ومنهم المكرب ” يدع آل ذرح ” والمكر ” يدع ” آل سين ” .
أعمالهم العمرانية والعسكرية
ولقد فهم من النقوش أن هؤلاء الملوك الكهان اهتموا بتنظيم الري فعمروا السدود واستفادوا من مياه المطار والسيول ، وأصلحوا الأراضي الزراعية ووزعوها على الفلاحين . ولقد أثبتت الدراسة ان بداية العمل في السدود هذه تمت في القرن السابع قبل الميلاد ، وان العمل استمر فيها من ملك الى آخر حتى كملت فيها عرف بسد مأرب الشهير ، وذلك على أيام الملك ” شهر يهرعش ” المعروف عند الكتاب العرب باسم ( شمر يرعش ) في نهاية القرن الثالث الميلادي .
وبفضل هذه السدود زاد ازدهار مدينة مأرب حتى غلبت على العاصمة صرواح ، وصارت مقراً للمملكة . وتشير النقوش السبئية الى ما كان يصيب السد من التلف ، كما حدث في سنوات 450م ، و542م ، 570م ، وهي تشير الى الترميمات التي تمت فيها ، مثل : ترميم ابرهة الحبشي سنة 542م.
والى جانب الأعمال العمرانية التي تنسب الى المكربين في مدينة مأرب وفي قصر سلحين ، وفي قصر أبين ، والى جانب عنايتهم بالمعابد مثل معبد ” نسور ” ومعبد ” المقة ” في صرواح ، تشير الكتابات الى توسع قامت به دولة سبأ على حساب معين وقتبان ، أيام المكرب ” يثع امرسين ” ، وانتصارات على أيام المكرب ” ايل وتر ” الذي قدم القرابين شكراً للآلهة ومنها : عثتر و هوبس .
- الملوك : ( 650 – 115 ق.م تقريباً )
ملوكهم
ويبدأ عصر الملوك من حيث ينتهي عصر المكربين حوالي منتصف القرن السابع ق.م ، وينتهي مع نهاية القرن الثاني ق.م . وأول ملوكهم هو ” كرب ايل وتر ” ومنهم ” نشا كرب يهأمن ” و ” ناصر يهأمن ”
حروبهم وصراعاتهم
وتسجل النقوش على أيامهم صراعات مع الأعراب ( عربن ) ، وحروب مع الريدانيين . ومن القبائل التي كان لها ذكر على أيامهم ” سمعي ” و ” مأذن ” وحمدان ومرثد ( مرثدم ) وهي من قبائل بكيل ( بكلم )
التطورات الدينية
ومن أهم التطورات الدينية التي حدثت على أيامهم ظهور آلهة جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل ” تألب ربام ” اله همدان ” والاله ذو سماوي ” ( ذسموي ) أي رب السماء ، مما يمكن أن يفهم منه ظهور اتجاه نحو التوحيد.
عاصمتهم ، معبدهم ، قبائلهم
أما عاصمتهم فكانت مأرب غير بعيد من مأرب الحاضرة ، وقصرها هو “سلحين ” . ومعبدهم كان معبد الالهة المقة الشهير في صرواح ، غير بعيد من مأرب .
واهم قبائل اليمن في عهد ملوك سبأ كانت :
همدان ومن بطونها قبائل ” حاشد ” ” وبكيل ” المعروفة ، وكان لها أمراؤها المستقلون حوالي منتصف القرن الثاني للميلاد ، ممن دخلوا في أحلاف مع ملوك حضرموت ضد ملوك حمير ، كما كانت لهم حروبهم أيضاً مع الحبشة . وأغلب الظن أن الحرب ضد الأحباش كانت في أرض اليمن نفسها فذلك ما يفهم من النصوص الحبشية التي تقول انهم كانوا في سواحل بلاد العرب الجنوبية حتى نجران وسواحل الحجاز خلال القرنين الأول والثاني للهجرة . ومن ذلك الاشارة الى المفاوضات من اجل الصلح التي تمت أيام الملك ” علهان نهفان ” مع ملك أكسوم والحبشة سنة 180م . ها كما تشير النصوص الحبشية أيضاً الى وجودهم في ظفار عاصمة حمير فيما بين سنة 190م وسنة 200م .
ومن اشهر امراء همدان ” سعر أوتر ” الذي حمل لقب ” ملك سبأ وذو ريدان” .
ومثل هذا يمكن أن يقال عن قبيلة فيشان ، فمنها رجال حملوا لقب ” المكرب ” ولقب ” الملك ” وكذلك الحال بالنسبة لقبيلة مرثد ، مما يمكن ان يستخلص منه أن كثيراً ممن كانوا يحملون لقب المقرب و الملك لم يكونوا أصحاب السيادة في البلاد بل كان منهم أمراء مشيخات صغيرة أو زعماء قبائل محليين .
- ملوك سبأ وذوريدان : الحميريون :
والمرحلة الثالثة من تاريخ سبأ هي التي تبدأ بها مملكة حمير . والمفروض أنها تبدأ حوالي سنة 115ق.م ( بداية التاريخ عندهم ) وتنتهي حوالي سنة 300 ميلادية .
ويفهم من اللقب تحقق وحدة مملكة سبأ وإقليم ريدان ” ظفار ” الذي كان تابعاً لأمراء حمير ( الذين ستسمى بهم الدولة ) والظاهر أن الريدانيين هم الذين حققوا الوحدة بعد انتصارهم على السبئيين ، والقرينة على ذلك انتقال مركز الحكم الى مدينتهم ” ظفار ” عاصمة الدولة المتحدة .
ومع أن أمير همدان ” سعر اوتر ” حمل لقب ” ملك سبأ وذوريدان ” فان أول من حمل اللقب من السبئيين هو ” الشرح يحصب ” الذي توجد لاسمه أصداء قوية في الروايات العربية بصفته باني قصر غمدان ، أشهر قصور اليمن ومحافدها .
والظاهر من الحروب الكثيرة التي تشير إليها كتابات هذا العصر أن عهد “الشرح يحصب ” كان مرحلة تحول هامة في تاريخ اليمن . فقد ساد الإضراب ، وقامت الثورات في كل مكان ، وبدا ظهور أطماع الأجانب في البلاد من الأحباش والرومان . ولا بأس من ان يكون الرومان قد انتهزوا هذه الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد ، وحاولوا غزوها في الحملة المعروفة التي قام بها ” ايلوس غالوس ” سنة 18م من مصر والتي ساعد فيها النبط ، كما سبقت الاشارة . وهي نفس الحملة التي شارك فيها الكاتب الشهير استرابون وانتهت بالفشل التام ، وأن كان من نتائجها الهامة بالنسبة لنا هو وصف استرابون لبلاد العرب .
فلقد قاتل ” الشرح يحصب ” حمير وقبائل حضرموت ونجران كما حارب الأحباش وانتصر عليهم وعلى حلفائهم سواء كانوا من اخوته او من قبائل سهرة أو حمير وملكهم ” شمر ذي ريدان ” . وعلى رغم ما تنسبه النقوش من انتصارات ” الشرح يحصب ” ثم ابنه ” نشأ كرب ” الذي نجح السبئيون على أيامه في الاستيلاء على كل ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير ومن كل حيوان جارح ، فان الدولة السبئية انتهت فعلاً على أيام ” نشأ كرب ” هذا بأيدي الحميريين .
ولقد بدا نجم الحميريين في الصعود منذ عهد ملكهم ” شمر ذو ريدان ” الذي حارب ” الشرح يحصب ” فمنذ القرن الأول الميلادي حقق الحميريين انتصارات عدة على السبئيين على عهد الملك الحميري ” يسرم يهصدق ” الذي يلقب بـ ملك سبأ وذوريدان ” . وبعد ” شمر يهرعش ” الاول الذي حكم حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي وعلى عهد ” شمر يهرعش ” الثاني احتل الحميريون مأرب . وما أن انتهى القرن الثاني الميلادي حتى كانوا قد استولوا نهائياً على كل بلاد ” سبا ” التي صارت تابعة لهم .
وحوالي منتصف القرن “الرابع الميلادي ” بدأ خراب سد مأرب للمرة الثانية ، وفي هذا الوقت دخل ملك حمير في النصرانية بتبشير الراهب ” ثيوفيلوس ” وبنيت الكنائس في عدن وفي ظفار . وهو نفس الوقت الذي دخلت فيه الحبشة في النصرانية تقريباً ، بدخول الملك الحبشي ” عيزانا ” ، من ملوك اكسوم ، في المسيحية ، على يدي أحد رجال الدين الوافدين من القسطنطينية ، وهو ” فرومنتوس ” . وربما كان من المعقول أن يكون دخول المسيحية الى اليمن عن طريق الحبشة . فالمعروف أن الحبشة كانوا قد نزلوا اليمن مع مطلع القرن الرابع الميلادي على ايام ملكهم ” عذبة ” هذا كما أن اللقب الذي حمله نجاشي الحبشة عيزانا وهو ملك ” اكسوم وحمير وريدان وسبأ وسلحن ” يدل على صلات وثيقة بين الحبشة واليمن قد تصل الى حد خضوع اليمن لملك اكسوم الذي اعتنق النصرانية ، وعمل على فرضها على شعبه في بلاده وفيما وراء البحر في اليمن هذا ، كما يمكن ان نعتبر تهود ملوك اليمن فيما بعد واضطهادهم للنصارى كرد فعل طبيعي لما اعتبروه عقيدة أجنبية فرضت عليهم من جانب الأجانب ، أي الأحباش .
وحوالي سنة 400 ( أربعمائة ) للميلاد وفي عهد ” أبا كرب أسعد ” وابنه ” حسان يهأمن ” اتخذ الحميريون آخر الألقاب وأكبرها وهو : ملك سبأ وذوريدان وحضرموت واليمن وأعرابها في الجبال والتهائم ( … يمنت واعربوهم طودم وتهمتم ) وبذلك تبدأ المرحلة الرابعة والخيرة لدولة حمير .
- العصور الخيرة للدولة الحميرية :
من اللقب المركب الذي اتخذه ملوك هذا العهد يمكن القول ان الدولة الحميرية انتقلت الى طور التوسع والانتشار في كل بلاد العرب ، فكانها أصبحت إمبراطورية تحوي كل أقاليم بلاد العرب الجنوبية . فإلى جانب سبأ وريدان وحضرموت حكم ملوكها اليمن الذي يظهر اسمه في النقوش لأول مرة الى جانب اعرابها في المرتفعات وفي السهول .
وتشير بعض الكتابات الحميرية الى أن اول من حمل لقب ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت واليمن هو الملك ” شمر يهرعش ” ، والمقصود انه شمر يهرعش الثالث ( الذي يقع حكمه في أواخر القرن الثالث الميلادي واوائل القرن الرابع للميلاد ) والظاهر ان ما تنسبه اليه الروايات العربية من الفتوح في المشرق وفي المغرب إنما هي تعبير عن أصداء فتوحه في اليمن في سبيل توحيدها تحت سلطانه . فالنقوش تشير الى حملات قام بها ضد قبائل عسير وتهامة ونجران وحضرموت .
وهناك إشارات الى ان البلاد تعرضت لأمطار غزيرة على أيامه مما جعله يقوي سور مأرب ، ويقوم بإنشاء عدد من الجسور والردم لتقوية السد . وعلى أيام الملك ” تأرن يهنعم ” أصيب السد بتصدع جديد فأصلحه الملك .
وفي أواخر القرن الرابع أضاف الملك ” أب كرب أسعد “أي ابي كرب أسعد ( الذي ربما كان أسعد كامل تبع عند الكتاب العرب الذين قالوا أنه كان أول من تهود من ملوك اليمن ) الى لقبه ” ملك سبأ وذوريدان وحضرموت واليمن ، واعرابها في الجبال والسواحل ” .
وفي النصف الأول من القرن الخامس الميلادي ولى ” حسان يهامن ” (الذي عرفه الكتاب العرب باسم حسان بن تبع اسعد ابي كرب ) . ويشير الاخباريون العرب الى تصدع السد وتجديده على ابنه ” شرحبيل يعفر بن ابي كرب أسعد ” الذي حفر مسايل جديدة ( حوالي سنة 450 م) وأن السد خرب بعد ذلك بقليل واعيد اصلاحه ( حوالي سنة 456 م ) .
وأمام هذه الكوارث التي تلاحقت على السد ، اضطر الناس الى الرحيل من مأرب الى مواضع أخرى . وفيما يتعلق بذي نواس ، آخر ملوك حمير ، وما قيل حوله من تعذيب نصارى نجران فلا تذكر كتابات المسند شيئاً ولكن كتابات اليونان والرومان بما تلقيه من الأضواء على الروايات العربية يمكن أن يعرف منها أن يعرف منها أن الحباش دخلوا الى اليمن في أوائل القرن السادس الميلادي ( حوالي سنة 525م ) على عهد الملك الحميري ” ذونواس” وبموافقة قيصر الروم في القسطنطينية . وكان السبب في ذلك ما هو معروف من تهود ملوك حمير ، ومحاولتهم فرض اليهودية على أبناء شعبهم مما أدى الى اضطهاد النصارى ، وخاصة في نجرا ( وهذا ما تشير اليه الآيات القرآنية في قصة الأخدود ) .
وكانت الحملة الحبشية على اليمن تحوي حوالي 70 ألف مقاتل على رأسهم القائد ” أرياط ” ويعاونه في القيادة ” ابرهة الأشرم ” المعروف الذي ستؤول إليه القيادة ويعتبر من ملوك اليمن المتوجين ، حسبما تقول الروايات العربية . وانتهى القتال بهزيمة الملك الحميري ذي نواس الذي لم يعرف مصيره اذ تقول رواية أنه دخل بفرسه في البحر حتى غاب ، مما يعني ان المعركة بين الأحباش والحميريين كانت بالقرب من الشاطئ ، وربما في موضع نزول الحملة الحبشية من مراكبها . وأغلب الظن أنه قتل دون أن يعرف أمره وسط اضطراب المعركة ، وهذا ما تؤيده رواية أخرى . وينتهي حكم ذي نواس سنة 525 لاحتلال الحبشة لليمن .
وبعد الانتصار على الحميريين آلت قيادة الأحباش وحكم اليمن بالتالي الى القائد أرباط ، وأغلب الظن انه لم يحكم البلاد حكماً مباشراً بل عن طريق أحد يمنية الأحباش الذي يعرف باسم ” السميضع بن أشوع ” الى أن انتزع أبرهة منهما الحكم بعد خمس سنوات ( حوالي سنة 530م ) ووضع ملك الحبشة – الذي أفاق على ذلك – أمام الأمر الواقع .
واستمر أبرهة يحكم البلاد حوالي نصف قرن الى سنة 575م . ومن اهم ما قام به من الأعمال : ترميمه لسد مأرب فيما بين سنتي 542م و543م ، وذلك مدون في أحد النقوش التي تصفه بنائب ملك الجعزيين ، وتلقبه بـ ” ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في النجاد وفي التهائم ” . والظاهر أن أمور اليمن استقرت على عهد أبرهة بفضل العناية بأعمال الري والزراعة . ومما يلفت النظر ما يشير اليه نقش إصلاح السد من وصول وفود الملوك الى مأرب لتحية ملك اليمن الحبشي . فهناك ذكر لوفود نجاشي بالحبشة وقيصر الروم ، وكسرى الفرس ، وملك الحيرة ( المنذر ) وملك الغساسنة ( الحارث بن جبلة ) .
ومن نقوش أبرهة نقش يذكر حملة قام بها ضد العرب من المعدية ( العدنانية ) سنة 547م ، مما يجعله بعض الباحثين نفس الحملة على مكة التي عرفت عند الكتاب العرب ” بعام الفيل ” والتي ينسب سببها الى بناء أبرهة ( سنة 542م ) لكنيسته المعروفة ” بالقليس ” في صنعاء ، ورغبته في تحويل العرب من مكة إليها . هذا ولو أن آخرين من الباحثين يرجحون أن تكون حملة أبرهة على مكة سنة 563م ( أي انها حملة تالية ) ، وأن تكون وفاة أبرهة في الوباء حوالي سنة 570م ( قريب مولد الرسول ) .
وبعد أبرهة ملك ابنه يكسوم الذي حكم اليمن الى أن غزاها عليه الفرس حوالي سنة 575م ز وكان مجيء الفرس تلبية لنداء الأمير الحميري سيف بن ذي يزن الذي طلب المعونة من كسرى ، عن طريق ملك الحيرة ، فأمده بجيش نجح في هزيمة الأحباش وقتل يكسوم . وحكم سيف البلاد تحت اشراف قائد القوات الفارسية ومن كان معه من كبار الموظفين الفرس ، وعلى رأسهم من لقبه العرب بـ ” الأصبهبذ ” .
وهكذا انتهت دولة اليمن العريقة التي وصف كتاب العرب ملوكها بأنهم جبابرة فاتحون ، دوخوا العالم وملكوا الأرض جميعاً : من مطلع الشمس الى مغربها . كما وصفوهم بأنهم بناءون عظام ، أقاموا السدود الهائلة والقصور الفاخرة وشيدوا المدن الأسطورية والمقابر العجيبة ، وأنهم كدسوا الثروات بفضل ما في بلادهم من خيرات وما جمعوه من الأموال عن طريق احتكار تجارة العالم القديم .
انتهت هذه الدولة على المستوى السياسي بالضعف الذي جعلها فريسة لأطماع الرومان والأحباش ثم الفرس ، كما انتهت على المستوى الحضاري والاقتصادي بانهيار السدود التي ترتب عليها خراب البلاد ، وهجرة أهلها نحو الحجاز وفارس والروم حيث جددوا تاريخ بلادهم الى مطلع الاسلام .
الهجرة الكبرى من اليمن
عرب الغساسنة في الشام وعرب اللخمين في العراق
في الوقت الذي كان عرب الجنوب يكافحون ضغط الأحباش عليهم من الغرب عبر مضايق البحر الأحمر ، وضغط الفرس من الشرق عبر سهول الرافدين والخليج ، كان أخوة لهم في الشمال ، على حدود الشام وعلى حدود العراق ، يكافحون من أجل الحياة ، ضد كل من الدولتين الرومانية ( البيزنطية ) والساسانية ، واثبات الوجود . وهم في سبيل ذلك لم يتورعوا عن التحالف مع الدولة الكبرى التي سكنوا على حدودها ، والدخول في خدمتها ضد خصومها اذا رأوا مصلحتهن في ذلك ، كما لم يترددوا عن مجابهتها والدخول في صراعات عنيفة معها اذا ما حاولت الأضرار بهم أو الانتقاص من حريتهم . كل ذلك وهم يستفيدون من موقع موطنهم الممتاز ” كعقدة الوصل بين المشرق وعالم البحر المتوسط ” . فاشتغلوا بالتجارة وجمعوا الثروات وظهروا بمظهر الملوك ، مثلهم في ذلك مثل أسلافهم ملوك بطرا وتدمر والحضر وغيرهم .
أصل الغساسنة وهجرتهم
والدولة التي كونها العرب على حدود الشام اشتهرت ” بدولة الغساسنة ” ، كما عرف ملوكها ” ببني جفنة ” أيضاً . والدولة العربية التي قامت على حدود العراق في الحيرة عرفت بدولة اللخميين ، كما عرف ملوكها ايضاً بالمناذرة . والغساسنة من بني جفنة واللخميون من بني المنذر أصلهم من عرب اليمن الذين هاجروا من بلادهم ، كما كان يفعل أهل اليمن على طول الزمان ، اما لأسباب سياسية اجتماعية من : الغزو الخارجي أو الصراعات الداخلية من اجل الأرض الخصبة وموارد الرزق ، وأما لظروف طبيعية غير عادية من : حلول القحط والجدب وانتشار الأوبئة ، وتغيرات الجو أو انهيارات السدود .
والروايات العربية ترجع سبب الكارثة التي أدت الى هجرة قبائل الأزد ، التي ينتسب اليها الغساسنة واللخميون والأوس والخزرج ، الى انهيار سد مأرب وذلك على عهد تبع ” عمرو بن عامر مزيقياً . ولقد فسر الكتاب العرب لقب مزيقيا بان عمرو بن عامر كان يامر بتمزيق حلله الثمينة حتى لا يلبسها غيره ، ولو أن ” نولدكه ” في بحثه القيم عن الغساسنة يرى ان الأقرب الى المنطق أن يكون اللقب قد اعطى له نتيجة لتفرق شعبه من قبائل الأزد وتمزق شملهم – تماما كما يقول المثل ” تفرقوا ايدي سبأ ” .
فعلى طول الطريق من اليمن تفرقت قبائل الأزد في البلاد ، مع أبناء عمرو الذي مات أثناء الرحلة ، وكان اختيار كل جماعة لموطنها الجديد حسب حاجاتها وإمكانياتها :
- ففي أرض مكة الفقيرة نزل رهط حارثة بن عمرو ، وهم من خزاعة أهل الحاجة الذين غلبوا على جرهم .
- اما قوم ثعلبة العنقاء بن عمرو ، وهم أهل الرمح والسيف ، فقد تفرقوا في اكثر من موضع :
- ×فجماعة منهم أقاموا في أرض عك من بلاد همدان ومنهم عنس ويولان .
- ×وجماعة ثانية منهم استقرت في يثرب ، ومنهم الأوس والخزرج الذين غلبوا على يهود يثرب .
- ×وجماعة ثالثة خرجت من نجران الى عمان والبحرين ، ومنهم بنو نصر بن الأزد ( وهم الذين سكنوا الحيرة بالعراق وكونوا مملكة المناذرة واللخميين ).
- أما الجماعة التي كانت أكثر طموحاً ” تريد الخمر والخمير والديباج والحرير ” والملك الكبير ، فقد سارت الى بصرى ودمشق في الشام ، وهؤلاء هم جفنة بن عمرو بن عامر وبنوه الذين اسسوا مملكة الغساسنة(1).
الغساسنة بنو جفنة في الشام :
والغساسنة من قبيلة مازن وهي ” احدى قبائل الأزد الكبيرة ” ولفظة الغساسنة لم توجد فيما كشف عنه من كتابات المسند . والرواية العربية تقول أنهم اتخذوا اسم غسان عندما توقفوا في أرض همدان على ماء لبني زبيد يعرف بغسان ، فغلب عليهم اسمه ، وفي ذلك قال حسان بن ثابت :
أما سألت فانا معشر نجب الأزد نسبتنا والماء غسان (1)
وبعد ان مر الغساسنة بقيادة ثعلبة بمكة والحجاز وأقاموا بها بعض الوقت تركوها ” لما ذاقوا شدة العيش ” – واتجهوا نحو الشام . والرواية العربية تجعل الفضل في نجاح بني جفنة في مسيرتهم هذه ثم استقرارهم في الشام الى احد ابطالهم ، وهو ” جذع بن سنان ” الذي يظهر بمظهر الصعلوك الجريء المحتال ، فهو ثعلب مراوغ وقت الهدوء والتروي ، وهو نمر مفترس عند الغضب وفي وقت الشدة .
الغساسنة وبني سليح
فالغساسنة عندما وصلوا الى حدود الشام نزلوا على قوم من العرب بني سليح من قبائل قضاعة ، ممن يعرف رؤساؤهم باسم الضجاعمة(2) ، الذين استأذنوا لهم حاكم الشام من قبل الروم والذي تسميه الروايات العربية بـ ” قيصر ” ليسمح لهم بالاقامة الى جوارهم . ووافق الحاكم الرومي على أن يدفع الغساسنة الجباية السنوية التي قدرت بدينار على كل رجل ، ويقوم بجمعها عماله من سليح .
وكان من الطبيعي أن تؤدي جباية هذه الضريبة من غسان الذين ” كانوا لا يعرفون الجباية ” الى ” صدام بينهم وبين عرب بني سليح ” ، ثم بينهم وبين قوات الروم . وتم اللقاء الأول بين الغساسنة – الذين قتلوا الجابي السليحي – وبين عساكر الروم الذين يظن أنهم كانوا من سليح ، في موضع عرفه العرب بوادي الكسوة ، نظراً لسلبهم كسوة عسكر الروم الذين قتلوا في المعركة . وهكذا عرف الروم قوة بني غسان فصالحوهم على ان تعطي غسان الذمة ، والدخول والخروج في البلد ، والمرعة والنصرة ضد العدو ، والمواساة والعدل (1). وهكذا ثبت الغساسنة أقدامهم في أرض الشام الى جانب السليحيين ، وكان من الطبيعي أن ينتهي الأمر بانتزاعهم السيادة على كل البلاد من الضجاعمة رؤساء سليح ، بعد عدد من الوقائع بين غسان وبين الروم وسليح ” الذين كانت أجسامهم مع قيصر وقلوبهم مع غسان ” منها : يوم بالعة الذي انهزمت فيه الروم حتى قال شاعر غسان :
كأن الجماجـم بيض النعـام بقارعة الشعب من بالعة
أقمنا الظبي في رؤوس العدى نقدبها في الوغى قاطعة
ومنها اللقاء الذي تم بمرج الظباء وهو ” يوم حليمة ” الذي وقفت فيه قبائل العرب سليح وكنابة وجذام الى جانب الروم حتى وافقت غسان على الصلح نظير دفع الجزية . وكانت المطالبة بها هذه المرة بالقرب من باب دمشق الذي عرف لذلك السبب بـ ” باب الجابية ” وهذا يعني تقدم الغساسنة نحو قلب بلاد الشام ، مما أدى الى الحرب من جديد . ووقفت سليح الى جانب الروم بينما أتت المعونة الى الغسانيين من بني عمومتهم في يثرب . وانتهى المر بانتصار غسان حتى اضطر قيصر الى صلحهم على أن لغسان ملك الشام ، وأن لملكهم طعمة على الروم ، وان ينصروه في الحرب (1).
ملوك غسان :
وهكذا تقول رواية وهب بن منيه أن أول من ملك من الغساسنة هو عمرو بن جفنة الذي حقق هذه الانتصارات على الروم ، وربما حدث ذلك في أواخر القرن الخامس الميلادي ، أو قبل ذلك بقليل . أما عن ترتيب ملوك الغساسنة الذين يتوالون في عدد يصل الى أكثر من ثلاثين أميرا عند الكتاب العرب فهو امر مضطرب لا يوثق به . وحسب الدراسة التي قام بها ” نولدكة ” والتي استند فيها الى روايات المؤرخين من اليونان والسريان الذين حددوا تواريخ الأحداث ، مع مقارنتها بالروايات العربية ، يمكن القول ان أول تاريخ يوثق به لأمير من بني جفنة هو ما ينسب الى الأمير جبلة ( Jabalas ) من غزو جنوبي الشام حوالي سنة 500م .
أما اشهر الغساسنة بعده فهم :
- الحارث بن جبله ، المعروف بأبي شمر وبالحارث الكبر توفي حوالي سنة 569م .
- المنذر بن الحارث ، المعروف بأبي شمر وبالحارث الكبر توفي حوالي سنة 582م.
- النعمان بن المنذر ،المعروف بأبي شمر وبالحارث الكبر توفي حوالي سنة 583م .
ويتوالى بعد ذلك عدد من المراء الصغار ، منهم :
- الحارث الأصغر .
- الحارث الأعرج .
- النعمان بن الحارث الأصغر .
- عمرو بن الحارث الأصغر .
- حجر بن عمرو ، ما بين سنة 583م و وسنة 614م .
- وآخرهم جبلة بن الأيهم ، توفي سنة 636م .
الحارث :
والمعروف عن الحارث بن جبلة الأكبر أنه حارب أمير الحيرة المنذر وانتصر عليه في ربيع سنة 528م ، وأنه قمع ثورة السامريين في فلسطين في السنة التالية ( 529م) وكمكافأة للحارث قربة الامبراطور جستنيان واعترف له بالزعامة على عدد من القبائل العربية وخلع عليه لقب ” باسيليوس ” أي الملك ، كما يقول الكتاب البيزنطيون ولكنه كما كان لقب الباسيليوس خاص بقيصر الروم ، فالمفروض ان الحارث حمل لقب فيلاركوس ” بمعنى شيخ القبيلة أو رئيسها ، أو انه حمل لقب ” بطريق ” بمعنى الزعيم أو القائد ، ولا بأس من ان يكون قد جمع اللقبين جميعاً .
ومع أن لقب فيلارك أو بطريق يعني أن حامله هو صاحب السلطة في ولاية بلاد العرب الشامية ، وأنه يخضع له عدد من العمال الصغار في البوادي مثل ، جامعي الضرائب من بني سليح الضجاعمه ، كما رأينا فإن سلطة الأمير العربي كانت مقيدة بسلطة الحكام المدنيين والحربيين المعينيين من قبل الحكومة المركزية .
وفي ربيع سنة 531م شارك الحارث بن جبلي الحرب ضد الفرس ، الى جانب الروم بقيادة القائد البيزنطي المشهور ” بليزارويوس ” . وانتهى القتال بهزيمة الروم وأسر واحد من قادة العرب اسمه ” عمرو ” . ثم أن الحرب اشتعلت بعد ذلك بقليل بين الحارث وبين المنذر بن ماء السماء أمير الحيرة ، بسبب التنافس على سيادة القبائل العربية في منطقة تدمر والظاهر أن ذلك كان من أسباب تأجج الحرب من جديد بين الفرس والبيزنطينيين .
ففي سنة 441 م كان الحارث بن جبلي يحارب في العراق الى جانب الروم بقيادة “بليزاريوس” . وفي سنة 544 م عادت الحرب بين جبلي والمنذر ملك الحيرة الذي أسر أحد ابناء الحارث فذبحه قرباناً للعزى ( افروديت) وهكذا فرغم تقرير الهدنة بين الدولتين الكبيرتين ظلت الحرب مشتعلة بين الحارث ومنافسه ملك الحيرة ” المنذر” الى أن حقق الغساني انتصاراً حاسماً قرب قنسرين في موقعه فقد فيها جبلة أحد ابنائه ، بينما قتل المنذر نفسه ، وذلك في سنة 554م . ويرجع نولدكه ان تكون هذه الوقعة هي ” يوم حليمة ” المشهور ( نسبة الى اسم المكان الذي وقع فيه القتال ، وليس الى ابنة جبلة التي كانت تخلق الرجال كما تقول الرواية ) الذي افتخر به الغساسنة .
وفي سنة 563 م استقبل القيصر في القسطنطينية الحارث بن جبلة ، وكان الهدف من الزيارة مفاوضة القيصر فيمن يخلفه من أبناءه في امارة الشام والاجراءات التي يجب اتخاذها لمقاومة عمرو ملك الحيرة . ولقد تأثر الحارث بمظاهر الحضارة التي شاهدها في القسطنطينية ، وكان له تأثيره القوي على اهل العاصمة الذين هابوه .
والظاهر أن الحارث لم يكن محبوباً بلاط الروم بسبب انتصاره للمذهب اليعقوبي ( مذهب الطبيعة الواحدة المونوفيزيتي ) الذي كانت قد اعتنقته الامبراطورة ” تيودورا “) منذ أن نجح في سنة 542 – 543م في تعيين يعقوب البراذعي ورفيقه ثيودورس اسقفين في الولاية العربية الشامية ، وبفضلهما توطدت أركان هذا المذهب في بلاد الشام .
وتوفي الحارث بن جبله سنة 569م او السنة تليها 570م بعد أن ظل اميراً على عرب الشام بحوالي 40 سنة ، قام فيها الكثير من الأعمال الكبيرة وربما كان ذلك هو السبب في أن سبب الكتاب العرب الكثير من أعمال الغساسنة الى الحارث بن جبلة المشهور بابن ابي شمر، دون مراعاة لترتيب التاريخ .
المنذر وأبناءه
وخلف الحارث ابنه المنذر ( Almanudaros ) الذي ما أن تسلم الامارة حتى قام بصد الغارة التي قام بها عرب الحيرة على الشام ، وهزم ملكهم قابوس مرتين في سنة 570م . ووقع في المعركة الأولى غير بعيد من عاصمة اللخميين نفسها (على ثلاث مراحل من الحيرة )، ويحدد نولدكه هذه الموقعة بـ “يوم أباغ ” الذي تغنى به الشعراء .
والظاهر أن العلاقات بين المنذر وبين القيصر ” غوستينوس ” مما جعل الأمير الغساني يشق عصا الطاعة على الإمبراطورية لمدة ثلاث سنوات من سنة 574م الى سنة 577م . وكانت فرصة انتهزها عرب الحيرة لكي يغيروا على حدود الشام مما أرغم الروم على استرضاء المنذر وعقد الصلح معه ( في الرصافة عند قبر القديس سرجيوس ) .
ومع عودة العلاقات الطيبة قام المنذر في شتاء سنة 580م بزيارة القسطنطينية مع اثنين من أبناءه ، حيث استقبل بكل احترام وتقدير ، وأنعم عليه القيصر ” طيبريوس ” بالتاج . وكان من انجازات المنذر في عاصمة الدولة أن سعى في نيل العفو عن المضطهدين هناك من أنصار المذهب اليعقوبي ” مذهب الطبيعة الواحدة ” .
ولكن العلاقات لم تلبث أن ساءت بين المنذر وبين الروم أثناء حرب الفرس سنة 580م اذ ظن قائد الروم في تواطئ المنذر مع الفرس عندما وحد المعبر ( الجسر ) على الفرات مهدوماً. ولم ينجح المنذر في استعادة حسن الظن به عندما أغار على أراضي الحيرة وعاد بالغنائم . اذ صدرت أوامر القيصر طيبريوس بالقبض عليه وتم ذلك بالحيلة في بلده “حوارين ” بين تدمر ودمشق وسيق المنذر مخفوراً مع احدى نساءه وبعض اولاده الى القسطنطينية بعد أن حكم مدة 13 سنة حيث جددت اقامته قبل أن ينفى الى صقلية عقب وفاة طيبريوس سنة582م .
ولما كان الروم قد قطعوا المعونة المالية السنوية عن الغساسنة ، فقد قام أبناء المنذر الأربعة بقيادة أكبرهم وهو النعمان بالخروج على الإمبراطورية وأخذوا يشنون الغارات على أراضيها . وبلغ الأمر الى حد الهجوم على حامية بصرى واسترجاع ذخائر أبيهم وأسلحته التي كانت محفوظة بالمدينة ، ولو أن حاكم الشام البيزنطي تمكن من القبض على النعمان بالحيلة ، وارسالة الى العاصمة بعد سنة واحدة من وفاة المنذر .
الغساسنة المتأخرون :
وهكذا أخذت دولة الغساسنة في الضعف ، فانقسم عرب الشام الى 15 فرقة لكل واحدة منها رئيس أو شيخ ، وانتهى أمر هؤلاء أما بالانحياز الى الفرس أو الدخول في طاعة بيزنطة او ترك حياة الجندية والتوطن في المدن والقرى ، في كل من العراق والجزيرة والشام .
وبعد هذه “المحنة ” لم يعد كتاب بيزنطة أو السريان يذكرون أخبار آل جفنة وأصبح الشعراء العرب هم مصدر هذه الأخبار مثل علقمة والنابغة الذبياني . والأول له قصيدة في مدح الحارث الأصغر ، والثاني له عدة قصائد في مدح النعمان بن الحارث الأصغر .
ويفهم من هذه القصائد أن العلاقات لم تكن ودية بين النعمان وبين قبيلة النابغة ( فزارة ) القاطنة في شمالي المدينة ( يثرب ) ، وأن الامير الغساني كان يهدد بغزوها ، كما سبق له أن غزا قبيلة أسد المجاورة لها ، وقبيلة بني عذرة في وادي القرى أيضاً ويذكر النابغة أن النعمان كانت له غزوات أخرى في قبائل بكر وتميم ، وربما كان ذلك حوالي سنة 600م ، عندما توغل في أراضي اللخميين بالعراق . والظاهر أنه غزا قبيلة ذبيان عقب ذلك مما يجعل ولايته على الشام في العقد الأول من القرن السابع الميلادي .
وفي النعمان المكنى بأبي حجر هذا او في الأمير عمرو أخي النعمان ، قال حسان بن ثابت ( 590-660م )
ملكا من جبـل الثلـج الـى جانبي أيلة من عبد وحرّ
أتيـا فـارس فـي دارهـم فتناهوا بعد اعصام بقر
ثم صاحا بين غسان اصبروا انه يوم مصاليت صبر
وهكذا امتدت البلاد التي كانت تحت سلطان الغساسنة المتأخرين من : جبل الشيخ الى خليج العقبة ( أيلة ) . أما عن أهم مراكزهم فكان في الجولان ، كما انهم أقاموا بالقرب من دمشق في موضع على نهر بردى يعرف بـ “جلّق ” ، ومن المفهوم أن بلاد تدمر كانت خاضعة للغساسنة . وهذا لا يعني أن سلطة بني جفنة كانت تقف عند حدود بعينها ، فهي – بشكل عام – كانت مفروضة على كل القبائل الضاربة في بلاد الشام ، من شمالها الى جنوبها ، والتي كانت ترحل الى أعماق الصحراء .
ورغم ما يقوله الكتاب من أن الغساسنة بنوا المدن والقصور والأديرة والجسور ، فلا توجد أية اشارة الى أن الغساسنة ملكوا أيا من الأماكن المحصنة أو المدن مثل : دمشق وبصرى أو تدمر ، مما يعني انهم – رغم تأثرهم بالروم – ظلوا محتفظين ببداوتهم . وربما كانت إقامتهم في الجولان هي السبب في أن عمر بن الخطاب كان ينظر الى الجابية على أنها عاصمة بلاد الشام . وان غزوات الغساسنة المتأخرين في البلاد الخاضعة لسلطان الفرس ليدل على انهم لم يكونوا من المراء المغمورين .
ومع ذلك فان حسان بن ثابت الذي كان قد اتصل بهم حوالي سنة 610م وزارهم في الجولان وقرب دمشق والذي كان يفاخر بقرابته لهم ، يذكر في قصيدة له غسان وكان سلطتهم قد تهدمت وأجلهم قد انتهى . فهو يقول :
ديار ملوك قد أراهم بغبطة زمان عمود الملك لم يتهدم
وذلك عندما اضطر الغساسنة الى الفرار أمام زحف الفرس على بلاد الشام ، وفتحهم لدمشق سنة 613م وللقدس سنة 614م . ولا يعرف ان كان قيصر الروم قد اسند اليهم عمالة الشام مرة اخرى بعد أن استرد البلاد من الفرس سنة 629م ، وان كان الواقدي يذكر ان ” ملك بصرى ” الذي قتل مبعوث النبي في أواخر سنة 629م كان يسمى ” شرحبيل بن عمرو الغساني” واذا كان عرب الشام الذين ظاهروا المسلمين في فتح فلسطين كانوا من لخم ومن جذام فالمعروف أيضاً أن جبلة بن الأيهم الذي قاتل خالد بن الوليد في دومة الجندل ثم ساند الروم في اليرموك كان من حفدة الغساسنة . وهكذا كانت أحوال الغساسنة والعرب في بلاد الشام عند ظهور الإسلام .
اللخميون في الحيرة :
أصلهم
حسب رواية وهب بن منبه عن الهجرة الكبرى من اليمن ، خرجت جماعة من قوم عمرو بن عامر مزيقيا الى نجران ، ومنها الى عمان والبحرين ، ومنهم بنونصر بن الأزد . فالمفروض إذن أن من كان من العرب ” بالبحرين ” طمعوا في ريف العراق بعد ضعف الدولة الفارسية في العهد المعروف بملوك الطوائف ، وأنهم انتشروا في السواد ، وسكنت جماعات منهم ما بين الأنبار والحيرة . وبناء على ذلك فأغلب الظن أن وهب بن منبه يقصد ببني نصر أولئك الذين استقروا بالحيرة ، وكونوا مملكتها المعاصرة لمملكة الغسانيين . فملوك الحيرة عرفوا باللخميين ، وبالمناذرة ، وبآل نصر .
ظهور المناذرة منظر الملوك
واذا كان الغسانيون قد ظهروا بمظهر شيوخ القبائل رغم اتصالهم بالروم فان أمراء الحيرة يظهرون الى جانبهم بمظهر الملوك . ويرجع الفضل في ذلك الى المنطقة الخصبة التي استقروا بها في أرض الطّف التي عرفت بالنجف على الضفة الغربية للفرات ، غير بعيد من مدينة الكوفة الحالية . فالمنطقة ذات مياه ونخيل ، كما عرفت بطيب مناخها حتى قيل : ” يوم وليلة بالحيرة من دواء سنة ” .
أما عن أصل التسمية ( الحيرة ) فتقول الروايات العربية أن عابر والد قحطان ( وهو هود ) هو الذي حيّر الحيرة بمعنى أنه الذي مدّنها أو مصرها كما قيل أن تبع لما سار من اليمن يريد الأنبار تحيّر في موضع الحيرة فسماه الحيرة . والرأي الأول لا بأس به اذ أنه يتفق مع رأي اللغويين الذين يرون أن الكلمة سوريانية الأصل ، من لفظة حرتا بمعنى المعسكر أو الحصن ، ولهذا نسبت الى ملوك آل نصر فقيل ” حيرة النعمان ” و ” حيرة المنذر ” ، كما كان للغساسنة حيرتاهم في البادية يلجئون اليها عندما يتهددهم خطر من الأخطار .
أخبارهم وقصة ملوكهم
وأخبار اللخميين كثيرة عند الكتاب العرب الذين كانوا يعرفون أخبار الفرس أكثر من معرفتهم بأخبار الروم . ونظراً للصلات الوثيقة بين ملوك الحيرة وبين الدولة الفارسية جعل بعضهم تاريخ اللخميين وكأنه جزء من تاريخ فارس ، وذلك كما فعل الطبري وابن الأثير وغيرهما .
ويمدنا الكتاب العرب بقوائم لملوك لخم يعددون فيها أكثر من عشرين ملكاً تولوا الحكم لفترة قاربت الأربعمائة سنة . ولكنه رغم محاولتهم ترتيبهم وتحديد تواريخ ملكهم بالنسبة لملوك فارس ، فالذي يلاحظ هو أن كثيراً من هؤلاء الملوك يشتركون في نفس الأسماء . فالمنذر يتكرر خمس مرات ، والنعمان ثلاث مرات ، وعمرو ثلاث مرات ، وامرئ القيس ثلاث مرات ، مما يحتمل معه أن تكون الأحداث قد تكررت مع تكرار الأسماء أكثر من مرة . ومثل هذا حدث بالنسبة للغساسنة الذين امتد ملكهم عند الكتاب العرب القدماء الى حوالي 600 سنة ، بينما أثبت نولدكه أن الأمر لا يتعدى مائتي سنة على أكثر تقدير . وفي هذا النطاق نلاحظ أن من المناذرة من ينسب إليه في رواياتنا العربية أنه حكم أكثر من مائة سنة ، فكأننا ما زلنا بصدد تاريخ اليمن الأسطوري القديم .
وبناء على ذلك فليس من الغريب أن نجد بداية أسطورية لمملكة الحيرة فأول ملوكها هو ” عمرو بن عدي بن نصر ” وهو ابن أخت جذيمة الأبرش التنوخي القضاعي الازدي ، على أساس أن تنوخا كانت مزيجا من قضاعة ومن الأزد (1). والأبرش عرف أيضاً بالبرص أو الوضاح ، وهو ابن مالك بن فهم الأزدي الذي كون أول دولة عربية في العراق . وتقول الرواية أن جذيمة كان معاصراً للزباء ملكة تدمر التي احتالت عليه وقتلته ، وانه لما لم يكن له ولد فانه عهد بالملك الى عمرو بن عدي وهو ابن أخته ” رقاش ” من عدي الذي كان في أول أمره ساقياً عند جذيمة وافتتنت به أخت الأمير . وعمرو هو الذي ثأر لمقتل خاله من الزباء ، وهو اول من اتخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب .
وبناء على ذلك فسنحاول الاسترشاد بدراسة نولدكه مرة أخرى في تحديد تواريخ سنى هؤلاء الملوك ، وخاصة أن أحداث كل من دولتي العرب في العراق والشام كانت متصلة في كثير من الأحيان بفضل ما قام بينهما من الحروب والصراعات . وبناء على ذلك فلن نبتعد كثيراً عن أواخر القرن الخامس الميلادي في تتبعنا للأشخاص التاريخيين من هؤلاء الملوك . هذا وانه يمكن الاشارة الى امرئ القيس صاحب ” نقش النمارة ” المشهور الذي يرجع الى حوالي سنة 329م .
والنقش مكتوب ” باللغة العربية المشوبة بالآرامية ” ، وخطه يبين مرحلة انتقال الخط العربي من مشكلة النبطي الى شكله العربي المألوف في صدر الإسلام أما النص فهو كالآتي :
- هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم ، الذي تقلد التاج .
- وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكهم ، وهزم مذحج الى اليوم وقاد .
- الظفر الى أسوار نجران مدينة شمر واخضع معدا واستعمل بنيه .
- على القبائل وانابهم عنه لدى الفرس والروم ، فلم يبلغ ملك مبلغه .
- الى اليوم . توفي سنة 223 في اليوم السابع من أيلول (سبتمبر) وفق بنوه بنوه للسعادة .
ويرى بعض الباحثين ان امرئ القيس هذا هو أول ملك من اللخميين يعثر على اسمه منقوشاً على قبره ، ويظن أنه ” امرئ القيس بن عمرو بن عدي ” . هذا كما يمكن الاشارة الى الأمير النعمان الذي ولى بعده في أوائل القرن الخامس الميلادي ، والذي ينسب اليه بناء القصر الشهير المعروف ” بالخورنق ” ، شقيق القصر الآخر المعروف ” بالسدير ” .
المنذر بن ماء السماء
اما الأمير اللخمي الذي كان معاصرا للحارث بن جبلة ، والذي انتصر عليه الأمير الغساني في سنة 528م ، فهو المنذر الذي ينبغي ان يكون : المنذر بن امرئ القيس الملقب بابن ماء السماء الذي ولى سنة 514م . والمفروض انه ثالث من حمل اسم المنذر ( حسب قائمة حمزة الأصفهاني ) . والمنذر هو أشهر ملوك لخم فعلا فلقد عاصر من ملوك فارس قباذ وابنه أنوشروان ، كما عاصر قيصر الروم الشهير ” جستنيان ” ، وكانت له وقائعه مع جبلة بن الحارث من أجل السيطرة على قبائل العرب فيما بين العراق والشام ، وهي الوقائع التي انتهت بمقتله عند قنسرين سنة 554م ، والتي رأى نولدكه أنها ” يوم حليمة ” أو ” يوم الحيار ” وان كان الكتاب العرب يسمونها ” يوم أباغ ” .
وتقول الروايات العربية أن العلاقة بينه وبين قباذ ساءت بسبب تشجيع كسرى لمذهب مزدك الذي كان يدعو الى نوع من الاشتراكية البدائية في الأموال وغيرها ، مما أدى الى هروبه من الحيرة الى أن ولى أنوشروان وناهض المزدكية ، فعاد الى مملكته . أما بقية أخباره في التواريخ العربية ، فما زالت في حاجة الى التحقيق والتنقيح .
ومما يذكر انه انتقم من قبائل كندة بسبب الغارة التي قام بها ” قيس بن سلمة ” على الحيرة فأسر 12 اميراً من بني حجر بن عمرو وقتلهم في موضع يعرف بدير بني مرينا . وتقول الروايات العربية ان الشاعر امرئ القيس كان في جملة الأسرى ولكنه نجا من القتل ، وأنه قال في ذلك :
ملوك من بني عمرو بن حجر يساقون العشية يقتلونها
فلو في يوم معركة أصيبـوا ولكن في ديار بني مرينا
عمرو بن هند
وخلف المنذر ابنه عمرو بن المنذر المعروف عند الكتاب العرب بعمرو بن هند ” نسبة الى والدته بنت عمة الشاعر امرئ القيس الكندي ” وبمضرط الحجارة ( لشدته وصرامته ) ، ويقع حكمه ما بين سنة 554م و569م .
والمعروف أنه أغار على بلاد الشام سنة 563م أثناء امارة الحارث بن جبلة ثم أنه أمر أخاه ” قابوس ” بتجديد الغارة عليها بعد ذلك مرتين ، في سنة 566م وفي السنة التالية 567م ، حتى يخضع الغساسنة لدفع الجزية .
وتقول الروايات العربية أنه انتقم من قبائل تغلب عندما امتنعت عن تقديم العون له في حربه ضد الغساسنة ، كما أنه غزا قبائل طيء وتميم الذين قتلوا إبناً له أو أخاً وألقى بقتلاهم في النار ، ولهذا سمي ” بالمحرّق ” .
وعلى أيام عمرو صارت الحيرة ملجأ الشعراء ، مثل طرفة بن العبد ، والمتلمس ابن علس ، والمنخل اليشكري ، كما أن امرأ القيس الشاعر كان من معاصريه .
أما عن نهاية عمرو بن هند ، فكانت على يد الفارس والشاعر المشهور ” عمرو بن كلثوم التغلبي ” بعد أن تحرش به ابن هند وأراد أن تخدم أم التغلبي هنداً أمه . وفي ذلك قيل : ” أفتك من عمرو بن كلثوم ”
قابوس بن المنذر :
وولى بعد عمرو أخوه قابوس بن المنذر الذي وصف بالضعف واللين حتى هجاه طرفة بن العبد ، فقال :
يأت الذي لا تخاف سبته عمرو وقابوس قينتا عُرس
ولقد قام قابوس بغارة على بلاد الشام في اول ولاية المنذر بن الحارث بن جبلة ، ولكن الأمير الغساني تمكن من رد الاعتداء والانتصار عليه مرتين : أولاهما في أيار ( مايو ) سنة 570م ، وهي الموقعة التي يرجح نولدكه أن تكون ” يوم أباغ ” ، على بعد 3 ( ثلاث ) مراحل من الحيرة .
وعندما ساءت العلاقات بين المنذر الغساني والروم سنة 574م ، انتهز قابوس الفرصة وأغار على أراضي الروم متوغلاً حتى أنطاكية طوال ثلاث سنوات ، مما اضطر قيصر الروم جستينوس الى مصالحة المنذر ، الذي قام بدوره بالغارة على اللخميين ووصل حتى مدينتهم الحيرة سنة 578م ، حيث أطلق أسرى الروم .
النعمان بن المنذر :
وبعد قابوس ملك أخوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء ( 579-583م). وبعده ولى ابنه النعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس ، والذي لقب بالصعب لسرعة غضبه وأخذه بالوشايات . وكان كسرى بن هرمز قد فضله على اخوته وملكه دونهم ، وألبسه تاجاً فيه اللؤلؤ والذهب . وفي هذا التاج وفي النعمان ، قال مالك بن نويرة :
لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به من الزبرجد والياقوت والذهب
وتشير الروايات العربية الى أن العلاقة ساءت بين كسرى وبين النعمان عندما رفض الأمير العربي المصاهرة بينهما ، مما أغضب كسرى الذي أمر بالقبض عليه وسجنه ثم قتله مدهوساً تحت أقدام الفيلة . وفي ذلك يقول الأعشى ( عن كسرى ) :
هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه نحور الفيول بعد بيت مسردق
والظاهر أن دولة الحيرة كانت قد بدات تضعف على أيام النعمان لانصرافه الى الشراب واللعب . فعلى أيامه هزم بنو يربوع جيش النعمان لما أراد أن ينقل منهم الردافة ( الحجابة ). كذلك انهزمت جموعه امام بني عامر بن صعصعة بعد ان تعرضوا لاحدى قوافله ( اللطيمة ) التي كان قد ارسلها الى سوق عكاظ . هذا كما كانت حروب الفجار المشهورة بين كنانة وقيس بسبب تعرض القيسية لأحدى قوافله التي كانت في حراسة بعض الكنانيين . وفي موضوع الحرب يشيد الكتاب بما كان للنعمان من الكتائب المشهورة في القتال ومنها : الرهائن ، والصنائع ، والوضائع ، والأشاهب ثم الدوسر ” التي عرفت بشدتها حتى ضرب بها المثل فقيل : ” أبطش من دوسر ” .
وكان النعمان محباً للشعراء مقربا لهم ، وكان حسان بن ثابت ، الذي مدح الغساسنة . وافتخر بقرابته بهم ، قد زاره ومدحه . والنابغة كان وثيق الصلة بالنعمان كما كان على صلة بالغساسنة . وفي النعمان قال النابغة :
كأنك شمس والملوك كواكب اذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وممن اتصل به من الشعراء : المنخل اليشكري الذي سعى ضد النابغة عنده والذي انتهى أمره بالقتل في سجن النعمان ، والأسود بن يعفر وحاتم الطائي
والمعروف أن النعمان كان أول من تنصر من ملوك الحيرة ، وكان قبل ذلك يعبد الوثان ، وعلى وجه الخصوص العزى التي كان يتقرب اليها بالذبائح . وكان تنصره على يدي بعض أساقفة الحيرة الذي عالجه من مرض ألم به ، وقيل أنه تنصر على يدي كاتبه عدي بن زيد . ولقد تنصر مع النعمان أولاده ، ومنهم : الحسن والمنذر ، وكان تنصرهم على مذهب النساطرة حوالي سنة 593م . وينسب اليه بناء بعض الأديرة منها : دير اللج أو دير اللجة .
وعلى أيام النعمان غدا بلاط الحيرة يضاهي بلاط كبار الملوك . ولا ندري ماذا كانت عليه حالة كل من قصرى الخورنق والسدير اللذين ينسب بناؤهما الى النعمان بن امرئ القيس في مطلع القرن الخامس الميلادي ، ولا بأس في أن يكونا عامرين على عهد النعمان . فلقد بلغت حجابة القصر في أيامه شأنا رفيعاً بفضل حاجبه الشهير عصام الذي “مدحه الشعراء ” والذي كان يعهد اليه بقيادة ألف فارس والذي قال فيه النابغة :
نفس عصام سودت عصاما فخير ما وراءك يا عصام
ومن وراء النعمان عمرو بن بقيلة ، والد عبد المسيح الذي اشترك في مفاوضات الصلح مع خالد بن الوليد ، وكان له دير يعرف باسمه فهو دير عبد المسيح . وكان للنعمان دار في الحيرة عرفت بالزوراء ، يقال أنها بقيت الى أيام المنصور العباسي .
وبلغ من رقة الملك الحميري أن نسبت اليه “شقائق النعمان “، لأنه عندما وجد نبتها الأحمر والأخضر والأصفر طلب حمايتها وعدم الاضرار بها .
الكتابة :
ومن مفاخر الحيرة على أيام المناذرة أنها صارت مهد الكتابة العربية ففيها ظهر حماد بن زيد بن أيوب ، ككاتب بارع ، واختير للكتابة في بلاط الحيرة . وزيد بن حماد عينه كسرى على البريد لما تبين له من ذكائه ومقدرته في كل من اللغتين العربية والفارسية . وعدي بن زيد الذي حذق العربية والفارسية ، وتقرب من آل لخم الذين أوصلوه الى كسرى فاستخدمه كاتبا ، كما عهد اليه بمهمات سياسية لدى قيصر الروم . وعندما عاد الى الحيرة استقبله النعمان استقبالاً حافلاً وزوجه من ابنته هند ، ولو انه عاد وغضب عليه ، وألقاه في السجن .
أياس بن قبيصة ويوم ” ذوقار ” :
بعد مقتل النعمان قرر كسرى التخلص من اللخميين فعهد بملك الحيرة الى رجل من الطائيين ، “هو اياس بن قبيصة الطائي ” على أن يحكم تحت اشراف موظف من الفرس يلقبه الكتاب بـ ” الهمرجان ” .
والظاهر أن كسرى أبرويز أمر عامله الطائي بأن يتتبع آل النعمان وأن يستصفي أموالهم في محاولة للقضاء تماماً على الأسرة اللخمية . وعندما طلب من هاني بن قبيصة الشيباني بتسليم ما كان لديه من ودائع النعمان رفض الشيباني ذلك مستظهراً بآله من الشيبانيين ومن بكر بن وائل . وهنا قرر كسرى عقاب البكريين فجمع لهم جموع أتباعه من العرب ، كما بعث حشداً من جنوده النظاميين ، وقرر مفاجأة خصومه عندما ينزلون بماء قريب من الكوفة يعرف ” بذي قار ” ز ولكن البكريين نجحوا في حجب الماء عن الفرس الذين كروا راجعين عندما اشتد بهم العطش في اليوم الثاني من القتال. وهناك تبعهم بنو بكر وحلفاؤهم من العرب العجليين فهزموهم وقتلوهم مقتلة عظيمة ، وذلك حوالي سنة 610م . ولما كانت هذه الوقعة أول نصر كبير يحققه العرب على الفرس ، فقد رفعت من معنوياتهم وأكدت بينهم الشعور بالقومية حتى قيل أن النبي عندما سمع بالوقعة قال : اليوم انتصفت العرب من العجم.
وبعد انتصار العرب قررت حكومة فارس أن تحكم الحيرة حكماً مباشرا فعهد بها الى موظفين من الفرس دون الاستعانة بالعرب ، فكان معنى ذلك انكشاف حدودها أمام العرب المسلمين بعد ذلك بقليل .
ملوك كندة
ويتصل بتاريخ كل من أمراء غسان وملوك الحيرة تاريخ قبائل كندة التي هاجرت هي الأخرى من اليمن ، وكونت لها ملكاً في نجد شمالاً في أرض معد . ويختلف الكتاب العرب في أصل كندة وهل هي من القبائل القحطانية أم العدنانية ، ولكن الذي يفهم من كتاباتهم ان القبيلة عريقة في يمنيتها ، وأنه كان لها أرضها التي عرفت بها في اليمن . ولا بأس من أن يكون اختلاف الكتاب في نسبتها الى عرب الجنوب أو عرب الشمال قد حدث بعد أن استقرت القبيلة في نجد ووثقت علاقاتها بالعدنانيين ، بعد أن بسطت سلطانها على بادية الحجاز حتى عرفت عند الكتاب العرب باسم ” كندة الملوك “.
وأرض كندة في اليمن كانت مما يلي حضرموت ، بينها وبين أرض منحج أما عن سبب هجرتها الى أرض ” معد ” فهو الصراع الذي قام بينها وبين قبائل حضرموت الذين تفرقوا على الكنديين وأجلوهم عن البلاد ، وهذا أمر مقبول بالنسبة لتاريخ قبائل اليمن على مرّ العصور . وهناك تعليل آخر تقدمه الروايات العربية ، وهو يربط بين تاريخ كندة في الحجاز وتاريخ دولة حمير ، اذ تقول أن” حجر بن عمرو الكندي ” الأمير المشهور بآكل المرار ، كان أخاً لحسان بن تبع لأمه ، وأنه بعد أن خرج حسان لغزو بلاد العرب وهم بالعودة من الحجاز الى اليمن ولّى أخاه حجراً على قبائل معد بن عدنان ، فنجح في ولايته وأحسن السيرة في رعيته حتى لم يرضوا به وبآله بديلاً.
والحقيقة أنه يمكن التوفيق بين الروايتين . فالأولى تمثل البداية الأولى في تاريخ كندة وكيفية هجرتها من اليمن الى نجد ، والثانية تمثل مرحلة استقرار الكنديين في أرضهم الجديدة وكيف كونوا لهم إمارة في نجد ، وهي التي تمثل التاريخ الحقيقي لكندة . يفهم هذا من القوائم التي تعدد ملوك كندة ، فتقول أنه ولى كندة حجر بن عمرو آكل المرار ستة من الملوك الذين توارثوا الملك والذين لا يعرف الكتاب عنهم أكثر من أسمائهم وهم : مرتع بن معاوية بن ثور ( اولهم ) وثور بن مرتع ، ومعاوية بن ثور ، والحارث بن معاوية ، ووهب ابن الحارث ( آخرهم ).
حجر بن عدي :
ثم يأتي دور حجر بن عدي آكل المرار الذي يرى البعض انه أول ملوك كندة ، وربما كان ذلك بناء على ما رأوه تقليداً شرعياً بالولاية من قبل ملك العرب الأكبر ، حسان بن تبع الحميري . هذا الى جانب أن حجراً يمكن ان يعتبر أول شخصية تاريخية في قائمة ملوك كندة يمكن الاطمئنان اليها . فقد كانت ولايته حوالي سنة 480م ، وكانت له حروبه مع اللخميين التي انتهت بان استخلص ما كان بأيديهم من أرض بكر بن وائل . كما كانت له وقائع مع الغسانيين ، فيقال أن الحارث الغساني أغار عليه واستولى على أمواله ، ولكنه نجح في استنفادها منه . وتوفي حجر حوالي سنة 528م .
عمرو بن حجر والحارث بن عمرو :
ولى بعد حجر ابنه عمرو الذي لا نجد له ذكراً كثيراً عند الكتاب . وهناك روايات يفهم منها أنه كان له أخ يسمى معاوية ساد على بلاد اليمامة وربما كان ذلك بمعونة من ملك حمير الذي ظل بنو آكل المرار يدينون له بالولاء . أما هو فتذكر له غزوة في أرض الشام الى جانب حلفاء له من قبائل ربيعة ، وفيها لقي مصرعه على يدي الحارث بن جبلة الغساني .
وعلى عهد ” الحارث بن عمرو بن حجر ” وصلت مملكة كندة الى ذروة مجدها ، وذلك أن ملك كندة اتسع الى جانب اليمامة وأرض بكر بن وائل التي كانت خاضعة للخميين ، مملكة الحيرة نفسها ، وذلك عندما ظهرت المزدكية وافتتن بها ملك الفرس قباذ فكان ذلك سبباً في سوء علاقته بالمنذر بن ماء السماء . فلقد ظاهر الحارث كسرى قباذ الذي عهد اليه بالحيرة بقية أيامه ، الى أن ولى أنوشروان فعاد المنذر الى مملكته وتقول الروايات أن المنذر بن ماء السماء تزوج هندا بنت الحارث بن عمرو التي غلب اسمها على ابنها عمرو بن المنذر ملك الحيرة فأصبح مشهوراً عند العرب بـ “عمرو بن هند ” ، وهي شقيقة “الملك قابوس ” وعمة الشاعر الكندي المشهور امرئ القيس . والظاهر أن هذه الفترة التي سادت فيها كندة على مملكة الحيرة لم تطل الى أكثر من ثلاث سنوات ( من 525م الى 528م ) .
وتقول الروايات أن الحارث انتهز هذه الفرصة وقوى من شأن اسرته ففرق أبناءه ، ملوك على القبائل ( كما فعل يعرب قديماً بالنسبة لأخوته ) ، ليحسموا ما كان فيها من الفتن على الوجه الآتي – بصرف النظر عن الاختلاف في الروايات بالنسبة لترتيب الولاة أو القبائل :
- حجر بن الحارث على : قبائل أسد وغطفان فيما بين المدينة والفرات – جنوب جبلي طيء ( جبل شمر حالياً ) .
- شرحبيل على : بكر بن وائل وحلفائهم من زيد مناة وتميم والرباب .
- معدى كرب على : قيس عيلان وحلفائهم .
- سلمة على : تغلب والنمر بن قاسط .
- عبد الله على : عبد القيس ……… الى آخره .
والظاهر أن ملك هؤلاء لم يستتب طويلاً بعد عودة المنذر الى مملكته اذ تقول الروايات ان ملك الحيرة نجح في التخلص منهم جميعاً . فقد أوقع بينهم وقتلهم في عنف وغلظة في مواقع تعتبر من أيام العرب المشهورة ، مثل مقتلة بني آكل المرار في ديار بني مرينا التي قال فيها امرؤ القيس :
ملوك من بني حجر بن عمرو يساقون العشية يقتلونهـا
فلو في يوم معركـة اصيبـوا ولكن في ديار بني مرينا
ولم نغسـل جماجمهـم بغسل ولكن في الدمـاء مرملينا
تظل الطير عاكفـة عليهـم وتنزع الحواجب والعيونا
والظاهر أن هذه المقتلة هي التي عرفت بيوم خزار ، وهي التي يقول فيها الأخباريون أنها اول يوم استنصفت فيه نزار من اليمن ، وانها لم تزل منذ هذا اليوم قاهرة لليمن في كل يوم يلتقونه حتى جاء الاسلام (1).
ومثل وقعة جبل أواره التي قتل فيها يزيد بن شرحبيل وقبائل من بكر بن وائل في مذبحة مروعة سالت فيها دماؤهم من قمة الجبل الى الحضيض . وتسمى هذه المذبحة بيوم أواره الأول .
ولقد ذاعت أخبار حجر بن الحارث بفضل ابنه الشاعر المشهور امرئ القيس وكذلك الحال بالنسبة لأخبار كندة على العموم .
فقد هام امرؤ القيس في احياء العرب لاعبا لاهياً ، وكان في حضرموت عندما أتاه خبر مقتل والده بأيدي بني أسد الذين ثاروا عليه – مما يمكن أن يعني أن الكنديين كانوا قد عادوا الى ديارهم الأصلية في اليمن بعد أفول نجمهم في نجد والحجاز . وفي مقتل والده قال امرؤ القيس مقالته التي ذهبت مثلاً :” اليوم خمر وغداً أمر ” .
وتقول الروايات أنه ذهب في تجواله – وهو يطلب المعونة للثأر لأبيه – حتى القسطنطينية حيث هلك بأرض الروم فيما بين سنة 530م وسنة 540م، ودفن بأنقرة .
وخلال سياحته هذه اتصل بالسموال ( صمويل ) صاحب تيماء الذي سعى له الحارث بن جبلة الذي أوصله الى قيصر . والسموال هو الذي اودع لديه امرؤ القيس امواله وأدرعه ، وهو الذي ضرب به المثل في الوفاء بعد أن فضل قتل ابنه على التفريط في دروع الشاعر الكندي عندما طلبها الحارث بن جبلة الغساني .
وهكذا انفرط عقد ملوك كندة من بني آكل المرار ، فعادوا الى موطنهم الأصلي في اليمن حيث ساد منهم قيس بن معد يكرب ثم ابنه الأشعث بن قيس الذي حضر الى النبي في 60( ستين ) أو 70 ( سبعين ) من اشراف كندة ، فأسلموا على يديه في المدينة .
وهكذا نكون قد استعرضنا تاريخ العرب القديم في الأقاليم الواقعة على أطراف جزيرة العرب ، ومنه نستطيع أن نستخلص ان الممالك العربية التي عرفتها البلاد كانت في معظمها من أعمال العرب الجنوبيين أو عرب اليمن، سواء كانت في جنوب الجزيرة أو في شمالها .
ومن هذا العرض نستخلص أنه على عكس ما يمكن أن يظن من أن العرب كانوا يحيون حياة منعزلة في بواديهم وصحراواتهم ، انهم عرفوا حياة الحضارة المتفتحة على العالم الخارجي بفضل العلاقات التجارية الواسعة المدى ، وبفضل العلاقات السياسية والحربية مع الدول العظمى التي أحاطت ببلادهم في فارس والشام وما وراءها في مصر وروما والقسطنطينية.
وبذلك لا يبقى أمامنا الا تاريخ العرب في مهد الاسلام ، أي في بلاد الحجاز . واذا كان العرب هناك لم يعرفوا الممالك والدول مثل اخوانهم في اليمن والعراق والشام فإن محافظتهم على عروبتهم الأصلية ، وما تمثله من الصفات والسجايا من : الحفاظ على النقاء العرقي والشجاعة والفروسية والحمية والجود بكب شيء حتى النفس ، هي التي ميزتهم على اخوانهم الذين اصابتهم حضارة الفرس والرومان . وهكذا كان عرب الحجاز ونجد مهمهئيين اكثر من غيرهم من عرب فارس والشام – الذين رفض الاصطخري اعتبار بلاد بعضهم من أرض العرب ، لأنهم خضعوا للأجانب ودخلوا في النصرانية – لحمل رسالة الاسلام وتكوين الدولة العربية الكبرى.
ومع ذلك فالفضل لعرب الأطراف في فتح نوافذ العالم امام عرب الحجاز عندما خرجوا يحملون رسالتهم الى العالم . واذا صح ذلك كان من الطبيعي أن يكون تاريخهم – بدوره – مقدمة لتاريخ عرب الحجاز قبل الاسلام ، وهو ما سنحاول معالجته الآن ، كما اعتبرنا تاريخ جميع العرب القديم مقدمة عامة لتاريخ الاسلام .
العرب المستعربة
العرب الشماليون : العدنانية أو النزارية
بعد أن استعرضنا تاريخ عرب اليمن العاربة وما اقاموه من الدول في جنوب جزيرة العرب وفي شمالها ، نحاول التعريف بعرب الشمال من العدنانية أو النزارية وهم المستعربة . وهم يسمون عند الكتاب المحدثين بعرب الشمال نسبة الى موقع بلادهم الأصلي شمال اليمن أي في نجد وفي الحجاز ، فليس المقصود الشمال على اطلاقه اذ ان عرب اليمن الجنوبيين سكنوا الأقاليم الشمالية من الجزيرة ، منذ العصور القديمة – كما رأينا .
وحسب شجرة الانساب العربية يرجع عرب الشمال جميعاً الى اسماعيل بن ابراهيم الخليل بعد ان نزل الحجاز وتربى بين العرب العاربة من جرهم هناك وتكلم بلسانهم ثم تزوج منهم وانجب كل أولاده من زوجته أو زوجاته الجرهميات .وعن هذا الطريق ايضاً صار عرب الجنوب من اليمنية اسماعيلية أيضاً عن طريق زوجة اسماعيل الجرهمية ، وأصبح ابراهيم أبا العرب جميعا . فهذا ما يفهم من رواية عبيد بن شرية الجرهمي الذي يقول لمعاوية : ” أن جميع ولد اسماعيل من بنت مضاض بن عمرو الجرهمي ، ويقول عن ابراهيم : هو أبونا وأبوكم فنحن ولدناكم وانتم منا ونحن منكم ، مما أثار معاوية الذي رد على عبيد قائلاً : كأنك تحدث عن حديث الجاهلية ! وكان ردّ عبيد : يا أمير المؤمنين لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك فقد محق الإسلام ما كان قبله (1) .
واذا كان الباحثون المحدثون من المستشرقين يميلون الى القول بأن تقسم العرب الى مجموعتين كبيرتين إحداهما عرب الجنوب من القحطانية والأخرى عرب الشمال من العدنانية هو من عمل الاخباريين و النسابة المسلمين ،كنتيجة طبيعية لصراع بين اليمنية و القيسية في صدر الاسلام، و هو الامر الذي له نصيبه المحدود من الصحة –على كل حال- فان رواية عبيد تبين أن هذا التقسيم للعرب كانت له جذوره القديمة . و يمكن ان تعتبر “رواية عبيد أول مرحلة من الربط بين عرب الجنوب و عرب الشمال ، الى أن تظهر الرواية العربية – المتأثرة بالإسرائيليات – و التي جعلت كلا من القحطانية و المعدية (او العدنانية ) ينحدرون من ولدي اسماعيل ، و هما يقطن الذي يظن انه قحطان ،و الآخر قيدار (او قبذار)او نابت الذي يظن انه جد العدنانية.
و هكذا يصبح لدينا – بصرف النظر عن الاختلافات التفصيلية – شجرتين للنسب احداهما تعالج كلا من القحطانية و العدنانية على حدة ، و الاخرى تعالجهما على انهما فرعين لاصل واحد هو إسماعيل و هذا لا يغير من الاتجاه العام شيئا . ففكرة ان إسماعيل هو ابو المستعربة من العدنانية و انه ابو العرب جميعاً مقبولة من حيث ان العدنانية هم العرب الذين احتفظوا بعروبتهم خالصة لانهم لم يخالطوا الشعوب الاخرى ،كما حدث في اطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية ، ولم يخضعوا لها ، مما جعل الاصطخري لا يدخل ارض عرب الجزيرة ، فيما وراء الفرات ، ضمن أرض العرب لأن أهلها خضعوا للروم وللفرس ، كما سبقت الاشارة .
نسب العدنانية
والمهم – على كل حال – هو أن النسابيين العرب اتفقوا على انتساب العدنانية الى إسماعيل ، ولو انهم اختلفوا في عدد الآباء بين عدنان وإسماعيل ، فجعلوه ما بين 20 (عشرين ) و 40 ( اربعين )أباً (1) . أما الابن المباشر لعدنان فهو معدّ وهو البطن العظيم ومنه تناسل عقب عدنان كلهم ، ولهذا بن منبه أن معدا كان له ولدان : احدهما قنص والآخر نزار اللذان تنازعا فخرج نزار الى الحيرة ، وقيل أن النعمان بن المنذر من نسل نزار هذا (2)، ومن نزار خرجت البطون الكبرى من اولاده الأربعة ، وهم : اياد ومضر وربيعة وانمار (3) ولهذا عرف العدنانية باسم النزارية أيضاً .
طراز المعيشة عند العدنانية
ويتميز العدنانية عن القحطانية بأنهم بادية رحالة ، باستثناء قريش ، كما يقول ابن خلدون (1). وفي ذلك يقول المؤرخ المغربي الكبير ، بمناسبة ما ذكره ابن اسحق من أن هاشم بن عبد المطلب هو أول من سن الرحلتين في الشتاء والصيف ان هذا غير صحيح ” لأن الرحلتين من عوائد العرب في كل جيل لمراعي ابلهم ولمصالحها ، لأن معاشهم فيها ، وهذا معنى العرب وحقيقتهم انه الجيل الذي معاشهم في كسب الابل والقيام عليها في ارتياع المرعى وانتجاع المياه والنتاج والتوليد ، وغير ذلك من مصالحها ، والفرار بها من أذى البرد عند التوليد الى القفار ودفئها ، وطلب التلول في المصيف للحبوب وبرد الهواء … وهو معنى العروبية وشعارها ” (2). والذي يقوله ابن خلدون هنا ينطبق ، بطبيعة الحال ، على النزارية دون غيرهم ، وذلك راجع الى طبيعة مواطنهم في نجد التي تمتد مسيرة شهر من أول جبل السروات ( السراة ) فكأنه يعتبر الحجاز بمعنى جبال السروات الحاجزة من نجد فهو يقول : اذا دخلت في أرض الحجاز فقد انجدت . ونجد التي تشغلها مواطنهم تبدأ من جهة تهامة الحجاز حيث جبل حضن المتصل بالطائف والمعروف بأنه أعلى قمة في نجد حتى ان النسور تبيض فيه . ويدخل في مواطنهم أرض تهامة من الحجاز مما يلي بحر القلزم ( الأحمر ) في سمت مكة والمدينة نحو الشمال حتى تيماء وأيلة ( العقبة ) . وفيما وراء امتداد جبال السروات تمتد برية نجد شرقاً نحو سهول العراق ، وهي تتصل جنوباً باليمامة وعمان ، وكما تتصل بالبحرين ثم بأرض البصرة في اتجاه الشمال . وفي هذه البرية مشاتي العرب التي تشتو بها والتي اختص بها بنو عدنان (1)، وذلك ان أسفل نجد غور في الشتاء بارد (2).
ورغم ما يقوله ابن خلدون من أن رعي الإبل ونتاجها وتوليدها هو معنى العرب والعروبية ، فقد فرق الكتاب القدامى بين القبائل والشعوب العدنانية على نشاطاتها الاجتماعية والحرفية . ففي ذلك يقول محمد بن السائب الكلبي ومن ينقل عنه من الكتاب ، أن نزارا أوصى – قبل وفاته – لابنائه الأربعة بتركته فجعل لاياد أكبرهم العصا والحلة ( أو الخلف والظلف ) ، ولمضر القبة الحمراء من الأدم ، ولربيعة الفرس والقنا ، بينما جعل لأنمار الأرض ( أو أمة سوداء والحمار ) (3). وهذه القصة – التي تروى بشكل آخر ، فتقول : ان الأخوة تنازعوا في ميراث أبيهم وأن الذي حكم في الخلاف ووزع الميراث بهذا الشكل هو حكيم نجران ( أفعى نجران ) – تقرير أن قبائل اياد اشتهرت بالابل والماشية وأن مضرا كان لها السيادة على العدنانية بفضل ابلها من المهاري (4) السريعة العدو والتي حققت لهم التفوق على غيرهم من القبائل ، واشتهرت ربيعة بأنهم فرسان محاربون بفضل نتاجها من الخيل الكريمة ، بينما تخصصت قبائل أنمار في الزراعة وتربية الغنم ، وعرفت غنمها بانها أكرم الغنم . ولهذا سميت مضر الحمراء ، وربيعة الفرس (1). والحقيقة أن الكتاب متفوقون على أن مضرا وربيعة هما البطنان العظيمان لنزار ، اما اياد الذين ساروا الى العراق وانمار فمشكوك في أنها من النزارية (2)، وكذلك الحال بالنسبة لقبائل عك التي استقرت في زبيد من اليمن والتي قيل انها من الأزد (3).
قبائل ربيعة ومضر وفروعها :
هكذا وفي إطار المسميات الاصطلاحية التي يستخدمها علماء النسب ، والتي تجعل تفرعات القبائل تتوالى في عشر درجات تبدأ بالأصل الذي يرجع الى عدنان أو قحطان ويعرف بالجذم تليه الطبقة التي تعرف بالجماهير ثم القبيلة والعماقر والبطون والأفخاد والعشائر والفصائل وآخرها الرهط ، وهم رهط الرجل وأسرته وانقسم عرب الشمال من العدنانية الى مجموعتين كبيرتين هما : ربيعة ومضر . وهؤلاء كانوا قد هاجروا قبل الاسلام الى أقصى الشمال حيث استقروا في حوض الفرات وأعطوا اسمهم الى مواطنهم الجديدة في ديار ربيعة وديار مضر ، ومنهم تفرعت قبائل عديدة .
ربيعة :
واذا أخذنا برواية ابن خلدون الذي جمع معظم ما كتبه سابقوه في هذا الشأن ورتبه حسب طريقته المنهجية التي تشهد له بالبراعة والموهبة ، فإن ربيعة تنقسم الى : ضبيعة وأسد ، ومن أسد تفرع عنزة وجديلة ، ومن جديلة عبد القيس وهنب أبنا أفضى ، ومن هنب : النمر ووائل . ووائل بطن عظيم أشهرهم بنو تغلب وبنو بكر بن وائل .
ومن بني تغلب الشاعر المشهور عمرو بن كلثوم ( وأمه هند بنت مهلهل) الذي قتل عمرو بن هند اللخمي ، كما سبق ، وهو الذي قتل شرحبيل بن آكل المرار يوم الكلاب . ومنهم كليب بن ربيعة الذي قتله جاس أخو زوجته فكان سببا في حرب البسوس بين تغلب وبكر وهي التي استمرت اربعين عاماً . وفي تغلب في الاسلام الوليد بن طريف بن عامر الخارجي الذي رثته أخته ليلى بقولها :
أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف
واما بكر بن وائل وهم من قبائل العدنانية المشهورة بعددها وأعمالها فمنهم : يشكر بن بكر ، وبنو عكابة بن صعب ، وبنو حنيفة ، وبنو عجل بن لجيم .
ومن بطون حنيفة بنو الدول . ومن حنيفة ” عمرو بن عمرو ” قاتل المنذر بن ماء السماء يوم عين أباغ . ومنهم تمامة بن أثال من بني الدول الذي كان يملك اليمامة عند ظهور الإسلام والذي ثبت على اسلامه عند الردة . ومنهم محلم بن سبيع الذي ناصر مسيلمة الكذاب ، كما كان منهم نافع بن الازرق امام الخوارج المشهور .
أما بنو عجل فهم الذين هزموا الفرس يوم ذي قار .
وينقسم عكابة الى ثلاثة بطون عظيمة وهي : تيم الله وقيس ابنا ثعلبة ثم شيبان ابن ذهل بن ثعلبة . وبنو شيبان هؤلاء كانت لهم كثرة في صدر الاسلام . وكان سيد شيبان في الجاهلية هو مرة بن ذهل الذي انجب عشرة اولاد نسلوا عشر قبائل ، ومنهم همام وجاس قاتل كليب . ومن ولد جاس بنو الشيخ ومنهم : هانئ بن مسعود الذي رفض ان يسلم وديعة النعمان ملك الحيرة الى كسرى ابرويز ،فكان ذلك سببا في يوم ذىقار ،والمثنى بن حارثة صاحب الفتوح في سواد العراق . هذه كما ظهر كثير من الخارج منهم ،مثل : الضحاك بن قيس الخارجى الذي بويع لهم ايام مروان بن محمد اخر الأمويين ،وعمران بن حطان الذي كان من اعلام الخوارج .
مضر :
تمثل قبائل مضر الكثرة الغالبة من العدنانية بالحجاز ، وكانوا ينقسمون الى فخذين كبيرين هما : خئدف وقيس . وخئدف هم أبناء الياس الثلاثة وهم: مدركة وطابخة وقمعة سمو باسم امهم خئدف. وقيس تفرعت بدورها الى ثلاث بطون : كعب ، وعمرو وسعد . والظاهر أنهم كانوا بلغوا من القوة والعدد في صدر الإسلام حتى أصبحوا يمثلون العدنانية في مقابل الكلبية الذين مثلوا اليمنية وخصوصاً في الشام .
القيسية :
فمن عمرو بن قيس تفرع بنو فهم وبنو عدوان ومن عدوان كان ” عامر بن الظرب “حاكم حكم العرب في الجاهلية كما كان منهم أبو سيارة الذي ظل يدفع بالناس في موسم الحج طوال 40 سنة .
ومن سعد بن قيس قبائل : غنى و بأهله و غفطان و مّرة
و بنو غفطان بطن عظيم كثير الشعوب و البطون ، منهم أشجع و عبس و ذبيان .و أشجع هم عرب المدينة يثرب و كان سيدهم معتقل بن سنان الصحابي . و منهم نعيم بن مسعود و اليه ينسب الفضل في تشتيت الاحزاب عن المدينة يوم الخندق.
أما بنو عبس فكان الشرف فيهم لبيت عدة بن قطيعة الذين كان منهم الربيع بن زياد وزير النعمان ، و منهم زهير بن جذيمة الذي ساد على قبيلة غفطان . و من اشهر ابنائه قبس الذي خلفه في رئاسة قبيلة عبس ، و ابنه زهير هو صاحب الرهان على الفرسين داحس و الغبراء مع حذيفة بن بدر رئيس فزارة و التي أدت الى الحرب بين عبس وفزارة . ومن عبس الصحابي المشهور حذيفة بن اليماني ، ومنهم عنترة بن معاوية بن شداد الفارس المشهور ، وأحمد من عبس بنجد أحد ولو انه كانت هناك أحياء من زغبة من بني هلال الذين ينتسبون الى عبس .
ذبيان : ولذبيان ثلاثة بطون هي : مرة وثعلبة وفزارة .
وفزارة تتفرع الى خمسة شعوب :عدي وسعد وشمخ ومازن وظالم . وكانت الرياسة في الجاهلية في بيت بدر بن عدي فهم اذا كانوا يرأسون كل قبائل غطفان ومن ثعلبة كان حذيفة بن بدر صاحب الرهان على حدى داحس والغبراء . ومن ولده كان ” عيينة بن حصن ” الذي قاد الأحزاب الى المدينة في حرب الخندق سنة 5هـ . وهو الذي أغار على المدينة عقب بيعة ابي بكر بالخلافة ، وكان الرسول يسميه ” الأحمق المطاع “.
ومن ذبيان بنو مرة بن عوف وكان سيدهم في الجاهلية هو هرم بن سنان الذي مدحه زهير بن أبي سلمى ، ومنهم الحارث بن ظالم الذي اشتهر بالفاتك لأنه فتك بخالد بن جعفر بن كلاب والذي انتقم منه النعمان بن المنذر ملك الحيرة فقتل ابنه . ومن بني مرة مسلم بن عقبة بن رباح قائد يزيد بن معاوية الذي استباح المدينة يوم الحرة .
اما خصفة بن قيس فتفرع منها بطنان عظيمان هما :
بنو سليم بن منصور وهواز بن منصور وتتفرع منهم شعوب وبطون كثيرة .
ومن بني سليم تفرع بنو ثعلبة وكان منهم عمرو بن عتبة بن بن المنقذ الذي كان صديقاً لرسول الله في الجاهلية والذي اسلم مع ابو بكر وبلال وكان يقول : كنت يومئذ ربع الاسلام . ومن بيوت سليم الشهيرة في الجاهلية بيت الشريد بن رباح من بني عصية وكانت ، منهم الخنساء وأخوها صخر ومعاوية بن عمرو بن الشريد . وكان عمرو بن الشريد يمسك بيده ابنيه صخر ومعاوية في موسم الحج ويقول : أنا ابو خيري مضر ، ومن انكر فليعتبر ولا ينكر احد ، اما الخنساء فقصة حضورها حروب القادسية بأولادها مشهورة .
أما هوازن فلها بطون كثيرة ولكنها تتفرع من أجذام ثلاثة ، ترجع الى بكر بن هوازن وهم : بنو سعد بن بكر وبنو معاوية بن بكر وبنو منبه بن بكر .
ومن بني سعد كانت مرضعة النبي حليمة بن ابي ذويب بن عبد الله ، ومن بناتها الشيماء التي أخذت سبى هوازن يوم حنين فأكرمها الرسول وردها الى قومها .
ومن بني منبه قبيلة ثقيف وهم بطن متسع ، منهم : عثمان بن عبد الله بن ربيعة صاحب لواء هوازن يوم حنين والذي قتل في المعركة . ومنهم معتب بن عوف جد عروة بن مسعود الذي بعثه الرسول الى قومه يدعوهم الى الاسلام فقتلوه . ومن سلالته أيضاً الحجاج بن يوسف بن الحكم . ومن بني معتب : غيلان من مسلمة الذي كانت له وفادة على كسرى ، والحارث بن كلدة طبيب العرب ، وابو عبيد بن مسعود بن عمرو قائد القواد العربية في موقعة يوم الجسر في حروب العراق ، وهو والد المختار بن ابي عبيد الثقفي المشهور في فتنة ابن الزبيد بالعراق . ولقت اختلفت الآراء في ثقيف فقال البعض انهم من بقايا ثمود كما قال آخرون أنهم من قبائل اياد .
ومعاوية بن بكر : بطون كثيرة منهم :
بنو نصر بن معاوية ، ومنهم : مالك بن سعد بن عوف قائد هوازن يوم حنين الذي أسلم بعدئذ وحسن إسلامه . ومنهم بنو سلول الذين عرفوا باسم أمهم سلول ومن القبائل الكبيرة منهم : بنو عامر بن صعصعة التي تفرع منها اربعة بطون هم نمير وربيعة وهلال وسوأة .
وتعتبر نمير احدى ” جمرات العرب ” .والحجر هي القبيلة التي لا تنضم الى أحد ولا تحالف غيرها ، وتصبر في قتال من يقاتلها (1). وكانوا معروفين بكثرتهم وعزتهم على ايام الجاهلية وفي الاسلام . ويسجل ابن خلدون أنهم هلكوا على عهد الخليفة المعتز العباس بعد ان كانوا قد دخلوا بلاد الجزيرة الفراتية .
وقبائل هلال بن عامر اشتهرت بمشاركتها في حروب القرامطة ثم نقلتها الى مصر ثم الى المغرب حيث سجلت ملحمتها المشهورة في غزو بلاد القيروان بتحريض الوزير الفاطمي اليزوري . ولقد تفرعت قبائل هلال الى خمسة فروع هي : شعبة وناشرة ونهيك وعبد مناف وعبد الله .
فمن بني عبد مناف كانت زينب أم المؤمنين بنت خذيمة بن الحارث ومن بني عبد الله كانت ميمونة ام المؤمنين بنت الحارث بن جزن .
ومن أشهر بطون ربيعة بن عامر ثلاث ترجع الى ابنائه وهم : عامر وكلاب وكعب .
ومن عامر بن ربيعة خداش بن زهير بن عمرو ، وهو من فرسان الجاهلية وشعرائها . ومن بني كلاب : ربيعة المجنون ، ولبيد بن ربيعة المشهور . ومنهم ليلى التي شبب بها قيس بن عبد الله بن عمرو الشاعر مادح النبي ومنهم قشير بن كعب بن مرة ومرة بن هبيرة الذي وفد على النبي فولاه صدقات قومه وكلثوم بن عياض القشيري والي أفرقيا لهشام بن عبد الملك ومن اعيان القشيريين لخرسان ابو القاسم القشيري صاحب الرسالة المشهورة . ومن بني عقيل بن كعب : قبائل خفاجة بن عمرو الذين سكنوا العراق والجزيرة وأقاموا دولة في بادية العراق وبني عامر بن عقيل : بنو عامر بن عوف الذين سكنوا البصرة وملكوا البحرين ثم اليمامة في القرن السابع الهجري وبذلك ينتهي عرض قبائل القيسين المضر ، ويبقى القسم الآخر المعروف بخندف بن الياس بن مضر الذين انتسبوا الى أمهم خندف وهي من قبائل قضاعة التي يختلف الكتاب في وضعها بين القبائل القحطانية والقبائل العدنانية .
وبطون خندف ثلاثة هم ، مدركة وطابخة وقمعة ،
ومن قمعة اسلمة وخزاعة
ومن خزاعة بطون كثيرة منهم : بنو المصطلق بن سعد بن عمرو بن لحى ولي جدهم عمرو بن لحى ينسب الكتاب عبادة الأوثان فيقولون : أنه كان أول من غير دين اسماعيل ونشر عبادة الأصنام بين العرب وكانت منهم جماعة العباد بالحيرة . ومنهم عمران بن الحصين الصحابي وجويرية بن الحارث أم المؤمنين ، وكثير الشاعر صاحب عزة وهو عبد الرحمن اسود ودعبل وبنو الشيص الشاعران . ومن خزاعة سليمان بن صرد أمير التوابين المطالبين بثأر الحسين ، كما كان منهم محمد بن الأشعث القائد العباسي المشهور .
و المعروف أن خزاعة كانت من قبائل الحليفة لقريش ، و لكنها دخلت في عهد الرسول الحديبية . و كان نكث القريشيين لهذا العهد في السنة الثامنة للهجرة هو السبب في غزو النبي لقريش و فتح مكة .
و طابخة لها بطون كثيرة منها
حنية و الرباب و مزينة و تميم و فروع تميم الصغيرة مثل صوف و محارب و تميم (بن مر بن أد بن طابخة )من القبائل العظيمة ذات الفروع الكثيرة منهم :
بنو أسيد بن عمير و منهم الصحابي أبو هالة هند بن زرارة و كاتب الرسول حنظلة بن الربيع و الحليم المشهور أكثم بن صيفي بن رياح.
و بنو مالك بن عمير منهم :سلم بن أخوز صاحب شرطة نصر بن سيار و قاتل يحيى بن زيد بن علي زين العابدين و قطرى بن الفجاءة الخارجي الأزرقي .و منهم مالك بن الريب صاحب القصيدة المشهورة التي نعى بها نفسه بعث بها الى قومه أثناء وجوده في فتح خراسن على أيام عثمان بن عفان ، ومطلعها :
دعاني الهوى من أهل ودي ورفقتي بذي الشيطين فالتفت ورائيا
قولـون لا تبعـد وهـم يدفنوننـي وأين مكان البعد الا مكانيـا
وبنوا امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ، وكان منهم زيد بن عدي بن زيد صاحب ( وزير ) النعمان بن المنذر ملك الحيرة الأخير .
وبنو سعد بن زيد مناة بن تميم ، ومنهم :
بنو عطارد بن عوف الذي كان يجيز بأهل الموسم في الجاهلية ، بنو قريع بن عوف الملقب بأنف الناقة وهو الاسم الذي يغضب منه أبناءه الى أن مدحهم الحطيئة ، بقوله:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذئبا
ومن بني منقر بن عبيد كان قيس بن عاصم بن سنان الذي ولاه الرسول صدقات قومه ، وعمرو بن الأهتم الصحابي . ومن بني مجاشع بن دارم الاقرع كان الحتات بن يزيد بن علقمة الذي آخى الرسول بينه وبين معاوية بن ابي سفيان .
ومن بني الحارث الأعرج بن كعب كان زهرة بن جؤية الذي ظهر في موقعة القادسية وقتل قائد الفرس الذي يعرف ” بالجالينوس ” ، والذي قتله الخوارج من أصحاب شبيب الخارجي بعد ذلك .
ومن الخوارج الذين ظهروا من تميم ، عروة بن جرير بن عامر ، وهو من بني ربيعة بن مالك ، وكان أول خارجي قال مقالة الخوارج : ” لا حكم الا لله ” يوم صفين . ومن المعروف أن أباه كان نسبه الى أمه . ومن بني الحارث بن يربوع ظهر الزبير بن الساحور أمير الخوارج من الأزارقة ، هو وأخواه عثمان وعلي . ومن بني صريم بن مقاعس ظهر كل من عبد الله بن أباض رئيس الخوارج الاباضية واليه ينسب مذهبهم ، وعبد الله بن الصفار رئيس الصفرية واليه ينسب مذهب الصفرية .ومن بني رياح كان شيث بن ربعي بن حصين الذي أسلم ثم أنه سار مع الخوارج ثم رجع عنهم تائباً كذلك كانت سجاح المتنبئة بنت أويس من بني العنبرين يربوع التميميين ، كما كان منهم جرير الشاعر بن عطية بن الخطفي الذي قال في عصيانه على بني أمية :
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وخلفـي تميـم والقلاة اماميا
أما بنو مزينة ، وهم بنو مرأد بن طابخة ، فهم في الأصل أخوان ، هما:
عثمان وأوس وأمهما مزينة التي سمى بها جميع ولديهما ومنهم :
زهير بن أبي سلمى وهو الشاعر الجاهلي المعدود من الشعراء الستة ، وأبناه بجير وكعب الذي مدح الرسول . ومنهم معقل بن يسار الصحابي المشهور ، وسويد بن مقرّن بن عامر الذي استشهد يوم نهاوند .
والرباب : هم بنو عبد منة بن أدّ بن طانجة ومن بنيه :
تميم ، وعدي ، وعوف وثور . ولقد سموا بالرباب لأنهم غمسوا أيديهم في الرب عندما تحالفوا على بني حنبة .
واشتهرت قبيلة تميم بن عبد مناة بظهور الكثير من الخوارج بين أبنائها ومنهم : المستورد بن علقمة الخارجي الذي ظهر في الكوفة أيام كان على ولايتها المغيرة بن شعبة ، وقاتله معقل بن قيس الرياحي الشيعي ، وقتل كل منهما الآخر . وابن باخمة ورد بن مجالد بن علقمة الذي حضر مع عبد الرحمن بن ملجم في قتل علي وقتل وقطام بن شحمة بن عدي وهي التي تزوجها عبد الرحمن بن ملجم ومهرها قتل على حسبما ينسب اليه :
ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب على بالحسام المصمم
وكانت قطام قد اضمرت حقداً عظيماً لعلي بن ابي طالب الذي قتل أباها وعمها الأخضر يوم النهروان .
ومن بني عدي بن عبد مناة ، كان ذو الرمة الشاعر وهو غيلان بن عقبة بن بهس . اما بنو ثور فكان منهم الفقيه الشهير سفيان الثوري .
وبنو ضبة بن أد كان منهم :
ضرار بن عمرو بن ملك وهو سيد بني ضبة في الجاهلية وهي الرئاسة التي ظلت في بنيه وكانوا 18 ( ثمانية عشر ) ولدا ذكراً شهدوا معه يو القريتين . وابنه حصين بن ضرار كان مع السيدة عائشة في موقعة الجمل . ومن حفدته كان القاضي ابو شبرمة عبد الله بن شبرمة المعدود في قواد العباسيين والذي ولى مصر أيام المتوكل .
اما صوفة وهم بنو يغثة بن مرّ بن أد ، فكانوا يجيزون بالحاج في الموسم لا يجوز أحد حتى يجوزوا ثم انهم انقرضوا عن آخرهم في الجاهلية ، كما يسجل ابن خلدون ، فكانهم من العرب البائدة . وورث اجازة الحاج منهم آل صفوان بن شحمة من بني سعد بن زيد مناة بن تميم .
وبذلك ينتهي عرض بن طابخة بن الياس وياتي ذكر اخوتهم مدركة
ومدركة بن الياس بطون كثيرة اكبرها :
هذيل ، والقارة ، وأسد ، وكنانة ، وقريش .
وعرف من هذيل بطنان : سعد بن هذيل ، ولحيان بن هذيل
ومن سعد كان ابو بكر الشاعر والحطيئة ، والصحابي المشهور عبد الله بن مسعود والمؤرخ المعروف المسعودي صاحب مروج الذهب ( علي بن الحسين بن علي ) ، وعتبة بن عبيد الله بأعتبة فقيه المدينة .
ومع ظهور الاسلام انتشر بنو مدركة في الأقطار الاسلامية المختلفة ولم يبقى لهم حتى بنجد . ويشير ابن خلدون الى بعض بطونهم بافريقية .
بنو أسد ، ومنهم بنو أسد بن خزيمة بن مدركة وهو بطن كبير له فروع . ومنهم
بنو كاهل قاتل حجر بن عمرو الملك الكندي والد امرئ القيس الشاعر المعروف ، وبنو غنيم بن دودان بن أسد ، ومنهم عبيد الله بن جحش الذي أسلم ثم تنصر ، وأخته زينب أم المؤمنين . والصحابي المشهور عكاشة بن محصن بن حدثان .
ومن بني ثعلبة بن دودان بن أسد ، الشاعر الكميت وهو ابن زيد بن الأخنس وضرار بن الأزور الصحابي قاتل مالك بن ويره ، والحضرمي بن عامر وافدهم على النبي .
وبنو عمرو بن قعيد وكان منهم الطماح بن قيس بن طريف الذي سعى عند قيصري في هلاك امرئ القيس ومنهم طليحة بن خويلد بن نوفل الذي كان كاهناً واعى النبوة ثم عاد فاسلم وجاهد في حروب الشام .
القارة وعكل ( عجل ) :
وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة أخوة بني سعد ، وحلفاء بني زهرة من قريش ، ومن بطونهم :
كنانة ( ابن خزيمة بن مدركة بن الياس ) :
وفيهم بطون كثيرة أشرفها قريش ، ومنهم :
بنو عبد مناة بن كنانة ، وبنو مالك بن كنانة
ومن بطون عبد مناة : بنو بكر ، وبنو مرة ، وبنو الحارث ، وبنو عامر .
ومنهم البراض بن قيس بن رافع الفاتك ، قاتل عروة الرحال بن عتبة ، الأمر الذي أشعل حرب الفجار . ومن بني فراس بن مالك كان فارس العرب ربيعة بن المكدم . وكان بنو عامر بن ثعلبة بن الحارث نسأة المشهور في الجاهلية . وعندما ظهر الاسلام بينهم كان على رأسهم جنادة بن أمية بن عوف وكان يحمل لقب ” القلمس ” الذي كان لؤسائهم . ويقال أن أول من نسأ الشهور فيهم هو : سمير بن ثعلبة بن الحارث .
ومن بني الحارث كان الحليس بن علقمة الذي عقد حلف الأحابيش مع قريش ، وأخوه تيم هو الذي عقد حلف القارة معهم .
ومن بني مُدمج بن مرة كان ” سراقة بن مالك” الذي اتبع الرسول وهو في طريق الهجرة . وكان عامرة بن مخشي بن خويلد الذي وادع الرسول على قومه من بني ضمرة بن بكر .
وبنو عامر بن عبد مناة كان منهم بنو مساحق بن الافرم بن جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد ووداهم النبي وأنكر فعل خالد بهم . ومن بني ضمرة كان ابو ذر الغفاري الصحابي ( وهو جندب بن جنادة ) ، وكثير الشاعر الذي تشبب بعوة بنت جميل ، وكلثوم بن الحصين الذي استخلفه النبي على المدينة عندما قام بفتح مكة سنة 8هـ . وكان الأسود بن رزق بن يعمر ، من بني الديل بن بكر منهم ، هو السبب في فتح مكة .
أما الشاعر عروة بن أدينة فكان من بني بكر بينما كان أبو الطفيل عامر بن وائلة ( وهو من بني سعد بن ليث بن بكر ) آخر من بقي ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه مات في في سنة 107 هـ .
أما عن قريش وهي من كنانة أيضاً فسنفرد باباً خاصاً ، فيما بعد .
توزيع القبائل العدنانية في نجد والحجاز :
بعد التعريف بجماعات العرب من العدنانية نحاول توزيع هذه القبائل على بلاد العرب أو على مواطنها الولى في نجد والحجاز معتمدين في ذلك على ابن خلدون أيضاً . والحقيقة ، أن خريطة توزيع هذه القبائل لا بد وأن تكون نسبية تقريبية بسبب ظروف هذه القبائل الرحالة بطبيعتها ، فضلاً عن الظروف الأخرى التي تدعو الى هجرة الوطن من : الصراعات بين القبائل أو تقلبات الطبيعة . وهذا ما حدث بالنسبة لمعظم هذه القبائل التي بدأت بهجرة أوطانها مع ظهور الاسلام وانتقلت الى الأمصار في المشرق والمغرب حتى لم يبقى من أحيائها أية بقية في بلادها الأصلية ، وهذا ما يشير اليه ابن خلدون كثيراً . وبناء على ذلك فليس من الممكن تحديد وقت معين لهذا التوزيع على خريطة بلاد العرب ، فالمسألة تقريبية عامة على ما نظن ، وهي يمكن أن تكون صالحة لفترة قرنين أو ثلاثة فيما قبل الهجرة وبعدها .
وبشكل عام فالمفروض ان مواطن عدنان في نجد وباديتها لم تزاحم فيها قحطان فيما عدا قبيلة طيء اليمنية التي استقرت فيما بين جبلي سلمى وأجأ، اللذين عرفا باسم جبلي طيء (1). ولكن الحقيقة هي أننا نجد العدنانية قد تفرقوا ، منذ عصور قديمة لا يسهل تقديرها على وجه الدقة ، في كل أنحاء بلاد العرب فسكنوا في تهامة وفي الحجاز بل وفي العراق والجزيرة الفراتية . والمفروض ان أولئك الذين سكنوا العراق والجزيرة قد غيروا من طبيعة حياتهم البدوية فأصبحوا حضراً وبذلك يمكن أن يخرجوا من دائرة من دائرة ما كان يقصد بالعرب العدنانية من معنى البدواة والرحلة . الا اذا سمينا الحضر عرباً والبدو اعراباً وهو الأمر المعقول .
ففيما يتعلق بالكتلة الكبيرة من العدنانية ، وهم مضر وربيعة نجد أن أشهر مواطنهم ما بين الجزيرة الفراتية والعراق حيث كانوا قد استقروا منذ قرون عديدة قبل الاسلام ، وأعطوا اسمهم لتلك المواضع فصارت ديار ربيعة وديار مضر الى جانب ديار بكر .
ومن ربيعة سكنت قبيلة عنزة وهي من بني أسد في موضع عين التمر من برية العراق . أما عبد القيس وهم من جديلة ( من بني أسد أيضاً ) فموطنهم الأصلي كان تهامة ثم أنهم خرجوا الى البحرين ( وهي بلاد هجر ) فأصبحوا على بحر فارس ( الخليج العربي ) متصلين باليمامة من الشرق والبصرة من الشمال وعمان من الجنوب . وكان موطنهم هذا يمكنهم من غزو سواحل ايران المقابلة لهم على الشاطئ الآخر من الخليج وهذا ما فعلوه فعلاً . ولكن الروايات تقول أنه عندما بلغ سابور الثاني المعروف بذي الأكتاف ( أي القوى ) مبلغ الرجال فتك بهم فتكاً ذريعاً وأنه تتبعهم فغزا سواحلهم ودمر بلادهم ، ثم أنه أسكن بني تغلب في البحرين وكذلك عبد القيس وبعد تميم ، كما أقر بكر بن وائل بكرمان وبني حنظلة ببلاد الأهواز(1).
والحقيقة أن قبائل بكر بن وائل كانت قد سكنت منطقة هجر منذ ان كانت تابعة للأسرة ، وكان من الطبيعي أن يزاحمهم الوافدون الجدد من عبد القيس وان يقاسموهم مواطنهم . وكان هذا هو الحال عند ظهور الاسلام اذ أتت وفد بكر على النبي في السنة التاسعة للهجرة وكان يرأسه المنذر بن عائذ البكري وكان وفد عبد القيس فيه المنذر بن ساوى ( من تميم ) وكان نصرانياً فأسلم وصارت له صحبة ومكانة . وعند ردة العرب كان عبد القيس من بين من ارتدوا عن الاسلام في المنطقة ، وولوا على أنفسهم المنذر بن النعمان ( والنعمان كان آخر ملوك الحيرة ) ولكنهم أخضعوا بمعرفة ابي بكر بن العلاء الحضرمي .
اما بنو النمر بن قاسط فكانت بلادهم رأس العين من اقليم الابلة الذي كان والد الصحابي ابي صهيب بن سنان ( وهو منهم ) قد وليه بأمر كسرى.
وكانت بلاد قبائل تغلب بالجزيرة الفراتية بجهات سنجار ونصيبين وتعرف بديار ربيعة ، وكانت النصرانية غالبة عليهم لمجاورتهم للروم . ورغم عدم وجود تغلبيين في نجد والحجاز ، فقد كانوا بنو شعبة بالطائف على عهد ابن خلدون ينتسبون الى نسل شعبة بن المهلهل التغلبي . اما الحمدانيون بالموصل والجزيرة فكانوا من بني تغلب .
ولقد سكن بنو حنيفة ( وهم من بكر بن وائل ) بلاد اليمامة التي تعتبر من أوطان الحجاز ، مثلها في ذلك مثل نجران من اليمن . ومن اليمامة كانوا يتصلون شرقاً بالبحرين حيث بني تميم ، وغرباً باطراف اليمن والحجاز ، وجنوباً بنجران وشمالاً بأرض نجد . والمفروض أن بني حنيفة غلبوا قبائل همدان اليمنية عليها وكانوا قد سكنوها بعد طسم وجديس . ولما كانت البلاد كلها بلاد نخل وزرع على طول 20 ( عشرين ) مرحلة لم يكن من الغريب أن تكون بلاد حضارة منذ القدم ، وهذا ما يتضح فعلاً من بقايا آثار اليمامة القديمة . وهكذا كون بنو حنيفة مملكة في اليمامة كانت لها علاقاتها بالفرس وبامارة الحيرة اللخمية . وكان أول من لبس التاج من ملوكها هو : هوذة بن علي بن ثمامة بن الدول بن حنيفة ، الذي توجه كسرى ، هو وابن عمه عمرو بن عمرو بن عبد الله الذي قتل المنذر بن ماء السماء يوم أباغ – كما تقول الرواية – .
وكانت منازل بني عجل ( من بكر بن وائل ) في المنطقة ما بين اليمامة الى البصرة ، وكانوا قد بلغوا في تنظيمهم مبلغ الدولة او الامارة على حدود العراق حتى انهم ناجزوا الفرس ، فهم الذين أحرزوا على جيش كسرى الانتصار المدوى في يوم ذي قار ، كما سبق . ويسجل ابن خلدون انهم اندثروا وكان يخلفهم على أيامه في تلك البلاد بنو عامر المنتفق بن عقيل بن عامر .
وأما بنو عدوان بن عمرو ، وهم من القيسية ، فكانت منازلهم بالطائف ( من أرض نجد ) وكانوا قد غلبوا عليها قبيلة اياد ، فلما غلبتهم عليها ثقيف خرجوا الى تهامة .
وكانت منازل بني غطفان بنجد مما يلي وادي القرى وجبلي طيء ، وبها من المعالم أبنى ( ابنا ) ، والحاجر ، والهباءة ، وبرق الحنان ثم انهم تركوها ودخلوا الأمصار في الفتوحات الاسلامية ، فاستولت عليها قبائل طيء . وأشجع من بطون غطفان وكانوا عرب المدينة يثرب ، ولكنه لم يكن منهم بنجد على أيام ابن خلدون الا بقايا حوالي المدينة – وكان يوجد منهم بالمغرب الأقصى حتى عظيم في منطقة سجلماسة ، وهي تفللت الحالية . ومثل هذا يقال عن قبيلة عبس ولم يكن منهم أحد بنجد أيام ابن خلدون في القرن 8 هـ / 14م ، وهو يذكر أن بعض بني زغبة من الهلالية في المغرب ينسلون الى العبسية ، ولو أنه ليس متأكد من شخصية عبس الذي ينتسبون اليه . وكذلك الأمر بالنسبة لذبيان الذين لم يبق بنجد منهم أحد ، وكانت مواطنهم في أبرق الحنان وأبنا من وادي القرى ، فلما هاجروا مع قبائل سليم الى برقة وافريقية تركوها لجيرانهم من طيء فتوسعوا فيها .
وكان بنو زغبة ( من سليم ، من غطفان ) يسكنون بين مكة والمدينة قبل أن ينتقلوا الى مصر والمغرب . ومثل هذا يقال عن أصحابهم في الرحلة من بني هلال وكانت بطونهم كثيرة في نجد .
وكانت بلاد رواحة وفزارة من غطفان في أعالي ( عالية ) نجد بالغرب وخيبر ولقد أعطوا اسماءهم هناك لبعض المواضع مثل حرة بني سليم وحرة النار بين وادي القرى وتيماء ، ولكن لم تعد لهم بقية فقد ساروا الى المغرب مع بقية سليم .
وثقيف ( وهم هوازن ) كانت مساكنهم بالطائف وما حولها ، غير بعيد من مكة . والطائف تعتبر من أرض نجد نظراً لارتفاعها ، حتى قيل أن النسور تبيض في جبلها . وتعتبر سوق عكاظ من اعمال الطائف ، فكأنها كانت في منطقة نفوذ الثقفيين ولما كانت ثمود من العمالقة – كما يرى الكتاب العرب – قد سكنوا الطائف أثناء هجرتهم نحو الشمال ، كما سبق ، قيل أن الثقفيين من بقاياهم . ولا ندري أن كان ذلك قد اصطنعه الكتاب تعبيراً عما قام به الثقفيون من سياسة العنف في صدر الاسلام ، مثل : المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه ، والحجاج بن يوسف .
واما بنو ربيعة من الهلالية ، ومنهم عامر وكلاب وكعب ، فكانت بلادهم بأرض نجد الموالية لتهامة بالمدينة وأرض الشام ، ولم يبق بها منهم أحد بعد أن دخلوا الشام وتفرقوا في البلاد الاسلامية . وكان بنو كلاب منهم يسكنون حمى ضرية والربذة من جهات المدينة ، وكذلك فدك والعوالي . وحمى ضرية هي حمى كليب بن وائل ونباته النضر تسمن عليه الخيل والابل . أما حمى الربذة فهو الذي اخر – عثمان بن عفان عليه الصحابي المشهور أبا ذر الغفاري .
وانتقل بنو كلاب الى الشام ، فكان لهم شأن في الجزيرة الفراتية ، فملكوا حلب وكثيراً من مدن الشام بقيادة بنو صالح بن مرداس . ومثل هذا يقال عن اخوتهم من بني كعب الذين كانوا لهم شأن أيضاً في الجزيرة الفراتية وحلب ، في منتصف القرن الخامس الهجري / 11م ، بقيادة قريش بن بدران بن مقلد.
اما عقيل بن كعب ، ومنهم خفاجة بن عمرو بن عقيل ، فقد ساروا الى العراق والحجاز وكونوا لهم ببادية العراق دولة ، بينما سكن اخوانهم من بني عامر بن عقيل بجهات البصرة وملكوا البحرين كما ملكوا اليمامة في منتصف القرن السابع الهجري / 13 م .
وكانت مواطن خندق ، ومنهم خزاعة ، بأطراف ( أنحاء ) مكة في مرّ الظهران وما يليه ، وكانوا حلفاء لقريش عاهدهم الرسول عام الحديبية ، وكان عهدهم هذا من شروط الصلح مع قريش ، فلما نقضه القرشيون قام الرسول بفتح مكة .
وشغلت منازل قبائل تميم الأقاليم الشرقية من نجد فكانت دائرة من هناك على البصرة واليمامة وانتشرت الى العذيب من أرض الكوفة . ولكنهم في القرن الـ 8هـ / 14 م كانوا قد تفرقوا في البلاد ، فلم يبق منهم أحد في منازلهم الأولى التي ورثتها قبيلة غزية من طيء وكذلك قبائل خفاجة من بني عقيل بن كعب .
وكانت بلاد قبائل الرباب ( من بني عبد مناة ) جوار بني تميم بالدهناء ، ويمكن التعرف على بعض معالمها من أشعارها ، مثل : حزوي وعالج ، ولم يكن بها أحد منهم أيضاً عندما كان يكتب ابن خلدون .
أما هذيل ( ابن مدركة ) فكانت ديارهم بجبل السروات ، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف ، ولهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد وتهامة بين مكة والمدينة ، ومنها الرجيع وبئر معونة . وقد تفرقوا في الأمصار ، وكانت منهم قبيلة في أطراف باجة في القرن الثامن الهجري .
وكانت بلاد بني أسد ( بن خزيمة ) مما يلي الكرخ من أرض نجد في جوار قبائل طيء أي مما يلي وادي القرى . ويقال أن المنطقة كانت في اول المر لبني أسد ، فلما خرجت طيء من اليمن غلبوهم على جبلي أجا وسلمى ثم انهم اصطلحوا وتجاوروا لبني أسد والتغلبية وواقصة وغاضرة . ويمكن التعرف على بعض معالم بلادهم من الأشعار ، مثل : غاضرة والنعف . ولقد تفرقوا من الحجاز على الأقطار ، فلم يبق منهم أحد .
أما القارة وعجل ( من بني الهون بن خزيمة ) فكانت ديارهم بجهات مكة . وأشرف بطونهم بطبيعة الحال قريش ، قبيلة الرسول ومهد النبوة .
قبائل قريش
وقريش هم ” ولد النضر بن كنانة بن فهر بن مالك بن النضر ” . وأصل التسمية ( قريش ) غير واضح وإن كان الكتاب يميلون الى واحد من تفسيرات ثلاث : ان يكون قريش هو تصغير قرش ، ” وهو الحوت الكبير المفترس دواب البحر ” ، وهذا يتطلب ان يكون الذين اتخذوا الاسم قد عرفوا البحر او عاشوا على سواحله ، وهذا مقبول بالنسبة للقبائل العدنانية التي عاشت في سواحل تهامة ، وبالنسبة لأهل مكة والمدينة الذين كانت فرض أو موانئ ، على السواحل القريبة منهم من البحر الأحمر ، كما كانت لهم هناك بيوت عبادة . ” وسمك القرش المفترس ” معروف في البحر الحمر ، وتكون التسمية به قد جرت في نطاق التسمي بأسماء الحيوانات وخاصة المفترس منها أو ما يخاف شره ، وهو نوع من التقديس أو العبادة التي عرفتها الجماعات البدائية أو البدوية والذي يعرف ” بالطوطمية ” .
والرأي الثاني أن يكون اسم قريش مشتق من التقرش ، وهو التجارة . وهذا الأمر وان كان مقبولاً نظراً لاشتهار قريش بالتجارة عندما ظهر الاسلام الا أنه يفترض في هذه الحالة أن يكون ظهور الاسم في فترة متأخرة نسبياً ، بعد أن ارتفع شأن القبيلة في ميدان التجارة . وهذا لا يمنع أن يكون هذا التفسير قد اصطنع ليناسب الحال .
ومثل هذا يمكن أن يقال عن الرأي الثالث الذي يرى أن التقرش يعني التجمع ، والمقصود هو “تجمع القبائل القرشية ” داخل مكة واستقرارها في نوع من الحياة المدنية بعد ان كانت تحيا حياة بدوية في أطرافها أو ظواهرها وأصحاب هذا الرأي يرون أن الذي قُصدَ باسم قريش هو ” قصي ” الذي يعرف عند الكتاب باسم ” مجمع ” لأنه جمع القبائل من فهر . بينما يرى أصحاب الرأيين الأولين أن الذي تسمى بقريش هو ” فهر ” الذي تنسب اليه كل البطون القرشية أو ” النضر ” وهو جد القبيلة الأكبر ، والأولى باللقب .
قبائل فهر
وفهر الذي تنسب اليه القبائل القرشية له ثلاثة أولاد هم :
غالب ، والحارث ، ومحارب .
وبنو محارب ” من قريش الظواهر ” . ومنهم الخطاب ابن مرداس سيد الظواهر ( الضواحي ) في الجاهلية ، والذي كان ياخذ المرباع ( الضريبة ) منهم وحضر حروب الفجار . وابنه ضرار بن الخطاب كان من فرسان الصحابة المشهورين ، كما كان ابنه محمد من فرسان الاسلام وشعرائهم .
وكذلك كانوا بنو الحارث ” من فهر الظواهر ” ومنهم :
أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح من العشرة ( الموعودون بالجنة ) وأمير المسلمين بالشام ، وعقبة بن نافع بن عبد القيس فاتح افريقية وباني القيروان .
وكانوا بنو غالب بن فهر أيضاً بادية ” من أهل الظواهر ” ومنهم : بنو تيم الأدرم وكان منهم هلال بن عبد الله بن عبد مناة الذي قتل يوم الفتح وهو متعلق باستار الكعبة .
لؤي بن غالب :
ومن ولده كعب وعامر ، وبطون أخرى يختلف في نسبها الى لؤي ، مثل خزيمة وسامة وسعد وجسم وعوف . وهم من ” قريش الظواهر ” .
ومن بني عامر بن لؤي بنو شقير بن عامر ، وبنو معيص بن عامر . فمن معيص مكرز بن حفص بن الأحنف وكان من سادات قريش ، وهو الذي أجار أبا جندل بن سهيل فرده الرسول . ومنهم بسر بن أرطأة من قواد معاوية المشاهير .
ومن بني شقير ( وهو حسل ) كان عبد الله بن سعد بن ابي سرح فاتح افريقية أيام عثمان ، والذي كتب للرسول ثم رجع الى مكة ثم جاء تائباً وحسنت حاله . وعبد عمرو بن عبد شمس صاحب الحديبية ، وابنه العاص ابو جندل سهيل الذي جاء في قيوده يوم صلح الحديبية الى الرسول فرده الى قومه . وزمعة بن قيس بن عبد شمس وبنته أم المؤمنين سودة بنت زمعة . وكانت زوجة السكران عم أبي جندل وابن عمها .
كعب بن لؤي
وله من الولد : مرة وهصيص وعدي ، وهم من قريش البطاح أي بطائح مكة .
ومن هصيص بن كعب : عبد الله بن حدافة ، وهو من مهاجرة الحبشة ، وهو الذي بعثه النبي سفيراً بكتابه الى كسرى . والعاص بن وائل بن هشام وابناه عمرو وهشام ابنا العاص . وعبد الله بن الزبعري الذي كان يؤذي المسلمين بشعره ثم أسلم وحسن اسلامه . ومنهم حذافة بن قيس أبو خنيس الذي كان متزوجاً بحفصة أم المؤمنين قبل الرسول .
عدي بن كعب :
ومن عدي كان زيد بن عمرو بن نفل بن عبد العزى الذي كان يرفض الأوثان في الجاهلية ويلزم الحنفية ملة ابراهيم الى أن قتله لخم أو جذام بقرية من قرى البلقاء . وابنه سعيد بن زيد احد العشرة المشهود لهم بالجنة . ومنهم عمر بن الخطاب وأبناؤه ، وخارجة بن حذافة الذي قتله الحروري (الخارجي) بمصر يظنه عمرو بن العاص والذي قال : ” أردت عمرا وأراد الله خارجه ” فصارت مثلاً :
مرة بن كعب :
وله من الولد : كلاب ، وتيم ، ويقظة .
ومن تيم بن مرة كان عبد الله بن جدعان سيد قريش في الجاهلية ، واليه تنسب الدار المشهورة يومئذ بمكة . ومنهم أبو بكر الصديق ، وطلحة بن عبد الله صاحب الزبير يوم الجمل وابنه محمد السجاد .
ومن بني يقظة كان بنو مخزوم ، ومنهم الأرقم بن الأرقم الصحابي البدري الذي كان يجتمع النبي والمسلمون بداره قبل أن يعلن الاسلام بمكة ، وابو جهل ( عمرو ) بن هشام بن المغيرة وابنه عكرمة الصحابي ، والحارث بن هشام بن المغيرة الذي أسلم وحسن اسلامه ، وأبو أمية بن حذيفة بن المغيرة الذي قتل في صفوف المكيين يوم بدر ، وابنته أم سلمة أم المؤمنين ، ومنهم ابو سلمة عبد الله بن الأسد الذي كان زوج أم سلمة قبل الرسول ، وهو من قدماء المهاجرين . ومنهم هشام بن أبي حذيفة من مهاجرة الحبشة ، والوليد بن المغيرة الذي لم يدخل في الاسلام ، وابنه خالد بن الوليد – سيف الله المسلول .
ومن كلاب بن مرة كان بنو قصي بن كلاب وبنو زهرة بن كلاب .
فمن بني زهرة آمنة بنت وهب أم النبي ، وسعد بن أبي وقاص ، والمور بن مخرمة بن نوفل بن وهب ، وهو صحابي وأبوه من المؤلفة قلوبهم .
قصي بن كلاب :
وقصي الذي ينتسب اليه النبي ، هو الذي جمع امر قريش ورفع شانهم كان له من الولد ثلاثة : عبد مناف ، وعبد الدار ، وعبد العزى .
فمن بني عبد الدار : النضر بن الحارث الذي أسر يوم بدر وقتل وكان من المناهضين للمسلمين ومصعب بن عمرو الصحابي البدري الذي استشهد يوم احد وكان صاحب اللواء . وعثمان بن طلحة بن عبد العزى الذي دفع مفتاح الكعبة الى النبي يوم الفتح . ولو أنه يقال أنه دفعه الى أخيه شيبة ومنذ هذا الوقت صارت حجابة البيت الى بني شيبة بن طلحة .
أما بنو عبد العزى فمنهم :
أبو البختري العاص بن هشام الذي كان يريد التملك على قريش من قبل قيصر فمنعوه ، فرجع الى الشام حيث سعى في سجن من كان بها من قريش وكان في جملتهم سعيد بن العاص فدست قريش الى عمرو بن جفنة الغساني الذي تخلص منه غدراً بالسم . وهبار بن الأسود بن المطلب الذي كان يهجو الرسول ، وابنه عوف الذي أسلم ومدح النبي وحسن اسلامه . ومنهم خديجة أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد ، والزبير بن العوام بن خويلد وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة . وكذلك حكيم بن خويلد الذي آلت اليه دار الندوة بمكة ، واشتراها منه معاوية بمائة ألف درهم ليدخلها في الحرم المكي .
عبد مناف بن قصي :
وهو صاحب الشوكة في قريش وسنام الشرف ، كما يقول ابن خلدون ، وهو في عمود النسب الشريف . وكان لعبد مناف أربعة من الأبناء هم :
عبد شمس ، وهاشم ، والمطلب ، ونوفل .
وكانت الرياسة في بني عبد مناف لبني هاشم وبني شمس اذ كانت بقية القبائل أحلافاً لهم . فبنو المطلب أحلاف بني هاشم ، وبنو نوفل أحلاف لبني عبد شمس .
وبنو عبد شمس منهم بنو أمية الأصغر ( العبلات ) وبنته الثريا كانت سيدة القريض المغنى . ومن بني ربيعة بن عبد شمس كان عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، ومن عتبة ابنه الوليد الذي قتل في صفوف المكيين يوم بدر ، وهو أخو هند بنت ربيعة وهي أم معاوية . ومن بني عبد العزى بن عبد شمس كان أبو العاص بن الربيع صهر النبي ، وكان بين الأسرى في بدر .
بنو أمية الأكبر بن عبد شمس :
ومنهم سعيد بن العاص بن سعيد ، وعثمان بن عفان امير المؤمنين ، ومروان بن الحكم ن ومعاوية بن أبي سفيان وأخته أم حبيبة أم المؤمنين . وعتاب بن سيد بن أبي العاص الذي ولاه الرسول مكة بعد فتحها فلم يزل عليها الى ان مات .
ومنهم بنو نوفل بن عبد مناف . ومن مشاهيرهم .
جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل الصحابي المشهور ، وطعيمة بن عدي الذي قتل في صفوف المكيين ، ومولاه وحش هو الذي قتل حمزة عم الرسول يوم أحد .
ومن بني المطلب بن عبد مناف كان قيس بن مخرمة الصحابي وابنه عبد الله بن قيس كان مولى يسار جد محمد بن اسحق صاحب السيرة والمغازي . ومسطح وهو عوف بن أثاثة بن عباد الذي كان بين من تكلموا بالافك ، وهو ابن خالة ابي بكر الصديق . وركانة بن عبد يزيد بن هشام الذي كان من أشد الرجال ، والذي صارعه الرسول فصرعه . اما السائب بن عبد يزيد منهم فكان يشبه الرسول ومن عقبه الامام محمد بن ادريس الشافعي .
بنو هاشم بن عبد مناف :
ولم يذكر من عقب هاشم الا عقب المطلب ابنه عبد المطلب الذي كان له عشرة من البنين هم :
حمزة ، والعباس ، وابو طالب ، والزبير ، والمقوم ، وضرار ، حجل . واخيراً أصغر ابنائه وهو عبد الله ابو النبي عليه السلام ، ولذلك يطلق على الهاشميين اسم ” آل البيت ” اختصارا لآل بيت رسول الله . وأشهرهم بطبيعة الحال هم العباسيون والعلويون ( أو الطالبيون ) .
وبهذا ينتهي عرض أهم القبائل العدنانية في نجد والحجاز وبالوصول الى قبيلة قريش والهاشميين نكون قد وصلنا الى عتبات البعثة المحمدية والدعوة الاسلامية في مهدها في مكة وهو المدخل الأخير لظهور الاسلام .
القرشيون في مكة
مكة قبل ظهور الاسلام
كانت مكة قبيل ظهور الاسلام أشبه ما تكون ” بعاصمة الحجاز ” رغم وقوعها في واد قاحل ، ” غير ذي زرع ” وتحيط بها الجبال . وتقطع هذه الجبال اودية مستعرضة فتكون منها قمما غريبة الشكل ” اذا أراد الناظر النظر الى قلة أحدها فتل عنقه حتى يراها بشدة ” ، كما يقول ياقوت . وهي في الصيف حارة قاتلة ، وفي الشتاء تنزل بها السيول التي تغمر الأجزاء السفلى منها ( المسفلة ) ، وكثيراً ما كانت هذه السيول تفاجئ الناس فتجرفهم في طريقها . وتذكر الروايات أن أحد هذه السيول جرف قبيلة جرهم ، التي كانت تسكن مكة قديما ، فكان سيل العرم ، كما تحفظ ذكريات ذلك السيل الذي خرب منطقة الجحفة ، إذ ذلك الذي أغرق الكعبة في القديم . وما زالت الكعبة المكرمة تتعرض للسيول المفاجئة حتى أيامنا هذه .
شهرة مكة وبئر زمزم
والمهم هو أن مياه هذه السيول هي سبب الحياة في مكة اذ تميز الآبار بالمياه العذبة التي تجعلها اكثر صلاحية للشرب . وبناء على ذلك يمكن القول أن السبب في شهرة مكة قديماً هو بئر زمزم ، الذي تقول الروايات – ولها الحق في ذلك – انه نبع بطريقة اعجازية ببركة اسماعيل بن ابراهيم الخليل ابي العدنانية عليهما السلام .
مكة قبل القرشيين :
سكان مكة من العمالقة والجرهميين
يرى الكتاب العرب أن مكة في القديم كانت موطناً للعرب العاربة من العمالقة ، مثلها في ذلك مثل بقية الحجاز وبلاد العرب ، وأن الذين استقروا فيها كانوا من قبائل جرهم التي خرجت من اليمن اثر ما حل بها من القحط . والذي يفهم من الروايات أن المنطقة كانت عامرة فكان بها عمالقة أو جرهميين أقدم من الجرهميين الوافدين يعرفون ” بقطورا ” ورئيسهم هو السميدع بن هوثر بن لاوي بن قطورا (1). ولما كان ذلك من المفروض أن يكون قبل الألف الثانية من تاريخ قبل الميلاد ، أي قبل اسماعيل وابراهيم .
رأي المؤرخين في اسم مكة
رأى البعض أن اسم ” مكة ” أو ” مكا ” بابلي يعني ” البيت ” نسبة الى البيت الحرام ، وأن عرب العراق القدماء من العمالقة هم أصحاب هذه التسمية (2) . اما اليونان فانهم ذكروا – في بداية التاريخ المسيحي – بيتا يقدسه العرب سموه مكورابا ( Macoraba ) يرون أن المقصود به مكة – ولا بأس في ذلك ، وان كنا نتساءل عما اذا كانت هناك علاقة بين الاسم اليوناني وبين الاسماء اليمنية القديمة ، من المقرب او المقربة .
قبائل جرهم تفد على مكة وتجمع الضريبة من كل من دخل احياء مكة
والمهم أن قبائل جرهم أخذت تفد على مكة من اليمن وأصبح الحيان الرئيسيان من المدينة وهما المعلاة ( ويقصد بها الأماكن المرتفعة عند سفح جبل قعيقعان ) والمسفلة أو الأبطح ( ويقصد بها المواضع المنخفضة من المدينة ) تسكنها جرهم . وكان الوافدون الجدد وعلى رأسهم ” المضاض بن عمرو ” في المعلاة يفرضون الأتاوة ( يعشرون ) على من دخل مكة من حيهم ، وآل السميدع يجمعون الضريبة ممن يمر بحيهم بالمسفلة .
الحرب بين جرهم الأولى وجرهم الثانية
والذي يفهم من الروايات أن هذا التعايش السلمي لم يدم طويلاً اذ قامت الحرب بين الجماعتين ، وانتهت بانتصار آل المضاض بن عمرو ومقتل السميدع ، بمعنى هلاك جرهم الأولى في مكة . والى هذه الحروب بين جرهم تنسب تسمية أشهر جبلين في مكة وهما : قعيقعان واجياد ، الأول نسبة الى قعقعة السلاح والثاني نسبة الى الجود بالدم في هذه الحرب .
جرهم تعثر على اسماعيل وأمه هاجر عند بئر زمزم
وتقول الرواية أن جرهما كانت قد عثرت على اسماعيل مع امه هاجر عند بئر زمزم ، وانه نشأ بينهم وتكلم بلغتهم ثم أنه تزوج منهم ثلاث نساء كانت ثالثتهم بنت الحارث بن مضاض سيد جرهم ، التي انجبت له ” اثنى عشر ” ولداً ، فيما تقل أهل التوراة . ويختلف الكتاب العرب في كتابة أسماء هؤلاء الأبناء – ولهم الحق في ذلك – فهي أسماء غير عربية ، كما تختلف في معناها . فـ ” تيما ” منهم تتراوح كتابته ما بين ” طيما ” و” ضيما ” ، ومعنى ” قيذار ” ، وهو أكبرهم ، يتراوح ما بين صاحب الابل وهو الأمر المقبول ، وما بين “الملك “(1) .
البيت الحرام مكان مقدس منذ القدم وبناء ابراهيم عليه السلام للكعبة
ورغم ما تقوله كثير من الروايات العربية من أن البيت الحرام كان مقدساً منذ أن بناه آدم ، فكان الأنبياء يحجون اليه من : نوح وهود ، وكذلك قدامى الملوك من : قحطان ويعرب وسبأ ، فهي توافق على أن الذي بنى الكعبة هو ابراهيم الخليل عندما جاء لزيارة اسماعيل ، وانه صيرها خلوة لعبادته وجعلها حجاً للناس ، ثم عاد الى الشام حيث مات .
ولاية البيت وهجرة الأزد الكبرى وغلبة خزاعة على البيت
والمفروض أن المستعربة من آل إسماعيل استقروا جنباً الى جنب مع أخوالهم العاربة من جرهم . فبعد أن كانت ولاية البيت لأبناء إسماعيل ، الذي بعث إلى العماليق وجرهم وأهل اليمن ، صارت قسمة بينهم وبين أخوالهم الجرهميين ثم أن الجرهميين دب بينهم الفساد في الوقت الذي كانت تزحف فيه اليمينة من الأزد نحو الشمال ، بعد خراب بلادهم اثر انهيار السدود ، وذلك بالهجرة الكبرى التي قادها ” عمرو بن عامر مزيقيا ” وأبناؤه ثعلبة والتي وصلت بهم الى الشام حيث كونوا دولة بني جفة الغساسنة . وتوقفت خزاعة من المهاجرين في مكة وقامت الحرب بينهم وبين جرهم ، وانتهت بالقضاء على هؤلاء الأخيرين وتشريدهم وغلبة خزاعة على البيت ، وكان رئيسهم حينئذ هو ” عمرو بن لحي ” ، ولحي هو حفيد عمرو مزيقيا.
خروج عمرو بن مضاض مع جرهم نحو اليمن
وخرج “عمرو بن مضاض ” بمن تبقى من جرهم نحو اليمن ، بعد أن دفنوا أموال الكعبة في بئر زمزم ، وأسفوا على مفارقتهم لموطنهم ، فقال شاعرهم :
كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا أنيس ولم يسمـر بمكة سامـر
بلـى نحـن كنـا أهلهـا فأزالنـا صروف الليالي والجدود العواثر
وكنـا ولاة البيـت من بعد نابـت نطوف فما تحظـى لدينا المكاثر
عمرو بن لحي زعيم خزاعة ينشر عبادة الوثان
أما ” عمرو بن لحي ” رئيس خزاعة فتنسب الروايات إليه تبديل ديانة إسماعيل ونشر عبادة الأوثان ، التي أحضرها من الشام بعد رحلة كان قد قام بها للاستشفاء هناك .
وفي ذلك يروى في الحديث : ” رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ” يعني أحشاءه ، لأنه الذي بحر البحيرة ، وسيب السائبة ، وحمى الحامي ، وغير دين اسماعيل ، ودعا الى عبادة الأوثان . مما يعني أن عمرو بن لحي هو الذي نظم امور العبادة في الكعبة التي صارت بيتاً للأصنام .
المضريون في مكة :
والظاهر أن مضراً كانت قد بدأت تقترب من مكة اذ تقول بعض الروايات أن كنانة ساعدت خزاعة في التغلب على جرهم ، وأن بني بكر بن عبد مناة شاركوا خزاعة في ولاية البيت فكانت لهم من ذلك ثلاثة أشياء :
- الإجازه بالناس يوم عرفة ( لبني الغوث بن مرة ).
- الإفاضة بالناس غداة النحر من جمع الى منى ( لبني زيد بن عدي ) ، وانتهى ذلك الى أبي سيار منهم ، الذي ظل يدفع بالناس طوال 40 (أربعين ) سنة ، على حمار .
- نسئ الشهور الحرام ، وكان لبني مالك بن كنانة ، وانتهى الى رئيسهم الذي كان يلقب بالقلمس . وكان عند صدور الناس من مكة ، يقول ” اللهم أني أحللت أحد الصفرين ، ونسأت الآخر للعام المقبل ” .
وفي ذلك قال ” عمرو بن قيس ” وهو من بني فراس :
ونحن الناسئون على معد شهور الحل نجعلها حراما
والظاهر أن ” الخزاعيين من بني حبشية ” عادوا واستقلوا بولاية البيت دون بني بكر بن عبد مناة . وتجمع الروايات فعلاً على أن آخر من كانت له ولاية البيت هو ” عمرو بن الحارث ” المعروف بغبشان الخزاعي ، وأنه الذي باعها لقصي بن كلاب .
في هذا الوقت كان ” القرشيون وأقاربهم من الكنانيين والمضريين ” يقيمون حول مكة وهم بدو أو أشبه بالبدو يكرون جمالهم لمن يريد من أصحاب المتاجر . وصارت قريش مع مرور الوقت تنقسم الى جماعتين : احداهما قريش البطاح ، وهم ولد قصي بن كلاب ومن معهم من بني كعب بن لؤي ، والأخرى قريش الظواهر وتشمل من سواهم من القبائل . وقريش البطاح هم اذين سكنوا أودية مكة وشعابها ، أما قريش الظواهر فهم الذين كانوا خارج مكة على أقل من مرحلة ، أما من كانوا على أكثر من ذلك فسموا قريش الضواحي . وكان ” أهل الظواهر والضواحي ” بادية لأهل البطاح أي منتجعاً لإبلهم ، إذ كان أهل الضواحي أحياء بادية وظعوناً ناجعة من بطون قيس وخندف التي سبق ذكرها ، كما صارت كنانة أيضاً بادية لقريش .
وهكذا تقدمت قريش على ” كنانة ثم على مضر ” كلها ، وكان التقدم فيها لبني ” لؤي بن غالب فهر ” ، وكان سيدهم هو قصي بن كلاب .
قصي بن كلاب وتحضير قريش وتمدين مكة
كان قصي رضيعاً عندما توفي والده وتربى في بلاد ” بنو عذرة ” في كنف زوج امه ربيعة بن حرام بن عذرة . ولما شب قصي وعرف نسبه عاد الى مكة ، حيث كان يلي أمر البيت ” خليل بن حبشية بن سلوك الخزامي ” الذي توسم النبوغ فيه ، فأصهر اليه وزوجه من إبنته حبى . وأنجب قصي أربعة أبناء هم :
عبد الدار ، وعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد قصي
ولما كثر ولده وزاد ماله رأى أنه أولى بولاية البيت وبالهيمنة على كل مكة دون خزاعة وبني بكر ، وذلك لشرفه ولصلة النسب مع ابن حبشية . وكان من الطبيعي
ولما كثر ولده وزاد ماله رأى انه أولى بولاية البيت وبالهيمنة على كل مكة دون غزاعة وبني بكر ، وذلك لشرفه ولصلة النسب مع ابن حبشية . وكان من الطبيعي ألا ترضى خزاعة عن ذلك ، وان يكون الفصل في الأمر الى السيف . وهناك رأى قصي أن يستنفر رجال قريش فأجابوه ، كما طلب المعونة من اخيه لأمه رزاح واخواله العذريين فجاؤه مع خلفائهم من قضاعة وهم مجمعون على نصرته .
وهاجمت الحرب بين قصي وخصومه من الخزاعيين ، ولما فشى القتل بينهم دون الوصول الى نتيجة حاسمة رأوا حقن الدماء واللجوء الى تحكيم بعض أشراف العرب – كما كانت العادة – ليقضي بينهم . وكان الحكم الذي وافقوا عليه هو ” يعمر ابن عوف بن كعب الكناني ” الذي قضى لقصي ضد منافسيه . وهكذا آلت ولاية البيت الى قصي بن كلاب الذي استقر في مكة وجمع شتات قريش من منازلهم في الظواهر والضواحي من بين كنانة وانزلهم في مكة وفي شعابها . وبذلك استقرت بطون قريش في منازلهم التي صبحهم بها الاسلام . ولهذا السبب سمى قصي ” مجمعاً ” وهذا ما دعا بعض الكتاب الى القول أن التقريش يعني التجميع وأن أول من سمي بقريش هو قصي . وفي قصي قال الشاعر :
قصي لعمري كان يدعى مجمعاً وبه جمع الله القبائل من فهر
أعمال قصي ومآثره
والى جانب ترتيب القبائل في أحيائها الجديدة بدأ قصي ينظم إدارة المدينة المقدسة فبنى دارا لإجتماع رؤساء القبائل يتشاورون فيها في مصالح المدينة المختلفة ، هي التي عرفت باسم ” دار الندوة ” . وكان بناؤها بجوار الكعبة وجعل بابها في مقابل المسجد الحرام . وهكذا تميزت قريش بدار الندوة التي صارت ” مجتمع الملاء من قريش في مشاوراتهم ومعاقدهم ” أو مجلساً للشيوخ ” بلغة العصر .
وفيما يتعلق بأمور الدين وحجابة البيت تصدى قصي لاطعام الحاج وسقايته لأنهم ضيوف الله وزوار بيته . ولما كانت كل هذه الأمور تتطلب الأموال للنفقة عليها ، قرر قصي اتخاذ اجراءات منالية ما كانت العرب ترضى بها من قبل ، ففرض على قريش خراجا ( ضريبة مالية ) يؤدونه اليه ، فقبلوا ذلك عن طيب خاطر .
وبذلك تأكد سلطان قصي في مكة ، التي اخذت شكل الامارة المنظمة ، وصارت اليه ولاية البيت : الحجابة والسقاية والرفادة ، الى جانب رئاسة اجتماعات دار الندوة ، وفوق ذلك كانت له قيادة الجيوش وهو ” لواء الحرب ” . وهكذا أصبح قصي هو الباني الحقيقي لمكة والمؤسس لنظمها ، وذلك في مطلع القرن الخامس الميلادي على وجه التقريب ، وحق للكتاب أن يقولوا انه كان أول من اصاب ملكاً أطاع له به قومه من بني لؤي بن غالب ، كما حق لهم أن يقولوا : ” وكان امره في قومه كالدين المتبع ” (1). فلم يكن من الغريب أن يرث أبناءه شرف الرئاسة على قريش في مكة . وبدأ ذلك على أيام قصي نفسه بعد أن طعن في السن فعهد بما كان له من الحجابة والرفادة والندوة لإبنه الأكبر عبد الدار .
وقوع الشقاق والصراع بين القرشيين بعد وفاته
ولكنه ما إن توفى قصي حتى بدأ الصراع بين القرشيين الذين انقسموا – مع مرور الوقت – على أنفسهم تبعاً لما قام من المنافسة بين بني عبد الدار أصحاب السلطة وبين بني عبد مناف الذين كانوا قد شرفوا وعلا شلانهم ، عن طريق التجارة والثراء ، على ما يظن ، وبدأوا يطالبون بنصيبهم في ادارة شئون المدينة التجارية المقدسة .
وانقسمت قريش التي كانت قد تفرعت الى 12 ( اثني عشر ) بطناً على الوجه التالي :
- ” بنو عبد مناف ” وعلى رأسهم ( الابن الأكبر لعبد مناف وأسن ولد قصي ) ، ومعهم : بنو أسد ( بن عبد العزى ) ، وبنو زهرة ( أخو قصي الأكبر– ابن كلاب) وبنو تيم( بن مرة)،ثم بنو الحارث( بن فهر) .
- ” بنو عبد الدار ” أصحاب السلطة المستضعفين ، ومعهم : بنو عدي ( بن كعب ) ، وبنو سهم ( بن عمرو بن هصيص ) ، بنو جمح ( بن عمرو بن هصيص ) ، ثم بنو مخزوم ) بن يقظة بن مرة ) .
- أما ” بنو عامر ” ( بن لؤي ) ، وبنو المحارب ( بن فهر ) فإنهم اعتزلوا الفريقين .
واخذ الحلفاء من كل من الجانبين يؤكدون حلفهم حسب العادات المتعارف عليها بين العرب وقتئذ . فأحضر ” بنو عبد مناف ” جفنة مملوءة طيبا جعلوا حلفاءهم يغمسون ايديهم فيها ويحلفون عند الكعبة تأكيداً للتحالف فسمي لذلك ” حلف المطيبين ” .
وبذلك بدأ الاستعداد للقتال وسويت القبائل بعضها ازاء بعض : فعبت بنو عبد الدار لبني أسد ، وبنو جمح لبني زهرة ، وبنو مخزوم لبني تيم ، وبنو عدي لبني الحارث ” . ولكنه قبل أن تبدأ الحرب بين الأشقاء نجحت مساعي الساعين في الصلح الى تسوية رضي عنها الفريقان . وقضى الاتفاق بأن يسلم بنو عبد الدار بعض ما كان يخصهم من أعمال الشرف والسيادة ، من : السقاية والرفادة الى عبد مناف ، وان يختصوا هم بالحجابة واللواء .
وأخذ بني عبد مناف ” سقاية الحاج واطعامه ” يدل على أنهم كانوا أغنياء ومياسير بفضل عملهم في التجارة ما بين اليمن والشام . وفي ذلك يقول الطبري أن الذي قام بأمر بني عبد مناف هو هاشم الأخ الثاني لعبد شمس ( وجد الرسول ) ليساره وقراره بمكة وتقلب أخيه عبد شمس في التجارة الى الشام ، فأحسن هاشم ما شاء في إطعام الحاج واكرام وفدهم . وفي ذلك يقال أنه أول من أطعم الثريد ، ولذلك لقب بهاشم لأنه كان يهشم الخبز للثريد . ولكن وفاة هاشم أثناء بعض رحلاته الى الشام يعني أنه كان هو الآخر يتقلب في التجارة والا لما أمكنه جمع المال اللازم للانفاق على سقي الماء للحجاج وكان في بعض الأحيان “يحلي بالسكر أو بالتمر “.
رئاسة عبد المطلب
نشأته وتربيته
وكان هاشم أثناء رحلاته التجارية الى الشام يمر بالمدينة ، وكانت له بأهلها علاقات قوية انتهت بالمصاهرة ، فقد تزوج من بعض نساء يثرب من بني عدي ، أنجبت له ابنه عبد المطلب الذي كان اسمه في أول الأمر شيبة . وتربى شيبة في كنف أخيه الأكبر المطلب حتى نسب اليه فأصبح عبد المطلب . وعندما مات المطلب في بعض رحلاته التجارية في اليمن آلت سيادة بني هاشم الى عبد المطلب ، فكانت له الرفادة والسقاية للحاج الى جانب نشاطه التجاري ، الذي أصبح صناعة القرشيين ، وفي ذلك تقول الروايات انه كانت له ” وفادة على ملوك اليمن من حمير والحبشة ” .
أعماله العمرانية
ومن الأعمال الهامة التي قام بها عبد المطلب هو حفره لبئر زمزم ، والمفهوم أنه طهرها بعد أن كانت قد انطمرت . ولا ندري لماذا وقفت قريش أمام مثل هذا العمل المفيد ، كما تقول الرواية ، وهو من المرافق العامة ، وربما أنهم خافوا ان يفيض ماؤها ، كما كان يحدث في بعض السنوات . أو انهم كانوا يحرصون على عدم المساس بها ، لما كان لها من المكانة العظيمة في نفوسهم .
وبعد أن حفرت زمزم جعل لها عبد المطلب حوضاً لتسهيل سقاية الحاج . وهذا ، كما اتبع حفر البئر تذهيب حلية الكعبة ، واتخاذ باب حديد لها ، للمحافظة على هذه الذخائر ، وهو ما يقتضيه الحال .
وبمناسبة حفر زمزم تقول الرواية ان عبد المطلب ، الذي عزّ عليه معارضة من عارضه في القرشيين ، ” نذر لئن ولد له عشرة من الولد ثم يبلغوا معه حتى يمنعوه ، لينحرن أحدهم قرباناً لله عند الكعبة ” (1)
وبصرف النظر عن القدر الذي تحتمله هذه الرواية من الصحة ، فالمهم أنها تعرفنا ببعض العادات والتقاليد التي كانت متداولة بين العرب مما يتعلق بالمعتقدات الدينية والتنظيمات الاجتماعية .
نذره
فعندما كبر أبناء عبد المطلب العشرة قرر الوفاء بالنذر ، فأتى بهم الى الكعبة وضرب عليهم القداح أمام ” هبل ” الصنم الأعظم الذي كان في جوف الكعبة على البئر التي كانوا ينحرون فيها هدايا الكعبة . وكانت النتيجة خروج القداح على عبد الله والد النبي . ولما كان عبد الله هو أصغر أبناء عبد المطلب فلا بأس من أن تكون عادة التضحية بالإبن الأصغر ، وأغلب الظن أن يكون ذلك هو طفل رضيع – إذا كان صحيحاً . ورفضت قريش أن ينفذ عبد المطلب نذره الخطير ، وانتهت المشاورات في الأمر بسؤال العرافة التي كانت بالمدينة يثرب . وسار الوفد المكلف بذلك الى يثرب ووجد العرافة في مهمة في خيبر – مما يحتمل معه أن تكون هذه العرافة من اليهود – فذهبوا اليها هناك . وكان الحل الذي رأته العرافة هو الفدية بأن يقرب ” الذبيح ” وعشرة من الابل من الاله وتضرب عليهم القداح ، وتستمر زيادة عشراً في كل مرة الى أن تخرج القداح عليها فتنحر ، وقد رضي الاله . وبلغت الفدية في عملية الرهان المثيرة الى ” مائة من الابل “.
أعماله السياسية
أما أهم أعمال عبد المطلب السياسية فهو نجاحه في حماية مكة من الهجوم الذي قامت به القوات الحبشية في اليمن بأمر أبرهة ، وذلك في وقعة يوم الفيل المشهورة ، قبيل مولد النبي . ولقد انتهت الحملة بتشتت جيش ابرهة في وباء الحصبة أو الجدري الذي ألم به ، والذي ربما صاحبته ما نزل عليهم من السماء من سيول الماء ومن حجارة المكيين الذين كانوا قد خرجوا الى الجبال للتحرز فيها بامر عبد المطلب(1)
وعندما كبر عبد الله أصغر أبناءه زوجه عبد المطلب بآمنة بنت وهب ابن عبد مناف ، فحملت بالرسول . وهكذا أقام عبد المطلب ( الذي عاش أكثر من مائة عام ) في رياسة قريش بمكة ، كما يقول الطبري ، والكون يصغي لملك العرب والعالم يتمحص بفصال النبوة الى أن وضح نور الله من أُفقهم وسرى خبر السماء الى بيوتهم ……. وصارت العزة لمضر ولسائر العرب بهم .
أحوال العدنانية قبيل ظهور الاسلام
حياة البادية
مقارنة بين حياة عرب الشمال وعرب الجنوب
على عكس الحياة الحضرية السهلة التي عاشها عرب اليمن حيث عاش الأزد الذين هاجروا الى الشمال واستقرت جماعات منهم في الحجاز وهم في طريقهم الى الشام ، وحيث كانت لهم تمد السد من الجنات ملا يحاط به ، كما يقول وهب بن منبه ، حتى كانت المرأة تمشي من بيتها وعلى رأسها مكتل فلا تصل الى بيت جارتها الا وهي تملؤه من كل فاكهة ، من غير أن تمس منها شيئاً ، كانت حياة عرب الشمال في بواديهم صعبة قاسية .
بدو رحل
فهم بدو رحل يعيشون على ” تربية قطعان الأغنام والماعز والجمال ” . ورعاة البل وخاصة ما يعرف منها بالمهارى ، مثل مضر ، كانوا أشد وأقوى من رعاة الغنم مثل أنمار – كما سبقت الاشارة . وفي رعاة الابل يقول ابن خلدون : ” وأما من كان معاشهم في الابل فهم أكثر ظعناً وأبعد في القفر مجالا ، لأن مسارح التلول ونباتها وشجرها لا يستغني بها الابل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر ، وورود مياهه الملحة … فاضروا الى ابعاد النجعة ” وهو يفسر وغولهم في القفار على أنه ” نفرة عن الضعة منهم ” ، ويبين أثر ذلك عليهم فيقول :”فكانوا لذلك أشد الناس توحشا ، وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه ، والمفترس من الحيوان العجم ، وهؤلاء هم العرب ” .
قيمة الحصان والفرس في حياتهم
أما عن الحصان فهو حيوان كمالي رقيق لا يمكنه المعيشة في الصحراء القاحلة لحاجته الى الماء والعلف الذي لا يتوفر الا في الواحات ، ومع ذلك فقد أحبه العرب واقتنوه ، واشتهرت منهم ربيعة بخيلها ، حتى سميت ربيعة الفرس . وفي الخيل يقول يقول هشام بن محمد بن السائب الكلبي : ” كانت العرب ترتبط الخيل في الجاهلية والاسلام معرفة بفضلها ، وما جعل الله تعالى فيها من العز ، وتشرفا بها ، وتصبر على المخمصة واللأواء وتخصها وتكرمها وتؤثرها على الأهلين والأولاد ، وتفتخر بذلك في أشعارها ، وتعتده لها (1)
ظروف المعيشة
وهكذا كانت ظروف المعيشة صعبة في الصحراء ” اذ تقتصر على الضروري من الأقوات والملابس والمساكن ، وتقصر عما فوق ذلك من حاجي أو كمالي ” ، كما يقول ابن خلدون . فهم ” يتخذون البيوت من الشعر والوبر أو الشجر أو من الطين والحجارة غير منجدة ، انما هو قصد الاستظلال لا ما وراءه . واما أقواتهم فينالون بها يسيراً بعلاج أو بغير علاج البتة ، الا ما مسته النار ” .
طبيعة البلاد
فطبيعة البلاد قاسية – باستثناء الواحات المرتفعة على تخوم نجد أو اليمن مثل الطائف – من حيث الحرارة المرهقة والأرض البخيلة . والى جانب الحرارة الزائدة في الصيف ، هناك البرد القارس في الشتاء وخاصة في الهضاب المكشوفة والأغوار العميقة من أرض تهامة . والحر والبرد لهما أدبهما الخاص في لغتهم ، فطبقات النار أو جهنم هي : الهاوية ، الجحيم ، ولظا ، وجهنم ، والسعير . وأوديتها ، هي : موبق والزمهرير(1) ، وفي ذلك يقال أن فارس الجاهلية المشهور عنترة بن شداد مات من البرد ، كما يقال أنه مات من الحر . والبرد القارس يأتي مع رياح الشمال ، وفي ذلك يقال : ” يوم شمال وقرّ ” . وتسمى ريح الشمال الباردة “جماد “، ومنه سمي شهر جماد ” أي شهر البرد ، وهو شهر المطر . وآخر الصيف هو وقت القلق انتظارا لهطول المطر الذي يكون في أول امره” ندى ” ثم يكون ” غيثا” أي غوثاً . وبعد سقوط المطر تبدأ رحلة الشتاء ، فيعود العرب الذين كانوا قد خرجوا الى شمال جزيرتهم الى قلب الصحراء وبوادي نجد للمشتى(2) .
تعلق الاعراب في حياة الصحراء
هذه الحياة القاسية كانت تعمل على القضاء على العناصر الضعيفة فلا تبقي الا على أصحاب المقاومة الشديدة ، القادرين على الحرمان . ومع ذلك فقد كان لها سحرها ، والعراب كما هو معروف ، يحنون دائماً الى الصحراء وحياة البادية عندما يغادرونها . وهذا ما يظهر بشكل رائع في قصائد شعرائهم ، وهذا ما فعله الأمويون بعد ان سكنوا قصور دمشق فكانوا يخرجون منها الى قصورهم الصحراوية في بادية الشام حيث التحرر والانطلاق . فالعربي محب للحرية ، معتاد على حياة التنقل لا يرضى بالخضوع للضيم أو للنظام . وهذا ما يعبر عنه الفرزدق ، وهو يخاطب الأمويين ، قائلاً :
اترجو بنو مروان سمعي وطاعتي
وخلفي تميـم والفلاة أماميا
وفي ذلك يقول المستشرق الهولندي دوزي ، في مقدمة كتابه لتاريخ المسلمين في الأندلس ، عند حديثه عن العرب قبل الاسلام : أن النظام البدوي حقق لسكان جزيرة العرب ما حققته الثورة الفرنسية حديثاً من : الحرية والأخاء والمساواة .
التنظيم الاجتماعي
القبيلة
والتنظيم الاجتماعي عندهم بدائي يتلائم مع طبيعة البيئة ، وهو النظام القبلي . والقبيلة تكبر أو تصغر حسب تفرعات القبائل الذي يتوالى في عشر درجات تبدأ بالأصل الذي يعرف بالجذم وتليه طبقات : الجمهور والقبيلة والعمارة والبطن والفخد والعشيرة والفصيلة وأخيراً الرهط ، وهم رهط الرجل وأسرته . ويرى البعض أن هذا التقسيم الذي يشتمل على البطن والفخد والفصيل مأخوذ من وصف الناقة التي هي معاش العرب . ويرى آخرون أنه مأخوذ من وصف المرأة أو الأم التي هي أصل القبيلة ، وهم يدللون على ذلك بأن النظام الموي – الذي يعترف بالسيادة في الأسرة للزوجة أو المراة – كان فاشياً عند العرب . ومما يؤيد ذلك اتخاذ كثير من القبائل اسماء جداتها كأسماء لها ، مثل خندف وطابخة وجديلة ومدركة ومرة وغيرها .
وأفراد القبيلة تربطهم – نظرياً على الأقل – رابطة الدم . وذلك أنه رغم غيرة العرب على أنسابهم ، واجتهاد القبيلة في الاحتفاظ بنقائها العرقي ، فان هذا لم يمنع اختلاط الانساب ، على المستعربين الفردي والقبلي ، الذي يقع عن طريق القرابة أو الحلف أو الولاء أو اجارة من يفر من قومه بجناية أصابها . واللجئ الغريب عن قبيلة يسمى في اول المر لزيق أو دخيا ولكنه كثيراً ما ينسى ذلك ، مع مرور الوقت ، ويصبح من صلب القبيلة .
ومن القبائل التي اختلف النسابة في أصلها قبيلة أنمار التي يرى البعض أنها من العدنانية ويرى آخرون أنها من اليمنية ، ومثل هذا يقال عن قبيلة قضاعة الكبيرة وعن قبيلة عك . أما عن أسماء هذه القبائل ، فمنها : كلب ، وكلاب ، وكليب ، ونمر ، وأسد ، وثور ، وعجل ، وجحش ، وعنزة ، وقريش . ولا ندري أن لذلك علاقة بما يعرف عند علماء الاجتماع والانثروبولوجيا بـ ” الطوطمية ” . وهو أن تتخذ القبيلة حيوانا أو نباتا تعتقد أنها تنتسب اليها أو أنه جدها ، كما اتخذ الترك الذئب الغبر جداً لهم وأغلب الظن أن العرب تسموا بهذه الاسماء التي وجدوها في بيئتهم على سبيل التيمن والتفائل أو بمحض الصدفة والعفوية . هذا كما يجوز أن تكون مثل هذه الأسماء قد أعطيت لأصحابها كأسماء شهرة ، فالقوي يمكن أن يعرف بالثور والشجاع يمكن أن يعرف بالأسد والماكر يمكن أن يعرف بالثعلب وهكذا . ومثل هذه العادة ما زالت موجودة في مجتمعنا الآن .
ولقد لاحظ الكتاب العرب معاني هذه الاسماء العربية القديمة ، وصنفوها
فمنها ما هو للتفاؤل على الأعداء مثل : غالب وظالم وفاتك ومقاتل وثابت وطارق .
ومنها ما هو تفاؤل للأبناء مثل : نائل ووائل وسالم وناج ومالك وسعد وسعيد.
ومنها ما فيه ترهيب للأعداء مثل : أسد وليث وضرغام ونمر وفهد .
ومنها ما فيه تفاؤل باسماء الشجر مثل : طلحة وسمرة وسلمة وقتادة .
ومنها ما سمي بالغليظ من الأرض مثل : صخر وحجر وجندل وقهر وحزن.
وفي مثل هذه الاسماء قيل أن بعض العرب سئل : لم تسمون أبناءكم بشر الاسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح ؟ ” فقال : ” انما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا (1) .
والى جانب ذلك تسمت القبائل والأشخاص بأسماء الآلهة التي عرفوها مع الاشارة الى العبودية لها مثل : عبد مناة وعبد اللات وعبد العزى وعبد القيس وعبد الدار وعبد مناف وعبد شمس وغيرها .
وأفراد القبيلة ينصبون على رأسهم سيّدا أو شيخاً ، يمكن أن يسمى برأس القبيلة أو ربها . وهذا الزعيم ليس مستبداً ، أي أنه ليس صاحب الأمر المطلق ، اذا عليه أن يستشير غيره من الزعماء وأهل الرأي . ومع أن العادة كانت قد جرت على أن يخلف للأبناء آباءهم في رئاسة القبيلة ، فالمعروف أن شيخ القبيلة كان ينتخب عادة من بين من يتصفون بكبر السن والحلم والبلاغة والكرم والشجاعة ، وفوق كل ذلك ، بالتفاني في خدمة القبيلة . وفي هذا المعنى قال ” عامر بن الطفيل ” ، وقد صار سيد قبيلته بعد وفاة والده ، يفتخر ويعدد سجاياه الى جانب شرفه :
وأني وان كنت بن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر من وراثة أبي الله أن أسمـو بأم ولا أب
ولكنني أحمى حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماهـا بمنكب
والقبيلة يمكنها بفضل عددها وكثرتها أن ترغم غيرها من القبائل على الخضوع لسلطان شيخها ، كما يمكن أن ينضم اليها أفراد من القبائل الأخرى عن طريق ما ذكرناه في كيفية اختلاط الأنساب .
والنساء في البادية يتمتعن بحرية أكثر من النساء في الحضر ، وهن لهذا السبب عاملات مجدات يقمن بكل الأعمال المنزلية ويساعدن الرجال في أعمالهم حتى في وقت الحروب اذ كن يقفن خلف المقاتلة لأثار حماسهم ودفعهم الى حسن القتال .
أما الرجال فكانوا يعملون بالرعي الى جانب ما كانوا يشنونه على جيرانهم من الغارات . وكثيرا ما كان ذلك من أجل المغانم والسبي ، والسبي كان في معظم الأحيان من أجل الفدية . وفي فتيات السبي الجميلات يقول عبيد بن الأبرش :
وأوانس مثل الدمى حور العيون قد استبينا
أيام العرب
هذه الغارات هي التي تعرف – على وجه العموم – بأيام العرب . والحقيقة أن هذه القبائل لم تكن على وئام فيما بينها ، وكانت أسباب النزاع كثيرة فيما بينها ، منها : تجاهل العرف المعمول به بين القبائل أو خرقه ، والأخذ بالثأر ، والغارة على القوافل أو الجيران ، وما شابه ذلك . ولقد صارت الغارة على الجيران عادة متأصلة عند بعض القبائل حتى أصبحت صناعة لها أو وسيلة لكسب الرزق . بل أن بعض هذه الغارات كان يمكن أن يقوم بها فرد واحد أو بضع أفراد ممن كانوا يعرفون بالصعاليك أو الفتاك ( ومفردها فاتك ) . وعصر الجاهلية غني بأمثال هذه الأحداث التي تغني بها الشعراء فيما هو معروف بأيام العرب .
ولقد اعتنى الاخباريون بجمع اخبار هذه الحروب الصغيرة ، وهي في معظمها من القصص الشعبي الطريف الذي تتخلله قطع من الشعر . واذا كان من الصعب ترتيبها زمنياً أو تاريخياً فانها ” مهمة من حيث التعريف بكثير من عادات العرب وتقاليدهم ” .فأدب الحرب فيها وثيق الصلة بالتقاليد الدينية والنظم الاجتماعية والحياة الثقافية ومن أشهر هذه الأيام :
يوم خزاز الذي انتصرت فيه العدنانية على اليمنية انتصاراً افتخر به عرب الشمال على رغم أنه حررهم من نير اليمنية الذين كانوا يجبون منهم الجزية . وبطل هذا اليوم هو كليب بن وائل الذي عظم شأنه حتى ارتفع الى مصاف الملوك ، وهو الأمر الجديد بالنسبة للعدنانية ، اذ ولوه الملك عليهم وأقسموا له بالطاعة وألبسوه التاج . ويمكن تحديد زمن الوقعة التي جرت قرب جبل خزاز ” بأواخر القرن الخامس الميلادي ” .
ويوم الصفقة الذي كان بين ” فارس وتميم “، وكانت تميم قد أغارت على قافلة ( لطيمة ) لكسرى ونهبتها ، فانتقم منهم هوذة صاحب اليمامة الذي دعاهم الى طعام في عام شدة ومسغبة في أحد الحصون وقتلهم غدراً ولم يشفع الا في بعضهم فكساهم وأطلقهم يوم الفصح ، لأنه كان على النصرانية وفي ذلك قال الأعشى يمدحه :
بهم تقرب يوم الفصح ضاحية يرجو الاله بما أسدى وما صنعا
وكان ذلك اليوم في ” مطلع القرن السابع الميلادي ” أي قرب الوقت الذي أوقع فيه البكريون وبنو عجل بجيش فارس في ” ذي قار ” الذي يقارن بيوم خزاز من حيث أنه حرر العرب من ربق فارس ، كما حرر يوم خزاز المعديين من نير اليمن .
وأشهر الوقائع التي دارت بين ” العدنانية أنفسهم ” حرب البسوس التي جرت بين بكر وبين تغلب اثر ” مقتل كليب ” زعيم تغلب الذي بلغ مرتبة الملوك واستبد بالناس حتى جعل معظم الأرض من حماه ( أي من أرضه الخاصة المحرمة على الآخرين أو المحمية منهم ) ، وقتل ناقة رجل نزل ضيفاً على البسوس خالة جاس اخي جليلة زوجة كليب . ورأى جاس الا سبيل الى محو هذا العار الذي لحق به من استباحة حرمة جاره الا بقتل زوج أخته وزعيم بكر كليب بن ربيعة . واشتعلت نار الحرب التي قادها اخو كليب وهو مهلهل ، الفارس والشاعر ، الذي جز شعره وقصر ثوبه وهجر النساء وترك الغزل وحرم القمار والشراب وجمع قومه للأخذ بثأر كليب . وسارت الحرب سجالا بين الفريقين : يوم ” واردت ” لتغلب بيوم ” الحنو ” لبكر ويوم ” عنيزه ” تناصفته الجماعتان مدة أربعين سنة ، كما تقول الروايات .
أما يوم داحس والغبراء وهما فرسان ، فكان بسبب اختلاف على سباق خيل كان قد تراهن عليه ” حذيفة بن بدر بن فزاره ” سيد ذبيان ” وقيس بن زهير ط سيد عبس . واشتغلت الحرب بين القبيلتين في عدد من الأيام ، منها: يوم ” العذق ” الذي أسر فيه حذيفة ثم أطلق بعد أن أهدر دم ابنه بدر بن حذيفة بدم مالك أخي قيس . ومنها يوم ” البوار ” الذي قتل فيه 400 رجل من فزارة وأسد وغطفان ، وكان الفوز فيها لعبس . وأخيرا توقفت الحرب ، التي شارك فيها عنترة بن شداد بفرسه ” الأدهم ” ، عند مطلع الاسلام بعد أن سعى في ذلك الحارث بن عوف المري وهرم بن سنان .
ومن أشهر الحروب التي ” وقعت بين قيس وبين كنانة ” تلك التي عرفت بأيام الفجار نظراً لانتهاك المحاربين فيها حرمة الأشهر الحرم مما اعتبر فجوراً . وهي أربعة حروب : الثلاث الأولى منها كانت لأسباب شخصية تافهة من التفاخر بين الشباب أو التعرض لبعض النساء في سوق عكاظ أو المطالبة بدين . أما الحرب الرابعة فكانت بسبب الاعتداء على لطيمة النعمان بن المنذر التي كان قد سيرها في حراسة زعيم هوازن وهو عمرو الرحال ، وتعرض لها ” البراض بن قيس ” الذي كان في حماية قريش . ودارت الحرب بين هوازن وبين قريش وكنانة وحلفائهم من الأحبايش ومن بني أسد. وكان من زعماء كنانة حرب بن أمية وعبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة، أما زعيم هوازن وسليم فكان مسعود بن معتب الثقفي . ودارت الحرب سجالا : يوم ” شمطة ” ويوم العبلاء لهوازن ، “ويوم عكاظ ” لكنانة وقريش الى أن انتهى الأمر بالصلح ودفع الديات . وكانت هذه الحروب في أواخر القرن ” السادس الميلادي ” وحضر الرسول بعضها وهو شاب يافع مع أعمامه .
صعاليك العرب
والى جانب أيام العرب تذكر أعمال الصعاليك من الفرسان اللصوص الذين كانوا يقومون ، بمفردهم ، بالغارات على القوافل أو مضارب العرب من أجل النهب والسلب ، ولا يتورعون في سبيل ذلك عن القتل لا يمنعهم في سبيل ذلك وازع ولا ضمير ولهذا سموا أيضاً بالفتاك ( مفردها فاتك ) . وكانت هذه الأعمال تتم بموافقة قبائلهم اذا كانت هذه ممن اتخذت النهب والسلب حرفة أو طريقاً سهلاً للحصول على الرزق ، ومنهم من كانت تتبرأ منهم قبائلهم وهؤلاء كانوا يسمون الخلعاء ( مفردها خليع وهي في الأصل بمعنى المخلوع من قبيلته ).
تأبط شر
ومن أشهر صعاليك العرب ثابت بن جابر الذي عرف بلقب تأبط شر ، لأنه سرق صرة ( جرابا) لحا وفيها حيات وهو يظن أن فيها مالا ، فتأبطها وعندما فتحها رفعت الحيات اليه رؤوسها فالقاها وقتل الحيات وقال : ” ضل عن سيده ولبده من حمل حتفه بيده ” . وعرف تأبط شر بسرعة العدو وطول النفس والجسارة اذ ” كان أحد أسرعها وكان يغير راجلا مسيرة سبعة أيام يمشي الليل ويختفي النهار . وكان أجسر أهل زمانه ” وفي سرعته يقال أن ” الخيل كانت تطلبه فلا تناله ويفوتها بسرعة ، وأنه كان يثير الظبي ثم يطلبه فيدركه ” .
ولما كان اللصوص من الصعاليك قد اعتادوا على حياة الوحدة والتشرد في الصحراوات والفيافي المنقطعة بعيداً عن منال من يطلبهم ، فقد قيل في تأبط شر : ” كان غذاؤه العلهز وشحوم الحيات وهبيد الحنظل ” ، كما زعمت العرب : “أن لحمة سم ” وفي حياة الوحدة والحرص والتيقظ التي تشبه حياة الوحوش يقال أن تأبط شرا هو القائل :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذ عوى
وصوّت انسان فكدت أطير
رأى الله أني للبرية مبغض
ويشنؤهم لي مقلة وضمير
وبشبيه بهذه المعاني ، قال فيه السليك بن السلكة ، أحد الغارابيب :
ينام باحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا من خلال المسالك
وكان تأبط شر يغير على قبيلتي ” هذيل ولحيان ” نهارا ، ويغير على “القارة ” ليلا يتقي نبلها ” لأنها كانت أرمى العرب بالنبل لا تخطئ ما تريد ” وهم من قبائل “عمرو بن مدركة ” . وكانت نهايته على أيدي هذيل عندما أغار عليهم فتبوه بالخيل وقتلوه .
وغضبت قبيلة ” اللص الشجاع ” وهي “باهلة ” لمقتله ، وقام ابن أخته ” الهجال ” يطلب بثأره ” فحرم على نفسه الخمر حتى ينتقم لخاله تأبط شر ” . وانتهى الأمر بالحرب بين القيسية من باهلة وغطفان وغيرها وغيرها وبين هذيل ولحيان والقارة الذين كانوا ينزلون بموضع ذي قار . ودارت الحرب على الهذيليين الذي طلبوا النصرة من أقاربهم بني كنانة وبني خزيمة ، ولكن زعيم حزيمة عمرو بن بكر الاسدي المكنى بأبي الهزبر لم يستجحب لنداء بني الشقيقة . وقال مقالته التي صارت مثلاً : ” من اشترى وجد قريب برضا بعيد اشترى خسرانا ” , وهكذا دارت الدائرة في تلك الحرب التي عرفت عند الكتاب بـ”يوم ذي قار الولى ” على ألئك الذين دافعوا عن حماهم الذي استباحه صعلوك القيسية تأبط شر . ” فمن يوم ذي قار الأول هذا ” صارت هذيل والقارة ولحيان أقل حي في مصر ” ، كما يقول وهب بن منبه .
وفي تأبط شر ، قال ابن أخته الهجال بن امرئ القيس يرثيه :
أطرفك مأمـوم أم الوجـد مانـع أم الأشوس الفتاك من ذاك شاسع
فتى كان شهـم النفس للذل دافـع وان سيل عرفا فهو بالجود نافع
حديدا كنصل السيف ينهض للوغى تلاعبـه فيـه السيوف القواطع
ينـام باحـدى مقلتيـه ويتقـي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
وما شاب من أعوام دهر تطاولت عليـه ولكـن شيبـة الوقائـع
يغـادي أنا سآكـل يوم بفتكـه وينـأى فلا تأويه الا البلاقـع
وعرفت الصعلكة أيضاً في بعض القبائل ذات الشرف مثل قريش حتى أن عبد الله بن جدعان وهو سيد القبيلة المهاب عاش حياة الصعلكة في شبابه . فقد أغار على مائة ناقة لسيد هوازن المعروف ، كلاب بن ربيعة ، مما جعل كلابا يرسل الى قريش : ” أن سفيهكم أغار علي وطرد لي مائة ناقة فليس لكم أن تشهدوا سوق عكاظ ولي لديكم وبرة ” . ولما كان سوق عكاظ يقع في وسط أرض القيسية فقد جذع تجارة قريش الذين كانوا لا يستغنون عن دخول بلد من البلاد ، وتشاوروا في أمر قتل عبد اللله بن جدعان ” حتى لا يجني عليهم الجرائر فيطلبون بسيء ” . وفرّ بن جدعان الى القفار وحيدا ويقال أنه في خلال رحلة التشرد هذه ” دخل سرباً فوجد فيه جوهر وياقوتا ولجين وعقيان ” وأن ذلك سبب غناه .
وأخبار هذه الأيام سجلها الشعراء في أول الأمر ، وكانت أشعارها هي النواة التي انبت عليها قصص هذه الحروب وأخبارها .
اللغة والشعر :
وبفضل هؤلاء الشعراء تكونت مدرسة شعرية قبل الهجرة بحوالي قرن أو قرن ونصف ، وكانت لها موضوعاتها التقليدية التي تعالجها ، كما كانت لها أوزانها وأساليبها الشعرية ، ومن أشهر القصائد التي وصلت الينا من هذه الفترة هي المعروفة بالمعلقات التي يتراوح عددها ما بين الستة والعشرة .
ويرى الأستاذ ” جويدي ” أن الأدب الجاهلي كان ، أولاً وقبل كل شيء أدباً شعرياً ، وأن حياة القبائل العربية المضربة هي التي عملت على تطور هذا الشعر (1). ففي اول المر كان هناك نوعان من الشعر : اولهما لاي يكاد يستحق تسميته بالشعر ، وهو ما كان يعرف بـ ” الحجى ” وهو نوع من الأدب الشعبي ، والآخر هو القصيدة من النوع الأدبي الشعبي ، والآخر هو القصيدة من النوع الأدبي المتقن .
ولقد أثبت ” جولد سيهر ” أن الشاعر كانت له مكانة مرموقة في القبيلة . فالشاعر عند العرب القدماء كان يعني ” الذي يعرف ” أي من لديه معرفة أكثر من غيره من أبناء القبيلة . وهذه المعرفة يدين بها للالهام الذي يأتيه عن طريق الجن الذي يحل فيه . وعن هذا الطريق فهو يملك قوة خفية يستطيع بها أن يعجل تدمير الأعداء بما يطلقه ضدهم من اللعنات . وبناء على ذلك فهو شخصية لها صفات إلهية ، وهو ساحر مخيف . ويؤيد ذلك أن الفعل نشد يعني تلاوة الشعر ، كما يعني الرجاء باسم الله . واطلاق اللعنات على الأعداء من جانب الشاعر كان له أهمية لا تقل عن شجاعة المقاتلين ، فالمفروض أنها لا تخيب لأنها صادرة من الجن . وكان لاطلاق اللعنة طقوس خاصة كأن يخلع الشاعر أحد نعليه ، ويغطي وجهه باكمال ردائه ، ويشير عند اطلاق اللعنة بالاصبع السبابة نحو الشخص الذي يراد اصابته باللعنة ، وهذا هو السبب في أن أطلق على الاصبع الذي يشار به اسم “السبابة” ، أي الذي يسب ويجرح .
وفي الأصل كان الحجي ينشأ في نثر منظوم أو في سجع ، ومنه نشأت أقدم أوزان الشعر الشعبي واسهلها ، وهو الرجز . والمثل لذلك ذلك الشكل القديم من اللعنات الشائعة وهي : ” اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا ، ولا تذر على الأرض منهم احدا ” . والى جانب هذا الشعر الشعبي البسيط القليل الأبيات ، نما الشعر الأدبي الكبير وهو شعر القصيدة ، الذي بلغ الذروة في قصائد القرن السادس الميلادي ومن المعروف أن ” لغة الشعر الجاهلي ” كانت نفس اللغة في كل أرجاء جزيرة العرب ، فمنها يتكون نسيج قصائد امرئ القيس الكندي وهو اليمني الأصل ، وقصائد النابغة الذبياني وهو المضري ، وكذلك أشعار عمرو بن كلثوم التغلبي وهو من ربيعة . وهذا لا يفترض عدم اختلاف لهجات القبائل التي كانت تتكلمها وذلك أن الشعر الشعبي كان يختلف بعض الشيء عن لغة الحديث . وبناء على ذلك تصبح لغة القصيد لغة شعرية مصطنعة أو لهجة فنية لها قوالبها المستقرة أو أشكالها الثابتة . ولا شك أن تكون هذه اللغة الشعرية تطلب الكثير من الجهد والوقت. ويرى جويدي أنها نشأت وسط الصراعات التي كانت تقوم بين القبائل ( أيام العرب ) ، ويدلل على ذلك بأن مهلهلا أخا كليب ، الذي يؤكد الكتاب العرب أنه كان أول من أنشأ القصيدة ، كان من أبطال حرب البسوس . كما كانت لامرئ القيس الكندي أعماله الثأرية من بني أسد الذين قتلوا أباه وضيعوا ملكه. هذا لما كان أنشاد الشعر في سوق عكاظ ، على مسافة ثلاثة أيام من مكة ، بين الطائف ونخلة ، وكانت له آثاره التي لا تنكر على تطور القصيدة العربية ، التي وصلتنا في شكلها النهائي المنتظم والمحبوك .
وعن طريق هذه القصائد الغزلية الرقيقة التي تعرف بالنسيب وصلتنا معلومات عن معالم بعض ديار العرب عندما كان يصف الشاعر ، وهو في غمرة أحزانه لفراق محبوبته ، مساكنها التي أصبحت ، بعد رحيلها ، خرابا وأطلال مثل :
يا دار أمية بالعلياء فالسنـد أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلا لا أسئلها عيت جوابا وما بالربع من أحد
ومع أن الحب أو الغزل كان من الموضوعات الشائعة في هذا الشعر العربي القديم ، حتى أصبح الغزل هو البداية الطبيعية لأي قصيدة ، مما دعا المتنبي الى أن يقول :
إذا كان مدح فالنسيب المقدم أكلّ فصيح قال شعراً متيم !
فقد كانت هناك نوع من الشعر لا يوجد فيه النسيب ، وهو شعر الرثاء اذ لا تتناسب المقدمة الغرامية المعتادة مع موضوع النشيد الجنائزي وما يقتضيه من شاعر الحزن .
وهكذا بلغ الشعر العربي في القرن السادس الميلادي درجة كبيرة من الاتقان مما يثبت تقدما ثقافيا جيدا . ولقد كانت قصائد هذا الشعر تنقل في أول الأمر شفاها ثم أنها دونت بعد ذلك ، والمثل لذلك المعلقات . أما عن الموضوعات التي كان يتناولها الشاعر فهي : الحب والغزل والرياضة من الصيد والقنص ، وأيام الحرب والقتال ثم الليالي التي كان يقضيها الشاعر في شرب الخمر .
الخمر :
والخمر كانت موضوع أدب غني ، ولذا عرفت باسماء عدة ، بعضها شاعري وبعضها مجرد صفات . ورغم وجود الكرم في جزيرة العرب فالمعروف أن الخمر كانت تجلب من بلاد الشام على وجه الخصوص ، وذلك أن صناعة النبيذ تتطلب جهداً وعملاً كثيرا ، فهي تمثل تقدما صناعيا كبيرا لم يكن يعرفه العرب . ولذلك كان شرب الخمر يتطلب الغنى من الشارب ، أما اعطاء الأصدقاء منه فيعني الكرم ، بل والتبذير في أقصى درجاته ، وفي صفات الخمر يقول عنترة :
ولقد شربت من المدامة بعدما ركد الهواجر بالمشوف المعلم
وامرئ القيس يرد على من لا يعترف بفضائله فيقول : ” ولم أسبأ الزقّ الروي ” . بينما يفخر الشاعر قطبة بن أوس بكرمه ، فيقول موجها الكلام الى صاحبته :
فسمي ما يدك أن رب فتيـة باكرت لذتهم بأدكن مترع
بكروا علي بسحرة فصبحتهم من عاتق كدم الذبيح مشعشع
أما زهير فلا يعرف كيف يمدح حظيلة بن حصن بأحسن من قوله :
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائله
وكان السبب في ارتفاع سعر الخمر لم تكن معروفة الا في أوساط المتيسرين ممن يستطيعون دفع ثمنها في الحانات . ومن أشهر حانات الحجاز : ” حانة الطائف ” التي كانت في الجاهلية ، وكان خمارها يسمى ابن بجرة ، وكانت تقصده قريش وسائر العرب ، كما يقول ابن فضل الله العمري ، وتمتار منه وتحمل الى أوطانها . ومنها حانة بني قريظة ، وكان خمارها في جوار سلام بن مشكم الذي كان ينزل عليه ابو سفيان في بعض الأحيان ، فيبعث الى جاره الخمار ويبتاع ما في حانوته ليسقي الزعيم المكي . أما حانة هجر فكانت تعرف بحانة ريمان .
هذا كما اعتاد العرب على الشراب في الأديرة أثناء مرورهم بها في الشام والحيرة وأغلب الظن أن الخمر كان يقدم لهم فيها من أهل الدير بدون ثمن .
ويشير الاخباريون الى جانب ذلك أن العرب عرفوا مضار الخمر وان كثيرا منهم أقلع عن شربها ، وخاصة من سادة القبائل وشيوخها . وفي ذلك تقول بعض الروايات أن أحد الصعاليك وهو ” عمرو بن عباد ” عندما دعا جعفر بن قرط الاسدي من سادة بني هزان القدماء في اليمن الى شرب الخمر ، فقال جعفر : “يا بني أنا راعي الحي فان أنا سكرت ضاع الحي ” ولو أن القصة تقول أنه عندما ألح عليه الصعلوك استجاب له فلما سكر قتله الصعلوك . أما عن هرم بن عمرو فكان أول من حرم الخمر على نفسه بلا ديانة . وتكاد تجمع الروايات على أنه عندما كان يحين وقت الجد كان المدمنون على الخمر يقلعون عنها . فعل ذلك امرئ القيس الشاعر عندما علم بمقتل والده ، وقال مقالته المشهورة : اليوم خمر وغد أمر ، كما فعل ذلك الهجال بن امرئ القيس ابن اخت تأبط شر عندما حرم على نفسه الخمر الى أن ينتقم لمقتل خاله .
والحقيقة أن الشعراء هم الذين أذاعوا صيت الخمر بين العرب بما أنشدوه من الشعر في الليالي التي كانوا يقضونها في شربها في الحانات والديارات أو في مناسبات اللهو والفرح ، كما يرجع الفضل لهم في تسجيل أيام العرب وأحداثها .
وتتفق الروايات على أنه كانت تنظم مسابقات شعرية موسمية في أسواق العرب مثل سوق عكاظ . ولا شك في أن هذه الحركة الأدبية التي جاءت نتيجة وحدة اللغة الفنية ( رغم اختلاف لهجات القبائل ) كانت من أسباب الربط والوحدة بين الجماعات المختلفة من سكان الجزيرة قبيل ظهور الاسلام في أواخر القرن السادس الميلادي .
الدين :
أما عن الدين ، فقد كان لكل قبيلة – كما هي العادة بين الجماعات البدائية- آلهتها وأصنامها ، كما كان للأصنام بيوت تجري فيها طقوس العبادة . والى جانب القرآن الكريم يعتبر كتاب الأصنام لهشام بن محمد بن السائب من اهم المصادر التي وصلت الينا عن عبادات العرب في الجاهلية .
فالمفروض أن عرب الحجاز كانوا يدينون منذ بناء الكعبة بديانة اسماعيل بن الخليل ابراهيم الذي بعث نبيا لجرهم والعمالقة وخزاعة وأن العدنانية أبناءه نشأوا على ديانته ، قبل أن ينحرفوا الى عبادة الأوثان والحجارة . والأوثان هي الأصنام والحجارة هي الأنصاب ( جمع نصب ) عندما تنتصب بعضها فوق بعض ، وكانت طقوس عبادة كل منهما تختلف عن الأخرى . والذي يفهم من كتاب الأصنام هو أن عبادة الأنصاب حجازية الأصل ، واهم طقوسها هو الدوران أو الطواف حول النصب ، بينما كانت لعبادة الأصنام أو الأوثان طقوسها الخاصة من الدعاء لها وتقديم القرابين .
وفي عبادة الأنصاب يقول ابن كلبي : ” إنه كان يظعن من مكة ظاعن الا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم ، تعظيماً للحرم وصبابة بمكة . فحيثما حلّوا وضعوه وطافوا به كطوفهم بالكعبة ، تيمناً منهم بها وصبابة بالحرم وحباً له ” فكأن عبادة الأنصاب نابغة من الطواف حول الكعبة أي من شعائر الحج وهو في ارث ابراهيم واسماعيل ، ولكن الناس نسوا ذلك مع مرور الوقت وصاروا يعبدون ما استحبوا .
أما عن عبادة الاوثان فتقول الروايات العربية أن أول من نشرها بين العرب هو عمرو بن ربيعة المشهور بـ ” لحي بن حارثة الخزاعي ” ، وأنه جلبها من الشام التي زارها اثر مرض ألم به ، ووصفت له حمية بالشام ليستشفي بمائها . فقد وجد أهل الحمة يعبدون الأصنام ، وعندما سألهم عنها ، قالوا : ( نستسقي بها المطر ونستضربها على العدو ” . ” فسألهم أن يعطوه منها ، ففعلوا ، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة ” . فكأن رواية ابن الكلبي هذه تسجل أن عرب الحجاز اقتبسوا عبادة الأوثان من أهل الشام . بينما يرى بعض الباحثين المحدثين ، على العكس من ذلك ، أن اليونان ربما اقتبسوا عددا من آلهتهم من ” لاتون ” وهو ” هرمس ” من العربية الجنوبية أي اليمن حيث كانت القرابين تقدم للآلهة باحراق البخور على المذابح ، وذلك الى جانب ما اقتبسوه من حروف الكتابة .
ومن اشهر آلهة العرب المذكورة في القرآن : اللات والعزى ومناة وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر . والذي يفهم من النصوص أن عددا من هذه الالهة كانت ثنائية أي مزدوجة من ذكر وانثى مثل : اللات والعزى ، واياف ونائلة . وانها كانت اما ثابتة أي في بيوت عبادة خاصة بها أو متنقلة تصحبها القبيلة في رحلاتها الشتوية والصيف . وفي ذلك يقول ابن الكلبي : ” وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه . فاذا اراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به ، واذا قدم من سفره كان أول ما يصنع اذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً ” ومثل أصنام الدور هذه كان يمكن أن تحملها القبيلة في ترحالها وحلها ، وخاصة وقت الحروب للاستنصار به . وفي يغوث يقول الشاعر مذحج :
وسار بنا يغوث الى مراد فنا جزناهم قبل الصباح
أما عن بيوت الأصنام فمن أشهرها بيت ريام ( او رئام ) الذي كان لحمير في اليمن ، وكانوا يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح . وكان لقبائل اياد بيت يسمى كعبة اياد ” ( لأنه مربع أو مكعب مثل الكعبة ) وذلك فيما بين الكوفة والبصرة في موضع يعرف بسندان من منطقة الظهر . هذا كما يقال أن بعض زعماء قبيلة جهينة فكر في بناء بيت بموضع يقال له الحوراء من بلادهم ، وكان هدفه مضاهاة الكعبة واستمالة العرب به ، كما فعلت قريش بالكعبة ، ولكن الجهينيين لم يستجيبوا لتلك الدعوة ومثل ذلك يقال عن كنيسة ” القليس ” التي يقال أن ابرهة بناها بصنعاء ، وكان هدفه الا يترك العرب حتى يصرفهم عن الحج الى بيتهم الذي يحجون اليه يعني الكعبة . وتنسب هذه الرواية محاولة أبرهة غزو الكعبة الى ما فعله بعض العرب ممن ساءهم ذلك فخرق حرمة هذه الكنيسة بنثر النجاسة فيها . وهو الأمر الذي كان موضوعا لنقد الكتاب المحدثين . هذا كما يذكر ابن الكلبي كعبة نجران التي كانت لبني الحارث بن كعب ، وكانت معظمة عندهم . ولا يعرف على وجه الدقة ان كانت بيت عبادة أو دار ندوة يجتمع فيها القوم ، ويميل ابن الكلبي لهذا الرأي الأخير على أساس أنه لم يسمع لها ذكر في الشعر الذي هو ديوان العرب وسجل أحداثها . ويذكر أنه كان لقبائل ربيعة بن كعب بيت يعرف برضى كان موجودا عندما ظهر الاسلام فهدمه عمرو بن ربيعة المشهور بالمستوغر . كما كان للعزى بيت في أحد شعاب وادي حراض الذي يقال له سقام ، وكانوا يضاهون به حرم الكعبة .
أما عن مشاهير الأصنام في بلاد العرب فكان ” نسر ” الذي يظن أنه كان على هيئة الطير فعلا ، من معبودات قبائل حمير في موضع يقال له بلخع من أرض سبأ من اليمن ، وذلك قبل دخول حمير في اليهودية . ومن معبودات اليمن أيضاً كان ” يعوق ” الذي عبدته قبائل همدان في قرية خيوان من بلادها على مسيرة ليلتين من صنعاء بالنسبة للقادمين اليها من مكة . ومن أصنام اليمن أيضا كان ” يغوت ” الذي كانت تعبده مذحج ، بأكمله باليمن عرفت باسم القبيلة ، فهي مذحج ايضا ، كما عبده أهل جرش .
وفي العربية الشمالية عبدت قبائل كلب صنم الـ ” ود ” الذي عرفه المعينيون من أهل اليمن قديما رمزا للاله القمر ، وذلك في منطقة دومة الجندل ، في وادي القرى وحسب وصف ابن الكلبي كان ود تمثالا على هيئة رجل ضخم . والظاهر ان سدنته من قضاعة قد كسوه من الثياب حلتين واحدة فوق الأخرى ، وقلدوه سيفا وجعلوه قوسا على منكبه ، وحربة بين يديه حربة تحمل لواء وجعبة فيها النبل ، مما جعله وكأنه يمثل اله الحرب .
وفي مشارف الشام كان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنمها المعروف بـ ” الاقيصر ” ، وفيه يقول ربيع بن ضبع الفزاري :
فانني والذي نغم الأنام له حول الاقيصر تسبيح وتهليل
وظل ود في دومة الجندل الى أن سار النبي الى تبوك في السنة السابعة للهجرة فارسل خالد بن الوليد لهدمه . وتطلب المر ايقاع الهزيمة ببني عامر الأجدر وبني عبد ود ، سدنته ، الذين دافعوا عن صنمهم ببسالة ولم يفرطوا فيه الا بعد أن قتل الكثير منهم . فكان من القتلى حسان بن مصاد بن عم الأكيدر ، صاحب دومة الجندل ، كما كان منهم قطن بن شريح الذي قالت فيه أمه عندما راته مقتولا :
يا جامعا ، جامع الأحشاء والكبد يا ليت أمك لم تولد ولم تلد
ثم اكبت عليه فشهقت شهقة ، فماتت ، كما تقول الرواية .
وكانت طيء لها صنم يعرف ب ” الفلس ” وذلك في موطنهم بين جبلي أجا ويلمى وكان الفلس تمثالا على شكل الانسان له انف احمر . وكانت سدنته لبني بولان وهم الذي بدأوا بعبادته . وظل الفلس حتى ظهور الاسلام فهده علي بن ابي طالب بأمر النبي ، وأخذ سيفين كان يتقلدهما الصنم ، وتقول الرواية أنهما من هدايا الحارث بن ابي شمر الغساني .
وكان للحجاز اصنامه : ففي موضع رهاط من أرض ينبع التي تعتبر ساحل المدينة يثرب كان يعبد ” سواع ” من قبل قبيلة هذيل ، وكان سدنته من بني لحيان منهم .
وفي ساحل جدة كان صنم يقال له سعد ، وكان صخرة طويلة ، كما يقول ابن الكلبي ، لرجلين من بني كنانة . والظاهر أنه كانت تذبح الذبائح على هذه الصخرة التي كان يتبرك بها ، مما جعل الابل التي يسوقها عنده بعض الرجال عنده تنفر في كل وجه . وفي ذلك قال الرجل :
أتينا الى سعد ليجمع شملنـا فشتتنا سعد ، فلا نحن من سعد
وهل سعد الا ضخرة بتنوفة من الأرض لا يدعي لغي ولا رشد
وفي تبالة جنوبي مكة في طريق اليمن ، على سيرة سبع ليال ، كان صنم ” ذو الخلصة ” الذي كانت تعظمه وتهدي له قبائل : خثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم من هوازن . وكان ذو الخلصة على هيئة ” مروة ” ( ضخرة ) بيضاء منقوشة ، وكان سدنته من بنى أمامه من قبيلة باهلة .
وبعد فتح مكة أرسل النبي جرير بن عبد الله لهدمه ، فخرج في بجيلة وتطلب الأمر قتال قبيلتي خثعم وباهلة اللتين دافعتا عن الصنم بشدة وسقط منهما المئات من القتلى ، قبل هدم بيت الصنم الذي أضرمت فيه النار ، كما تقول الرواية ، رغم أنه جعل عتبة لباب مسجد تبالة ، مثله في ذلك مثل هبل الذي جعل عتبة للمسجد الحرام .
وعلى ساحل البحر بين المدينة ومكة ، في موضع قديد من ناحية المشلل كان صنتم مناة ، أقدم أصنام العرب جميعها كما يقول ابن الكلب . وهو ثالث ثلاثة من أصنام الحجاز التي كان لها التفوق على غيرها من الآلهة ، والاثنان الآخران هما : اللات والعزى . ومع أن مناة كان صنم هذيل وخزاعة فقد اعتبر اله الخزرج والأوس ، أولا وقبل كل شيء ، اذ كانوا أشد الناس اعظاما له ، كما كان يعظمه أهل مكة وسائر عرب المنطقة حول مكة والمدينة ، ويذبحون له ويقدمون الهدايا . وفي اعظام الوس والخزرج ، يقول عبد العزى بن وديعة المزني ، على ما يظن :
أني حلفت يميني صدق برّة بمناة عند محل آل الخزرج (1)
وظلت مناة معظمة من قريش وسائر العرب الى سنة 8 هـ وهو عام الفتح حينما هدمها علي بن أبي طالب بأمر الرسول . وتقول الرواية أنه أخذ سيفين كان أهداهما لها الحارث الغساني احدهما هو سيف علي المشهور بـ ” ذي الفقار ” . ولا ندري إن كانت الروايت قد خلطت بين سيفي ” الفلس ” صنم طيء وبين سيفي مناة هذين ام لا .
اما اللات التي يمكن أن تكون أشهر آلهة العرب وقتئذ ، فكانت احدث من مناة ، وهي آلهة الطائف . ورغم أنه من المعروف أنها كانت آلهة مؤنثة ، وانها ربما كانت الآلهة لاتون عند اليونان الذين أخذوا عن عرب اليمن ، فان الروايات العربية تجعلها في شكل صخرة مربعة . والظاهر أنهم قالوا ذلك عندما حاولوا تفسير اسم اللات فقالوا أنه لت السويق أو العجين الذي كان يقوم به بعض اليهود عندها أو عليها . وفي القسم باللات يقول المتلمس في هجائه عمرو بن المنذر :
أطرتني حذر الهجاء ، ولا واللات والنصاب لا تئل
وفي عبادتها والتمسك بها ، يقول عمرو بن الجعيد :
فاني وتركي وصل كأس لكالذى تبرأ من لات ، وكان يدينها
وعلى أيام ابن الكلبي كان موضع اللات في المكان الذي بنيت فيه المنارة اليسرى بمسجد الطائف . وكان سدنتها من بني عتاب بن مالك الثقفيين قد بنوا لها بناء من بيت أو كعبة . وظلت اللات معظمة من ثقيف وقريش وسائر العرب الى سنة 8هـ ، وهي سنة الفتح ، عندما هدمها المغيرة بن شعبة بأمر الرسول بعد أن دخلت ثقيف في الاسلام وأهل الطائف . وفي نهي ثقيف عن العودة اليها ، قال شداد بن عارض الجشمي :
لا تنصروا اللات ان الله مهلكها وكيف نصركم من ليس ينتصر
والعزى أحدث من اللات ومناة ، كما يرى ابن الكلبي ، وذلك بناء على أنه وجد أن من تسموا بهما من العرب مثل : عبد اللات وزيد مناة ، أقدم من تسمى بعبد العزى وكان ” عبد العزى بن كعب بن سعد ، بن زيد مناة بن تميم ” أقدمهم . وأول من عبد العزى هو ظالم بن سعد الذي الذي بنا لها بسّا ( بيتا ) في موضع حراض من وادي نخلة الشامية على يمين الطريق الصاعد من مكة الى العراق . ورغم ما تقوله النصوص من ان العزى كان اعظم الأصنام عند قريش فالذي يفهم من الابتهالات التي كانت تقولها قريش عنده مثل :
{ واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فانهن الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى }
أنه كان يأتي بعد اللات وقبل مناة ، وهذا ما تؤيده الآية التي تقول :
” أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى …الخ الآية الكريمة . ولكنه لما كانت اللات في الطائف عن بني ثقيف فلا بأس من أن يصبح العزى – وهو اله ذكر رغم الاشارة اليه بالمؤنث في رواية ابن الكلبي الذي يذكر انها شيطانة ايضا – أعظم آلهة قريش الذين جعلوا شعبه في واد حرما يضاهون به حرم الكعبة ، فكانت أشجاره مقدسة لا يجوز قطعها أو الاعتداء عليها ، وخاصة تلك السمرات الثلاث ببطن الوادي حول بيت العزى .
وكانت قريش تزور بيت العزى حيث تقدم الهدايا وتتقرب عنده بالذبح في المنحر الذي كان يسمى بـ ” الغبغب ” ، وكانت لحوم الهدايا تقسم بين الحاضرين . وفي الغبغب يقول قيس بن الحدادية الخزاعي :
تلينا ببيت الله حلفة والا فأنصاب يسرن بغبغب (1).
وكان سدنة العزى من بني شيبان بن جابر بن مرة من بني سليم ، وكان آخر سدنتها منهم ذبية بن حرص السلمي الذي قتله خالد بن الوليد عندما بعثه الرسول عام الفتح الى بطن نخلة لهدم البيت وكسر الصنم وقطع الأشجار التي كان يعتقد ان شيطان العزى يحل فيها .
أما عن الكعبة التي صارت أعظم بيوت الأصنام في بلاد العرب ، والتي يشبهها الباحثون والمحدثون ” بالبانتيون ” أشهر معابد الآلهة في روما القديمة ، فكان أعظم الآلهة التي في جوفها هو ” هبل ” . وكان صنم هبل على صورة الانسان مكسور اليد اليمنى . ولا ندري مقدار صحة ما يقال من أنه كان من عقيق أحمر ، وأن قريش جعلت له يدا من ذهب ، وذلك ان المعروف هو أنه جعل بعد الفتح عتبة لباب المسجد الحرام حتى توطأ بأقدام الداخلين الى المسجد والخارجين منه ، مما يوحى بأنه كان صخرة عظيمة . امام هبل كانت القداح التي يضرب بها من أجل الاستخارة .
وحول الكعبة كانت تقف أصنام أخرى مثل ” أساف ” و ” نائلة ” ، وهما على صورة رجل وامرأة ، وقيل أنهما مسخا حجرين لفجورهما بالكعبة . وكان أحدهما ملاصق للكعبة والآخر عند بئر زمزم . والذي يفهم من النصوص ان كثيرا من هذه الأصنام لم تكن تكسر فقط بل كانت تحرق ، مما يدعو الى الظن أن بعضها كان من الخشب ، ان لم يكن المقصود بالاحراق ما كان عليها من الملابس والزينة . هذا كما يمكن ان يكون المقصود بالاحراق هو أن مصيرها النار وكذلك من يعبدها .
طقوس عبادتها :
اما عن طقوس العبادة فكانت تتمثل في الدوار حول الأنصاب الذي أخذ من الطواف حول الكعبة ، وفي زيارة الأصنام أو الحج اليها ، وتقديم الهدايا لها ، من : الطعام والثياب والحلي والسلاح ، كما كانت تقرب عندها القرابين من الذبائح ، وخاصة عند استخارتها في المور الشخصية من : الزواج والنسب والسفر ، وفي الأمور العامة عند التضرع للاستسقاء وقت القحط أو لطلب النصرة في الحرب ، وهي الأمور التي كانت تتم عن طريق ضرب القداح الذي يعرف أيضاً بالاستقسام بالازلام .
وكانت الذبائح تنحر عند الصنم على البئر الذي يوجد أمامه من أجل أن يراق فيه الدم ، أو على الصخرة التي تمثل المذبح والتي اعتبرها الكتاب وكانها الصنم نفسه ، حسبما وصفوا بعض الأصنام بالصخور كما تقدم . ورغم أن المستفيدين من الهدايا كانوا سدنة الصنم من غير شك ، فالظاهر ان التقرب بالذبائح كان من المناسبات الاجتماعية المحمودة ، اذ كانت تفرق لحوم الذبائح على الموجودين عند المعبد ، مثلما كان يحدث عند العزى . ولهذا كان الفقراء من العرب ، وخاصة في أيام الشدة يتوجهون الى بيوت الأصنام هذه طلباً للطعام من ألئك الوافدين اليها بالهدايا . فعندما كانت قضاعة ولخم وجذام وأهل الشام يحجون الى ” الأقيصر ” كانت عادتهم عندما يحلقون رؤوسهم عنده أن يلقوا الدقيق فوق الشعر . وكان الفقراء من هوازن يسرعون الى هناك قبل رمي الدقيق ويطلبونه عطية من الحجاج ، فان فات الرجل منهم ذلك ” أخذ ذلك الشعر بما فيه القمل والدقيق ، فخبزه واكله ” (1).
أما عن الضرب بالأقداح أو الاستقسام بالازلام فيقول أن الكلبي في كلامه عن هبل ، أنه كان قدام الصنم سبعة أقداح : منها ما هو خاص بصحة نسب الأبناء ، ومكتوب فيه ” صريح ” ، وبمن لا تصح نسبته ومكتوب فيه “ملصق ” ، ومنها ما هو خاص بالموت وما هو خاص بالزواج وغير ذلك . فكان طالب الاستخارة يبدأ بتقديم الهدية ثم تضرب القداح بمعرفة السدنة على ما يرجح . وهذا ما فعله عبد المطلب عندما ضرب بالقداح عند هبل على ابنه عبد الله والد النبي ، كما سبقت الاشارة . ومثل هذا ما ينسب الى امرئ القيس من انه استقسم بالازلام عند ذي الخلصة ، وهو يطلب بثأر ابيه ، فخرج السهم ينهاه عن ذلك ، فحطم القداح وألقاها في وجه الصنم ، وقال :
لو كنت ياذا الخلصة الموتورا مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
والظاهر ان سدنة بيوت الأصنام كانت لهم أساليب خاصة وحيل في اقناع زوارهم بما يريدون أو بما تريده الآلهة . اذ تذكر النصوص ان الناس كانوا يكلمون في هذه البيوت ، مثلما كان يحدث في ريام ، بيت حمير ، كما كانوا يسمعون في أجواف الأوثان همهمة ، أو ما يذكر عن المراة الحبشية العريانة المنفوشة الشعر والتي تصرف بأسنانها ، ونظن انها المقصودة بشيطانة العزى .
وكانت بيوت الأصنام هذه لها حرمتها عند العرب . فصنم طيء المعروف ” بالفلس ” كان لا يأتيه خائف الا أمن عنده ، ولا يطرد طريدة فيلجا بها اليه الا تركت له ولم تخفر حويته ( أي لم يؤخذ ما احتواه أو ما استولى عليه ) . وفكرة الأمن لدى بيت العبادة حتى للمطلوبين من قبل العدالة مقبولة ، كما هو الحال بالنسبة لتحريم القتل والقتال في الأشهر الحرم. ولكن استباحة ما للغير هناك أمر قد لا يكون كذلك فلقد استغل هذا المر آخر سدنة الفلس من بني بولان وهو صيفي فكان يطرد الطرائد . وذات مرة اطرد ناقة حلوبا لامراة من كلب وساقها الى فناء بيت الصنم على انها في الحرم . وعندما خرج في أثره جار المرأة وهو ” مالك بن كلثوم ” الجشمي بعد أن استصرخته ، وطلب الناقة الموقوفة عند الفلس ، قال له السادن : انها لربك ، وعندما هدده مالك بالرمح قال له : اتخفر الهك . ولما حلّ مالك عقال الناقة وانصرف بها ، رفع السادن يده وأشار نحوه بيده وهو يطلق لعنة الاله عليه ، كما كانت عادة الشعراء . وفزع من كان عند الفلس ومنهم عدي بن حاتم الذي كان ينحر ذبيحة هناك ، وانتظر ما يصيب مالكا من الأذى ، فلما لم يصبه شيء ، رفض عدي عبادته وعبادة الأصنام وتنصر . فلم يزل متنصرا حتى جاء الاسلام فأسلم . ولقد ترتب على ذلك ان كان السادن اذا طرد طريدة بعد ذلك أخذت منه (1).
وقريب من عادة تحريم ما يدخل في دائرة بيت الآلهة من حيوانات الطرائد ، ما سنه لحي بن حارثة ، أول من نشر عبادة الأوثان بين العرب من النذور بالحيوانات التي تترك حرة طليقة لا يجوزمها . فلقد لا سيب السائبة ، ووصل الوصيلة ، وبحر البحيرة وحمى الحامية . فالسائبة هي الناقة التي تترك ترعى ولا يحمل عليها بعد أن ينذر ذلك اثر الشقاء من المرض أو العودة من السفر . اما الوصيلة فهي الناقة أو الشاة تنتج عشرة بطون فتترك حرة ترعى ولا تذبح . اما البحيرة فهي وليدة البطن الخامسة من الابل التي تشق أذنها ولا يجز وبرها ولا يحمل عليها ، ويحرم لبنها ولحمها على النساء . ومع أن الاستاذ جواد علي يقول أن الحامية مثل الوصيلة ، فاننا نود الاشارة الى أن الحامية يمكن ان تكون الطريدة التي تدخل في حرم بيت الأصنام (2).
ومع أن تبجيل الأصنام بين القبائل كان متبادلا في الحجاز بين قبائل مكة ويثرب والطائف ومن قاربهم من العرب ، فقد كانت قريش تعظم اللات الهة ثقيف في الطائف ، ومناة الهة هذيل وخزاعة ، في ساحل تهامة المقابل لمكة والمدينة ، والتي كانت تعظمها الأوس والخزرج أكبر اعظام ، فمن الواضح أن القرشيين نجحوا ، بفضل نشاطهم ، في اجتذاب القبائل الأخرى نحو بيتهم في مكة حتى أصبحت الكعبة قبلة العرب جميعا في موسم الحج . ونحن نرى أن بداية ذلك تظهر فيما كانت تقوم به الأوس والخزرج من الربط بين الحج الى الكعبة وبين زيارتهم لمناة . فقد كان اهل يثرب ( المدينة ) يحجون الى الكعبة فيقفون مع الناس المواقف كلها ، ولكنهم لا يتمون حجهم الا عند مناة حيث يحلقون رؤوسهم بعد النفر .
ورغم أن شان الكعبة كان يسمو شيئا فشيئا مع مرور الوقت ، فقد كانت عبادة الأصنام قد تدهورت بشكل مؤسف . فبعد أن كانت الوثان وسيطة أو شفيعة بين الناس وبين الله ، وذلك ما يظهر من قسم أوس بن حجر الذي يقول فيه :
وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله ، ان الله منهم أكبر
أصبحت تعبد لذاتها ، كما ان سدنة معابدها انحطوا بحيلهم وألطافهم التي لم تكن تسمح بان تكلم الأصنام الزائرين ، بل كانت تسمح لبعضهم مثل ” صيفي ” سادن فلس بالاستيلاء على ابل ضعفاء الناس مدعيا بأنها هدايا الآلهة ، وبأنه لا يجوز استردادها لأن الاله لا يخفر . وهكذا لم تعد عبادة الأصنام ترضي عددا – كان يزداد مع الوقت – من أصحاب العقل والضمير من رجال العرب الذين اخذوا ينظرون في الوجود ويتأملون في مصير الانسان . وانتهى المر ببعضهم مثل : زيد بن عمرو بن نفيل الى التأله ( أي العودة الى الله ) – في الجاهلية – وترك عبادة العزى وعبادة غيرها من الأصنام . وفي ذلك يقول :
تركت اللات والعزى جميعها كذلك يفعل الجلد الصبـور
فلا العزى أدين ولا ابنتيهـا ولا صنمي بني عنـم أزور
ولا هبلا ازور وكان ربـا لنا في الدهر اذ حلمي صغير
وكذلك ” عدي بن حاتم ” الذي ترك عبادة الفلس وعبادة الأصنام ، وتنصر الى ان جاء الاسلام فأسلم .
وهكذا وجدت طائفة الحنفيين من المتحنثين الذين تركوا عبادة الأصنام ، وتقربوا الى الله ، ، ودعوا الناس الى الخير ونهوهم عن فعل الشر ، وان بقوا متمسكين بتعظيم البيت “على ارث ابراهيم واسماعيل ” . وكان من هؤلاء عدد من حكماء العرب ، مثل : قس بن ساعدة ، وحنظلة بن صفوان ، وعبد الله بن جحش ، وامية ابن ابي الصلت ، كما يذكر من بينهم ورقة بن نوفل ، ولو أنه يقال أنه كان على دين النصرانية .
وفكرة أن اليهودية والنصرانية كان لها أثرها في تهيئة العرب لتقبل التوحيد الاسلامي لا بأس بها ، فمن المعروف أن الاسلام ظهر كتكملة لكل من اليهودية والمسيحية .
اليهودية في بلاد العرب :
لما كانت بلاد الشام هي مهد اليهودية لم يكن من الغريب أن تعرف بلاد العرب تلك الديانة منذ أقدم العصور ، وكان من الطبيعي أن تبدا بمعرفتها تلك الأقاليم المتحضرة من بلاد العرب ، التي كانت لها علاقات اقتصادية وسياسية بالعالم الخارجي . فالمفروض أن مصر – حيث نشأ موسى – هي الأرض التي نشات فيها أفكار التوحيد اليهودية الولى ، وفي ذلك يشير البعض الى توحيد اخناتون الممثل في عبادة اله واحد هو الشمس ، كما يشير البعض الى أن موسى ربما كان مصريا . اما العراق فقد عرفت اليهودية منذ التوسع البابلي وحروب الآشوريين في الشام وخاصة منذ غزو ” نبوخذ نصر” الذي جعل – بفضل الاسر البابلي – من العراق المهد الثاني لليهودية. كما عرفت اليمن اليهودية منذ القرن الرابع الميلادي وأصبحت ديانة البلاد الرسمية . وتقول هذه الديانة قد استقرت منذ استقرت منذ عصور قديمة .
وتقول الرواية أن ملك اليمن ثبان اسعد ابو كرب كان قد خرج لحرب الأوس والخزرج بالمدينة يثرب ، وأنه أراد خراب المدينة فمنعه حبران من اليهود من ذلك ، وأقنعاه بما للمدينة من حرمة ، ” وأنها مدينة النبي ” ، مما يمكن أن يعني انهما نجحا في اخاله في ديانتهما . وعندما عاد الملك الى بلاده اصطحب الحبرين معه ، وأعلن ترك عبادة النار التي كانت تعبدها “حمير ” ، وان اليهودية هي ديانة البلاد . وتضيف الرواية أنه عندما غضب قومه لخروجه على دينهم ثم الاحتكاك الى النار التي كانت تحكم بينهم ، فلم تؤثر في الحبرين شيئا ، وبذلك تأكدت اليهودية منذ أيام سليمان ، اذا صحت قصته مع بلقيس .
اما عن دخول اليهودية الى الحجاز ويثرب فترجعها بعض الروايات الى عصور قدم من ذلك ، الى أيام موسى أو داود وغزوهم للعماليق . ويرى البعض أن اليهود اقاموا في الحجاز منذ ايام ” بنونيد ” او ” بخت نصر ” ، بمعنى أن اهل الحجاز عرفوا اليهودية عن طريق العراق ، وكان اليهود قد انتشروا من العراق في بلاد العرب الشرقية وتاجروا مع اهلها . وتشير الاخبار الى أن ” عمرو بن مضاض الجرهمي ” صاحب مكة كان يستقبل التجار الاسرائيلين الذين كانوا يأتون له بالدر والياقوت ، وأنه عاقب أحدهم عندما ” غيب عنه عتيق ما معه ” فأخذ ما كان معه ، ورد الاسرائيلي على ذلك بأن سرق التاج الذي الذي كان معلقا في البيت العتيق وحمله الى البيت المقدس ، فكان ذلك بأن سببا في تلك الحروب التي قامت بين جرهم والعماليق وبين الاسرائيليين وحلفائهم من الروم .
ورغم أن قصة هرب اليهود بعد غزو “بخت نصر ” من فلسطين والتجاهم الى الحجاز حيث استقروا في يثرب خاصة لا بأس بها ، كما يقول جواد علي ، فان الأكيد تاريخيا هو أن فرارهم من فلسطين يرجع الى غزو الرومان ما بين سنة 70 و 132 م ، ولا بأس من أن تكون جماعات منهم قد اتجهت نحو الحجاز حيث استقرت في بعض نواحيه ، وخاصة في يثرب . ومع مرور الوقت تأثرت جماعات من العرب بديانتهم ودخلوا فيها ، وخاصة ما بين الأوس والخزرج . فإلى جانب يهود يثرب الأصليين من بني قينقاع وبني النظير وبني قريظة تذكر النصوص يهودا من بني عكرمة وبني ثعلبة وبني زيد (1).
والروايات العربية تجعل سكنى اليهود في يثرب أقدم فعلا من سكني الأوس والخزرج الذين كانوا من بطون الأزد التي خرجت في الهجرة الكبرى من اليمن بقيادة عمرو بن عامر الملقب بمزيقيا . والتي انتهت بين جفنة الغساسنة الى الاستقرار في الشام . فعمرو مزيقيا. اذن هو جد الأنصار ، سلالة حفيد حارثة بني ثعلبة الذين رجعوا من الشام الى يثرب ، ولكنهم ظلوا على صلة وثيقة بابناء عمومتهم في الشام ، فكانوا يساعدونهم في حروبهم ضد الروم ، ويطلبون منهم المساعدة ضد يهود يثرب . وكان الأزد يسكنون في ظواهر المدينة في أول المر اذ تقول الرواية العربية ، ان ملك يهود يثرب وهو ” شريف بن كعب اليهودي ” طلب منهم عهدا مكتوبا ينص على ” أن اليهود لغسان حاضرة وغسان لليهود بادية ” (2)، ووافقت غسان على ذلك . اما عن سيطرة غسان على المدينة يثرب نفسها فترجع الى تدبير مكر جذع بن سنان ، صعلوك الأزد وفاتكهم ، الذي انتهز فرصة خلاف قام بين تاجر يهودي ورجل من غسان ، فثارت غسان باليهود ، وانتهت السوق وقتلوا من فيه ودخلوا المدينة . وانتهى الأمر بالصلح على أن يسكن الأزد مع اليهود في يثرب ويجاورهم ، وهكذا ” نزلت الأوس والخزرج بيثرب وسكنوا فيها ” (1).وفي استيلاء اليمنية على يثرب ، ينسب الى بعض الشعراء من آل أسعد بني ملكيكرب تبع أنه قال :
وقد نزلت منـا خزاعـة منزلا كريما لدى البيت العتيق المستّر
وفي يثرب منـا قبائل ان دعوا أتوا سربا من دارعين وحسّر
هم طردوا عنها اليهود فاصبحوا على معزل منها بساحة خيبر (2)
واذا صح هذا فلا يكون خروج يهود يثرب الى خيبر على أيام الرسول اول خروج لهم ، بل تكون يثرب هي المركز اليهودي الذي انتشروا منه في شمال الحجاز .
وبذلك ذل اليهود في المدينة يثرب ، وصاروا يستجيرون بالأوس والخزرج ، كما كان بعضهم يقف الى جانب الأوس والبعض الى جانب الخزرج في الحروب التي كانت تقع بين الحيين . ففي يوم بغاث وهو آخر الأيام بين الأوس والخزرج قبل البعث ، كان يهود بني قريظة وبني النضير حلفاء للاوس . ويرى بعض الكتاب أن قريظة والنضير من طبقة اليهود المعروفين بـ ” الكاهنين ” لأنهم من أشراف اليهود الذين ينتسبون الى جدهم الكاهن الذي يقال أنه هارون أخو موسى هذا ولو أن بني النضير كانت لهم مكانة اسمى من بني قريظة عند ظهور الاسلام . فقد كان بنو النضير يؤدون الدية كاملة لشرفهم في يهود بينما كان بنو قريظة يؤدون نصف الدية ، كما تقول النصوص وعلى العكس من ذلك كان الرجل من بني قريظة اذا قتل رجلا من بني النضير قتل به ، واذا قتل رجل من النضير رجلا من بني قريظة أدى مائة وسق من تمر (1) ولهذا يرجحون ان يكون بنو قينقاع من أصل عربي متهود ، مثلهم في ذلك مثل من تهود من بطون العرب،مثل:بنى الحرمان من اليمن، وبنى مرتد من بلى،ويهود بني معاويه من بني سليم .
أما عن منازل اليهود في المدينة عندما دخلها النبي ، فكان بنو النضير يقيمون في وادي بطحان من أودية يثرب التي تكثر فيها المياه ، وكانت لهم فيه حصونهم المعروفة بالآكام ، وسط حدائقهم الغنية . وكان من سادتهم وقتئذ ” حيي بن اخضب وكنانة بنت الربيع ” كما كان منهم الشاعر ” كعب بن الاشرف ” الذي ناصب النبي العداء حتى قتله المسلمون عندما يأسوا من استصلاحه (2). وكان لبني قريظة حصون وآبار ومنهم محمد بن كعب القرظي ، والزبير بن باطان ، وعزاز بن شمويل .
أما اهم مراكز اليهود بعد يثرب فكانت خيبر التي لجا اليها المطرودون من المدينة من اليهود . وعلى أيام الهمداني كان بخيبر ” قوم من يهود وموال وخليط من العرب ” (3).وقيل ان اسم خيبر عبراني يعني الحصن ، والظاهر أن ذلك كان بسبب ما بها من الحصون أو الاطام التي بلغ عددها سبعة ، وكان منها : القموص وهو احصنها ، وناعم ، والشق والسلالم . وقيل أن اسم المدينة يعني بالعبرانية الطائفة أو الجماعة بمعنى طائفة اليهود التي استقرت هناك بعد خراب الهيكل ، كما يرى البعض (1) . والمنطقة عرفت بمياهها الكثيرة وتخيلها التي تنتج أنواعا جيدة من التمر ، مثل البردى الذي يضاهي في الجودة تمر المدبس المعروف في اليمن (2).
ومن مراكز اليهود في شمال الحجاز تيماء التي عرفت بتيماء اليهود ، والتي اشتهرت بكثرة تخيلها وحدائقها المحاطة بالجدران . وفي ذلك يقول امرئ القيس :
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ولا أجما الامشيدا بجندل (3)
وفيها كان حصن السموأل المشهور المعروف بـ ” الابلق الفردي ” ، والذي ربما كان من بقايا القصور القديمة ، كما يقترح جواد علي (4).وفي هذا الحصن ينسب للسموأل قوله :
وهو والأبلق الفرد الذي سار ذكره يعز على من رامه ويطول
وللسموأل الذي كان شاعرا والذي ضرب به المثل في الوفاء :
اذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل (5)
ومن مواضع اليهود في شمال الحجاز : فدك ، وكان صاحبها يوشع بن نون عندما ظهر الاسلام ومنها : وادي القرى حيث غزاهم الرسول سنة 7هـ .
ولقد كان للطائف يهودها الذين ذهبوا اليها من يثرب وعملوا في التجارة والربا ، كما كان لليمن يهودها غم انتشار المسيحية فيها .
وهكذا كان اليهود ينتشرون في جزيرة العرب قبيل ظهور الاسلام ، وكانت أهم مراكز في يثرب المدينة من حيث انتشروا في مدن الحجاز وواحات الشمال . وكانوا يشتغلون بالتجارة والربا والصناعات ، كما اشتغلوا بالزراعة التي أحاطوها بالاسوار وحموها بالحصون .
النصرانية في بلاد العرب :
والى جانب اليهودية عرف العرب النصرانية التي كانت منتشرة بين جزء كبير من اهل الحيرة ، وخاصة بين الجماعة التي عرفت بالعباد ، كما كان هناك عدد من الكنائس والأديرة التي اشتهرت بين العرب . أما عن ملوك الحيرة فقد ظلوا مدة طويلة على الوثنية اذ لم كان أول من تنصر منهم هو ” النعمان ابو قابوس ” ، وذلك قبل قليل من نهاية القرن السادس الميلادي . ويرى ” جويدي ” أنه لما كان ملوك الحيرة تابعين للساسانيين فقد كان من مصلحتهم أن يبقوا ملاحدة وذلك أن الدخول في المسيحية كان يعني في نظر ملوك الفرس الانحياز الى البيزنطيين (1). وعلى هذا الاساس يفسر دخول ملوك الحيرة في المسيحية على المذهب النسطوري الذي كان محرما في بيزنطة .
وقبل ان يتنصر ملوك الحيرة كان بعض أفراد عائلتهم قد دخلوا في المسيحية ، والمثل لذلك عند زوجة المنذر الثالث التي بنت ديرا وكنيسة ، بقي منها النقش التأسسي الذي يقول ، على وجه التقريب :
(( هذه الكنيسة شيدتها هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر ، الملكة وابنة الملوك ، وأم الملك عمرو بن المنذر ، خادمة المسيح ، وأم خادمه ، وابنة خادمه ، على عهد ملك الملوك كسرى انوشروان ، وكان ” افرم ” أسقفا للمدينة )) .
ومثل هذا يمكن أن يقال عن المسيحية في مملكة غسان ، وكان الغسانيون قد تنصروا قبل المناذرة بفترة طويلة ، كما أنهم تمسكوا بمذهبهم اليعقوبي ( الارثودكسي ) عن قناعة وليس لأغراض سياسية .
ولقد كانت الاحتفالات الدينية المسيحية وملابس القسس الزاهية والاحتفالات بالاعياد ، مما كان له أثره في نفوس العرب فسجله شعراؤهم . وفي ذلك يصف النابغة ، بمناسبة ذكر الغسانيين ، أحد السعف فيقول :
محلتهم ذات الالـه ودينهـم قويم فما يرجون غير العواقب
رقاق النعال ظيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
وكان هناك شأن لصور الايقونات والتماثيل التي سماها العرب بالدمى ، ومفردها دمية ، وهي الكلمة الآرامية الأصل والتي تعني ” الشبه أو الصورة ” كما يسجل ذلك جويدي (1) . وفي ذلك يقول امرؤ القيس :
او دمية من مرمر مرفوعة بنيت بآجر تشاد وقرمد
كما يقول الشاعر عبد الله بن عجلان في ذكريات شابة نبيلة الجمال :
قد طال شوقي وعادني طربي من ذكر خود كريمة النسب
غراء مثل الهلال صورتهـا ومثل تمثال بيعة الذهب
وهذا يفسر كيف أن عددا من قبائل العرب كان قد دخل في النصرانية منذ وقت طويل قبل الاسلام ، مثل قبائل : تنوخ في منطقة قنسرين ( الذين دعاهم ابو عبيدة الى الاسلام فأجاب بعضهم ) ، وبهراء في الشام أيضاً ، واياد في الشام والجزيرة وسواد العراق . ومن بين العرب المتنصرة في الشام الى جانب غسان : سليح وعاملة ولخم وجذام . أما في العراق فكان من العرب المتنصرة : تغلب وبنو عجل بن لجيم من بكر بن وائل .
اما عن اديرة الحيرة وبيعها فمنها :
ديارات الاساقف بالنجف ظاهر الكوفة ، ودير الأعور الذي بناه رجل من اياد في نفس المنطقة ، ودير بني مرينا بظاهر الحيرة والذي ذكره امرؤ القيس بمناسبة مقاتل الكنديين من آله ، ودير عبد المسيح بظاهر الحيرة والذي ينسب الى عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة ، ودير اللج الذي بناه النعمان بن المنذر ابو قابوس . وكان ” النعمان ” يركب في كل أحد اليه وفي كل عيد ، ومعه اهل بيته ، خاصة من آل المنذر ، عليهم حلل الديباج المذهبة ، وعلى رؤسهم أكاليل الذهب ، وفي اوسطهم الزنانير المفصصة بالجواهر ، وبين أيديهم اعلام فوقها صلبان ، واذا قضوا صلاتهم ، انصرفوا الى مستشرفة على النجف ، فشرب النعمان وأصحابه فيه بقية يومه ، وخلع ووهب ، وحمل ووصل ، وكان ذلك أحسن منظر وأجمله . كما يقول البكري في كتابه معجم ما استعجم (1) . هذا كما كان للجيرة الفراتية اديرتها وللشام اديرته .
واذا كان حال المسيحية كذلك قبل فترة طويلة نسبيا من ظهور الاسلام ، لم يكن من الأمر المستغرب أن يكون أهل الحجاز قد عرفوا النصرانية عن طريق تلك البلاد التي كانت لهم بأهلها علاقات تجارية وثيقة . فرغم أن يثرب كانت مدينة اليهودية ، فالظاهر أنه كان بها بعض النصارى ، ويمكن أن يكون ما قاله حسان بن ثابت في رشاء النبي قرينة على ذلك ففيه :
خرجت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد
وفي نصارى يثرب يقال أنهم كانوا يسكنون في موضع منها يسمى بسوق النبط ، وأن أبا عامر الراهب ، وهو من أهل يثرب ، فر من المدينة الى مكة بعد الهجرة ، وبصحبته عدد من رجال الأوس الذين كان قد نصرهم على ما يظن (1).
اما عن مكة فقد كانت بها جماعات من النصارى ، منهم جماعة الأحبايش ، وهم من سودان ان الحبشة الوافدين منهم من اليمن ، وكان منهم العبيد والعمال والتجار والمرتزقة من الجند ، وكانوا يملأون شعاب ( احياء ) مكة وأحياءها . ورغم ما يقوله الكتاب من أن بعض القرشيين قد تنصر ، فالظاهر انهم يقصدون بذلك المحنثين أو الحنفاء ، مثل ورقة بن نوفل ، اذ الواضح أن نصارى مكة كانوا من غير ابنائها وخاصة من الأحباش ، والأحابيش الذين كانوا يكونون فرقة من المرتزقة (2) . فقد كان لمكة علاقات تجارية نشطة مع الحبشة ومع نجران التي يصفها ” لامانس ” بأنها كانت جمهورية مسيحية . فبعد البعث كان نصارى نجران يحضرون الى مكة لمناقشة الرسول ، وذلك اثناء مواسم التجارة في اسواق عكاظ وذي مجازر ، في الشهرين السابقين على الحج (3).
ومن بين من عرفوا بمكة بأنهم نصارى نسطاس أو انسطاس ، مولى صفوان بن أمية القرشي ، مينا أو مناس الذي لا ينتسب الى قبيلة من القبائل . ومن أشهرهم حنا أو يوحنا عيد ” صهيب بن سنان الرومي ” وصهيب هذا كان من أوائل المسلمين الذين هاجروا من مكة الى المدينة مضحين بأموالهم للقرشيين . وكان من نصارى مكة نسطور الرومي وابنه جعفر الذي دعا له الرسول بطول العمر . والحقيقة أن المبشرين والرهبان كانوا يترددون على أسواق العرب في عكاظ وفي ذي المجاز ، ومن المعروف أن قس بن ساعدة الذي قيل أنه من الحنفية وأنه من النصارى كان يدعو في سوق عكاظ . ومن الرهبان من كان يقوم الى جانب الدعوة بأعمال الطب والعلاج .
وكان تجار الشام من الأنباط ياتون الى مكة وهم يحملون الحبوب والزيت والنبيذ ، ولما كان هؤلاء من النصارى فمن المقبول أن يعرفوا بعض الناس بديانتهم .
وكان في الطائف أيضا عدد من العبيد والعمال من النصارى ، ومن أشهرهم عداس وهو عبد عتبة بن ربيعة الموي ، وهو الذي أحسن استقبال النبي عندما ذهب يعرض نفسه على الطائف . ونجد في كتب السيرة ذكر الكهان ، مثل الكاهن المسيحي مأمون بن معاوية الذي كان من أعلم الناس بالنجوم ، والأسقف الذي كان يجادل عبد المطلب عند اقدام الكعبة . ومع انه من المعروف ان ورقة بن نوفل قريب السيدة خديجة ، كان قد تحنث وتحنف أو تأله أو ترهب ، فهناك روايات تطلق عليه اسم ” القس ” وتقول أنه كان قد تنصر واستحكم في النصرانية .
ومن بين الموالي والعبيد الذين يعملون في مكة في مختلف المهن من النجارة والحدادة والتطبيب ، كان البعض يعرف اليهودية والنصرانية مثل : جبر أو يسار ، مولى بني مخزوم ، الذي كان يصنع السيوف وكان النبي يمر عليه وهو يقرأ التوراة والانجيل فيقف ويسمع . ولقد ادعى أهل مكة ان النبي كان يستوحي رسالته منه ، فكان الرد عليهم ان لسان الذي يشيرون اليه أعجمي ، كما تقول الآية : ” ولقد نعلم أنهم يقولون انما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون اليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين ” (1). وينسب لامانس عدم ملاحظة اصحاب السلطة في مكة من ” الملأ ” ومن اهل ” دار الندوة ” . وجود الرهبان في الأسواق أو التبشير بالمسيحية بأن الاجانب من النصارى الذين يمثلون طبقة العمال والمالي والعبيد كانوا يعيشون في شعاب مكة خارج المدينة أو يظاهرها بينما كان القرشيون الخلص يعيشون داخل المدينة في البطاح . كما يرى ان العرب لم يكونوا يعرفون التعصب ، وان فكرة أن الأجانب نجس هي من أفكار التلموذ (2).
والى جانب ذلك كان نصارى بلاد بلاد العرب يبجلون الكعبة ويقومون بزيارة مكة ومنى ومواقف الحج موفقين بذلك بين ديانة العرب ومسيحيتهم ، مدفوعين بمصالحهم التجارية . ولا بأس من انهم كانوا يشاركون اخوانهم العرب في مناسك الحج ، طالما كانوا يحضرون المواسم ، ولو ان لامانس يقول أن لا يوجد دليل على ذلك . ويريد أن يفرق بين المواسم والمناسك ، فالمواسم – في رأيه – هي التي تحتوي على العمليات التي تتم في السوق التجاري ، والمناسك هي التي تحتوي على المراسم الدينية .
هكذا عرفت بلاد الحجاز كلا من اليهودية والنصرانية ، وان كانت مكة قد عرفتها في نطاق محدود بين الاجانب المقيمين في أطرافها بينما لم تعرفهما قريش الا على المستوى الفردي ، وفي نطاق حركة التحنث أو التحنف التي عرفت أيضا باسم التأله والترهب .
والحقيقة ان وجود ديانتي التوحيد في مهد الاسلام لا يعني أن البلاد كانت مهيأة لتقبل الدعوة المحمدية ، دعوة التوحيد ، وذلك أن الصعوبات الشديدة التي لقيها النبي والمجهودات المصينة التي بذلها في سبيل الدعوة ، تبين أن المر كان على العكس من ذلك . فالنبي لم يلق المعاضة فقط من تجار قريش الذين كانوا لا يهتمون الا بمكاسبهم المادية ، ولا من رجال الذين ، سدنة الكعبة ، الذين لا يهتمون الا بالمحافظة على مركزهم الممتاز في مكة ، وبما كانوا يحصلون عليه من النذور والهدايا ، بل انه عندما هاجر الى المدينة يثرب وجد ، على عكس ما كان يظن ، عداء مرا من جانب جماعات اليهود هناك .
وفي اول المر كانت العلاقة طيبة بين النبي وبين اليهود اذ ” وادع اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة شرط فيه لهم وعليهم ” . ومع انتشار الاسلام بين الأوس والخزرج بدأ موقف اليهود يسوء حتى أن بعضهم ” تعوذوا بالاسلام وهم يبطلون الكفر ” منهم : سعد بن حنيس وزيد بن اللصيت ورافع ابن خزيمة ورفاعة بن زيد بن التابوت وكنانة بن خبورا .
وساءت العلاقة عندما بدا اليهود يجادلون النبي في اخبار الأنبياء ، ثم عندما حاولوا احراجه بطلبهم المعجزات ، وكان على رأسهم ” كعب بن الأشرف ” الذي كان ابوه من طيء وامه من يهود بني النضير ، الذي لم يكتفي باثارة الفتنة في المدينة ، بل أخذ يؤلب المكيين بعد هزيمتهم في بدر حتى أمر الرسول بقتله وهو في حصنه . فكان مقتله نذيرا بما سيلحق الكفار جميعا ومنهم يهود المدينة جميعا ، من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة.
ومن زعماء اليهود الذين قاوموا الاسلام : حيي بن أخطب ، وسلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع ، والزبير بن باطا بن وهب ، وعزال بن شمول . اما الذين دخلوا في الاسلام منهم فكان قلة ،منهم : عبد الله بن سلام وهو من بني قينقاع وكان اسمه الحصين قبل اسلامه ، واليه نسب الاخباريون اقوالا مما يوجد في كتب التفسير والحديث . ” ويوسف بن عبد الله بن سلام ” الذي يعد من الصحابى ، ويامين بن عمير بن كعب ، من بني النضير . وكعب ابن سليم القرظي ، من بني قريظة ، وهو والد محمد بن كعب القرظي .
ومن اشهر مسلمة اليهود ” كعب بن مانع ” الذي عرف بكعب الاحبار تعظيما لشانه لأنه كان عالما بالاسرائيليات التي ادخل منها الكثير في الاسلام ، وكذلك وهب بن منبه الذي يعتبر مرجعا أيضا في القصص الاسرائيلي .
حضارة العرب قبل الاسلام
العمارة
يتضح من هذا العرض السريع لتاريخ العرب قبل الاسلام أنه على عكس ما هو شائع من أن بلاد العرب هي بلاد العطش والقحط ، ومن أن العرب هم البدو ، دون غيرهم وهو الأمر الذي يصر عليه ابن خلدون ، وهو يقصد العرب فان بلاد العرب عرفت مواطن الخصب والرخاء ، كما في اليمن وتخوم العراق وبلاد الشام ، وأنه كان من العرب منذ العصور القديمة ، اهل الحضارة كما يوجد منهم البدو وأهل الصحراء – والأمر على ما هو عليه حتى اليوم .
ففي بلاد الحضارة عاش العرب منذ أقدم العصور في المدن عيشة حضرية راقية ، وخاصة في مدن اليمن من : صنعاء ( التي كانت تسمى في الجاهلية ” أزال ” ) ، وظفار ، وناعظ ، ومأرب ( ونجران ) ( وحضرموت ، ومعين ، وبراكش . وبلاد اليمن هي بلاد العمران والبنيان في كل العرب ، دون منازع ، ساعد أهل اليمن على ذلك جبالها التي تمدهم باحجار البناء المتينة وبأنواع الصخور الممتازة من الرخام والمرمر والجزع التي يكاد يصل بعضها الى مستوى الأحجار الكريمة .
وان بقايا قصور اليمن القديمة التي وصفها الهمداني منذ أكثر من ألف عام لخير دليل على ذلك ، وصنعاء – عاصمة اليمن منذ أيام الهمداني وحتى الآن – توصف باعتدال هوائها ، وان كانت تميل الى البرد . والمهم أن بردها وحرها لا يضران :” وأن الرجل المسن يلبس اللباس الرقيق في الشتاء الشديد البرد وجمود الماء فلا يضره ذلك . وعلى العكس من ذلك فان لبس ثياب الصوف صيفاً بصنعاء لا يضر أيضاً . وفي ذلك يقول الهمداني : ” ويدخل الرجل الى منزله بحزيران ( يونيه ) ، وقد حره بدنه وتعب ، فيفتح باب خلوته ويكشف ستره ويدخل في فراشه فيبرد … لا ذباب ولا نامس .. وفي هذا الجو الحسن ” يمكث فيها القدر من اللحم بالخل الخاذق الشهر وأكثر”.
أما عن المطر فيها ففي الخريف وفي الربيع ، في أول آذار وفي آخر نيسان ولهذا تتوفر المياه بها فأقل منزل في منازلها فيها بئر واثنتان وبستان . وصنعاء لذلك احدى جنان الأرض ، بها الأبزار والثمار والفواكه ، وضروب الرياحين والزهور والورد وأجناس الطير .
ومعادن الجزع في اليمن وجدت في مواضع كثيرة ومنه : النقمى وبعض أصنافه نفيسة ، والجزع السماوي الذي يسمى العشارى – نسبة الى وادي عشار بالقرب من صنعاء ، والعقيق اليماني من ألهان ، والبقران النفيس الذي يكون الونا ، وهو بجبل أنس ، ويبلغ المثلث من فصوصه ملا – وهو أن يكون وجهه أحمر فوق عرق أبيض فوق عرق أسود ، والعرواني ، وهو أحمر بعرض أبيض . ومنه الحجر الجرتي الأسود والأخضر الذي تعمل منه نصب السكاكين . هذا و يوجد البلور في كل هذه المواضع .
غمدان
وأشهر قصور اليمن القديمة هو قصر صنعاء المعروف بـ ” غمدان ” الذي يعتبر أول قصور اليمن واعجبها وأبعدها حثيا . وفيه وفي صنعاء قال الهمداني :
أرض تخيرهـا سام وأوطنهـا وأس غمدان فيها بعد ما احتضرا
لا القيظ يكمل فيها فصل ساعته ولا الشقـاء يمسيهـا اذا قصـرا
وموضع القصر العجيب هو موضع جامع صنعاء ، وبئره هي التي كانت سقاية المسجد ايام الهمداني ، الذي يصف القطعة التي بقيت منه وقتئذ قبالة الباب الأول والثاني من أبواب الجامع الشرقية بأنها ” قطعة ذات خراب متلاحك ( متداخل ) عجيب . أما باقي القصر الخرب فهو تل عظيم كالجبل ، اذ كان البناء يتكون من عشرين طابقاً ( سقفاً) بعضها فوق بعض ، وارتفاع الطابق عشرة أذرع ، بمعنى أن ارتفاع القصر جميعاً – حسب رواية الهمداني – هذا كان يصل الى 200 ( مائتي ذراع ) . اما ياقوت في معجم البلدان ، فينص على أن البناء كان يتكون من 7 ( سبع ) طبقات ، ولو أنه يجعل ما بين السقف والذي يليه 40 ( اربعين ) ذراعاً فيكون مجمل الارتفاع 280 ذراعا ، وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه فنيا .
وفي وصف غمدان الذي كان يصعد في السماء لينطح السحاب والذي كان صخر بنائه متلاحما كانه قطعة واحدة ، كما تقول الروايات العربية عن ابنية مصر القديمة والذي كان يحوي أنواع الحجارة الثمينة من الجزع ، ويحمل في أركان قمته تماثيل النسور المصنوعة من النحاس والأسود ، يقول الهمداني :
يسمو الى كبد السماء مصعدا عشرين سقفا سمكها لا يقصر
من السحاب معصب بعملـه ومن الرخام منطق ومؤزر
متلاحكا بالقطر منه صخره والجزع بين صروحه والمرمر
وبكل ركن رأس نسر طائر أو رأس ليث من نحاس يزأر
ومما يلفت النظر تلك الساعة المائية التي كانت أوقات النهار ، وموضعها في صدر القصر ، وفيها يقول الهمداني :
متضمنا في صدره قطارة لحساب أجزاء النهار تقطر
ويصرف النظر عن الارتفاع الشاهق الذي ينسب الى قصر غمدان ، وتقول رواية الهمداني أن صاحبه بنى لنفسه غرفة عليها مربعة الشكل في قمته ، ذرع الجانب منها ” 12 ( اثنا عشر ) ذراعا ، وأنه كساها برخامة واحدة من النوع البلوري الشفاف ، وكا يتلقي على فراشه في الغرفة فيمر الطائر فيعرف به الغراب من الحدات من تحت الرخامة ” . وكان لغرفة راحة صاحب القصر هذه أربعة أبواب تقابل الاتجاهات الأصلية الأربعة حتى يستقبل منها مختلف الرياح من : الصبا ( الشرقية ) والدبور ( الغربية ) والشمال والجنوب . وكان فيها مقيل من الساج والابنوس يقضي فيه وقت القيلولة أو الظهيرة .
أما منظر القصر الذي بنى في القرن الأول للميلاد والذي كان موضع اهتمام ملوك حمير كل منهم يزيد فيه ، كما هو الحال بالنسبة للمباني العظيمة والتي تمثل عادة تواريخ اسر بأكملها ، والذي كان قد عاش حتى أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان حينما أخرب ” أكمل ما كان كما يدعى الهمداني ، فكان مربع الشكل من الخارج ” وكانت وجوهه الأربعة مبنية بالحجارة الملونة : ” وجه مبني بحجارة بيض ، ووجه بحجارة سود ، ووجه بحجارة خضر ، ووجه بحجارة حمر ” .
وينص جورجي زيدان على أنه كان يظن أن الهمداني يبالغ وصفه لقصور اليمن هذه ، كما هي عادة الكتاب العرب الذين انبهروا بالمباني القديمة ، حتى ذهب ارتوهاليفي وجلازر وشاهدوا آثار سد مأرب وما بقي من أنقاض بعض تلك القصور ، فوجدوا الرجل صادقاً في ما ذكر عنها ، فاعتقدوا صدقه في سائر ما قاله (1). أما عن تفنن عرب الجنوب في عمارتهم وحبهم استخدام الصخور الملونة في البناء ، فيشبهه جواد علي بحب عرب الشمال للشعر فيقول : ” اذا كان العربي الصحراوي قد عبر عن شعوره وعن خواطره بالشعر بنظمه أبياتا أو مقاطع أو قصائد … فقد عبر العربي الجنوبي عن مشاعره وخواطره بنوع آخر من الشعر المادي المتمثل في البناء وفي النحت والتصوير … ”
واشتهرت ظفار ( المعروفة بحقل يحصب ) بقصورها المشهورة من أشهرها قصر ريدان ، وفيه يقول علقمة :
ومصنعة بذي ريدان أسّت بأعلى فرع متلفة حلوق
وقصر شوحطان ، وفيه يقول علقمة أيضاً :
“ومثل سوحطان له قريم ” أي له نقوش ، والقريم منه القرام والمقرمة لنقشها كما يقول الهمداني . والظاهر أن القريم يمكن أيضاً أن تكون الرقيم ، وهو الاسم الذي أعطاه العرب لبطرا عندما شاهد وامن بقايا اطلالها ذلك البناء الذي يعرف ” بخزنة فرعون ” وهو البناء المنقور في الصخر الوردي والذي وجدت على واجهته نقوش وكتابات نبطية . ومنها القصر الذي عرفه العرب باسم كوكبان :
لأنه كان مؤزر الخارج بالفضة ( الجص ) وما فوقها أحجار بيض ، وداخله منطق بالعود والفسيفساء والجزع ، وصنوف الجواهر . قيل أن الجن ابتنته .
أما مدينة ظفار نفسها التي كانت تتبعها تلك القصور ، فكانت في سفح جبل بأعلى منطقة قتاب ، وينص الهمداني على أنه كان لها تسعة أبواب منها أبواب : ولاء والأسلاف ، وخرقة ، ومانة . وهو يصف رسوم صاحب ظفار ( ذي قار ) في حجابته واستقباله الضيوف ، فيقول أنه كان على هذه الأبواب ” أوهاز “(1) وهم الحجاب وكان للباب معاهرة ، وهي الأجراس فإذا فتح وأغلق سمعت أصوات تلك المعاهر ( الأجراس ) من مكان بعيد . أما الباب الذي كان يعطي منه الإذن للدخول على ملك ظفار فكان على بعد ميل من المدينة ، وكان هناك حاجبان ( واهزان ) دون هذا الباب ” يسكتان الناس اعظاما للآذان ، وكان من كاتب الاذن الى المدينة سلسلة من ذهب يحركها واهز الاذن اذا قدم عليهما شريف من أشراف الناس يريد الملك . ” وهنا يقارن الهمداني بين استقبال ملك ظفار لزائريه ، وبين استقبال ملك الحيرة لوفود العرب .
فعندما زاره عمرو بن الخطاب ، وهو غلام شاب في فتية من قريش من اهل مكة / يتعرضون لمعروفه أي يطلبون منه العطاء ، كما كانت عادته مع الشعراء وغيرهم أوقفهم عمال ملك الحيرة بعيداً عن المدينة في موضع يعرف بـ ” العذيب ” ، وكتبوا الى الملك يعرفونه بالوفد وأسماء أفراده وأنسابهم . وبقيت الجماعة القرشية في الموضع حتى وصل اذن الملك باستقبالهم فساروا في معية فرسان النعمان من الحرس حتى وصلوا الى مدينة الحيرة . وعندما خرج النعمان الى فناء قصره لاستقبال الوفود سألهم عن حرمهم ومعاشهم ، وعما قدموا ، وأمر بكتابة اسمائهم ثم اخرج اليهم جوائزه والى غيرهم .
وفي اختلاف لغة ظفار عن لهجات العرب في أقاليم اليمن الأخرى ينص الهمداني ، على أن ملك اليمن كان يقول : ” من دخل ظفار حمّر أي لا يقصد ظفار الا من عرف لغة أهلها . ومع أن الهمداني لم يشرح معنى كلمة ” حمّر” ، فالواضح أن المقصود بها تكلم بكلام حمير . وهو يشرح سبب هذه المقالة بأن ملك ظفار قال لرجل من الرافدين عليه للقيه في الطريق : ” ثب على الفتك ” أي اقعد على الارض والأرض الفناء . فظن الرجل أن الملك يقول له ” ثب في الحيد ” فوثب فتردى فمات .
وفي قصور ظفار ذات النقوش قال عمرو بن تبع :
زبرنا في ظفـار زبـور مجـد فيقـرأه قـروم القربتيـن
كما قال أسعد تبع :
وريدان قصدي في ظفار ومنزلي بها أس جدي دورنا والمناهلا
على الجنة الخضراء من أرض يحصب ثمانون سدا تقذف الماء سائلا
أما عن قصور مأرب ، عاصمة اليمن الى جانب صنعاء وظفار ، فمنها قصر سلحين الذي يعرف بقصر بلقيس ، والهجر وقشيب .
ولقد قام مولر جلازر بدراسة بقايا ” حرم بلقيس أو مجرم بلقيس ” القريب من مدينة سبأ ، والذي لا يعرف ان كان هو المقصود بقصر بلقيس عند الهمداني ، اذ ثبت أنه معبد اله سبأ الشهير المعروف بـ “المقة ” . وتخطيط المعبد بيضاوي الشكل يمتد من الشرق الى الغرب ومحيطه 300 ( ثلاثمائة ) قدم ، محاط بسور له بابان احدهما في الشمال والآخر في الجنوب . ووجد على السور نقوش بحرف المسند ، منها نقش يفهم منه أن المكان كان هيكلا لعبادة الاله المقة ، اله قصر سلحين ومدينة مأرب .
وخطة حرم بلقيس البيضاوية الشكل ، التي تشبه تخطيط مدينة مأرب القديمة وهي مدورة ، تجعلنا نفكر في مدينة المنصور المدورة وهي بغداد ، وعما اذا كانت خطتها التي اعتبرت في حينها ابتكارا جديدا من ابتكارات العباسيين ، وهو الأمر الذي لا نريد أن ننكره ، يمكن أن تكون مستوحاة من تخطيط المباني اليمنية القديمة مما يدعم اصالة عروبتها العريقة .
هذا ومن آثار معبد المقة التي كشف عنها حديثا ، وكان يعرف بـ ” اوم ” أو ” أوام ” عند السبئيين ، وجدت بقايا الأعمدة العظيمة كانت تحمل سقوف المعبد . ومن دراسة بقايا الحيطان وما وجد عليها من النقوش يفهم أن المعبد يرجع الى ما قبل القرن السابع من قبل الميلاد ، وأنه كان موضع عناية عدد من ملوك المكربين الذين تناوله بالتجديد والتوسيع والاضافة .
والذي يفهم من وصف الهمداني لبعض قصور اليمن ومعابدها مثل رئام ومدر ، ، وأتوه . ان القصر كان عبارة عن مدينة حكومية به دار الأمير ( ملكا كان أم من الأذواء ) وهي دار الحكومة وفي مقابلة المعبد ، وبيت التنسك . فرئام كان في رأس جبل حصين ، وحوله مواضع كانت تحل فيها الوفود لقضاء مناسك العبادة . وفي مقابل المعبد كان قصر المملكة ، وقدام باب القصر حائط فيه بلاطة فيها صور الشمس والهلال ، فإذا خرج الملك لم يقع بصره الا على أول منها ، فاذا رآها كفر لها بأن يضع راحته تحت ذقنه عن وجه يستره ثم يخر بذقنه عليها . والذي يفهم من هذا النص أن الملك ربما كان هو الكاهن للمعبد الذي كان مخصصا لعبادة الشمس والقمر . ويرى الهمداني أن القرآن الكريم يشير الى طقوس هذه العبادة في الآية التي تقول ” ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا “(1) . ومثل هذه يقول الهمداني عن قصر مدر ، وهي من اكبر بلاد همدان مآثر وحافد بعد ناعظ ، فقبالة قصر الملك منها ، بلاطة مستقبلة للمشرق فيها صورة الشمس والقمر يقابلانه اذا خرج الملك(2) .
والظاهر ان مسجد مدر اقيم على أنقاض المعبد القديم ، وهذا ما لم يقله الهمداني ، ولكنه يذكر انه توجد في مسجد ” مدر ” اساطين مما نزع من تلك القصور وليس في المسجد الحرام مثلها . وهو يصف دقة صنعتها وحسن استدارتها بقوله ط كأنها مفرغة في قالب (3).
ومن اهم ما عثر عليه من آثار اليمن مجموعات العمدة ذات الأشكال المختلفة والتيجان المتنوعة . فهناك أنواع من الأعمدة المربعة الشكل ، والمثمنة الأضلاع ، وذات الستة عشر ضلعا . وقد عثر على نماذج من الأعمدة المثمنة الأضلاع في صرواح وفي شبام كوكبان وفي مأرب وغيرها ويرجع هذا النوع الى ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي.
ومع مرور الوقت ضاقت اضلعة هذه الأعمدة حتى صارت وكانها اسطوانية الشكل ، فكان ذلك مرحلة انتقال نحو العمود الاسطواني التام ، وفي وقت متأخر من تاريخ اليمن انتقلت هذه الأعمدة الى الحبشة .
أما عن أشكال التيجان فقد كانت متناسبة مع أشكال الأعمدة ، فمنها المربع البسيط ، ومنها المكون من ست درجات ، الدرجة السفلى منها مضلعة كتضليع العمود الذي ترتكز عليها وفوقها درجة على هيئة نصف اسطوانة ، يليها مستطيل ذو 16 ضلاً وتتوالى الدرجات على هذا النسق الى الدرجة السادسة . ومن أجمل التيجان التي عثر عليها ذلك الذي نقش بزخرفة وحدتها رأس الخروف أو الوعل ذي القرنين ، والذي أبدع في حفره حتى ظهر وانه قطيع من الخراف أو الوعول التي يصفها الهمداني بالظباء ، وقفت في شكل مربع استعدادا للدفاع عن نفسها ضد عدو مرتقب ، كما يخيل الينا . أو لتشرب ، كما يقول الهمداني في شعره الذي يأتي بعد قليل . ويظن بعض الباحثين ان هذه الخراف رمز للاله القمر (1).
والى جانب التيجان ذات الطابع العربي اليمني الصرف ، وجدت مجموعات من تيجان الأعمدة التي تحاكي التيجان الاجنبية من مصرية قديمة ويونانية رومانية ، وفارسية أو حبشية .
ويقترح جواد علي أن تكون هذه التيجان قد صنعت بمعرفة عمال أجانب استخدمهم عرب اليمن وجلبوهم من تلك البلاد التي كانت لهم بها علاقات تجارية وثيقة ، وخاصة اثناء العصر الحبشي في اليمن (1).
ومن أهم الأعمدة التي شاهدها الهمداني واعظمها ما كان في قصور ناعط الشهيرة ن وخاصة قصر المملكة الكبير الذي يسمى ” يعرق ” ، وقصر ذي لعوة المكحب ففيها : ” الاسطوانات العظيمة ، طول كل واحد منها نيف وعشرون ذراعا ، مربعة ولا يحضن الواحدة منها الا رجلان ” . وفيها يقول الهمداني :
فمن يك ذا جهل بايام حميـر وآثارهم في الأرض فليأت ناعظا
يجد عمدا تعلو القنا مرمرية وكرسـي رخـام حولهـا وبلائطا
ملاحكها لا ينفذ الماء بينهـا ومبهومة مثل القـراح خرائطهـا
……
ترى كل تمثال عليها وصورة سباعا ووحشا في الصفاح خلائطا
……
وسر ظباء قد نهلن لمختلف وغضف ضراء قد تعلقـن باسطـا
وكان اليه الوفد تترى نقيره من الأرض جمعا ذا ارتعاب وخالطا
وتماثيل السباع والوحوش والظباء التي تفتن في صنعها أهل اليمن قديما والتي اعتادوا على تزيين قصورهم ومعابدهم بها ، تذكرنا باستخدام عرب الاندلس على وجه الخصوص كان منهم الكثير من اليمنية ، لمثل هذه التماثيل في مبانيهم في قرطبة واشبيلية وغرناطة . والدليل الذي بقي لنا هناك حتى اليوم يوجد في قصر الحمراء في غرناطة ، في قاعة السباع المشهورة .
أما الذي رفع من شأن مأرب واذاع صيتها ، فهو سدّها المشهور الذي نسجت حوله الأساطير . والحقيقة أن أهل اليمن نبغوا قديماً في بناء السدود لحجز المياه اللازمة للزراعة . وعن طريق هذه السدود التي بنوها بين الجبال في الأودية أمكنهم تنظيم الري على مدار السنة ، وبذلك ازدهرت الزراعة وعم الخصب والنماء في البلاد التي صارت ” السعيدة ” دون غيرها من بلاد العرب ، كما سماها الرومان . وهكذا لم تكن اليمن مدينة بخصبها ونمائها لأمطار السيول وحدها بل لجهد أهلها وعملهم في الأرض وفي تنظيم الري .
وتقول الروايات العربة أن السدود بلغت حوالي 80 ( ثمانين ) سدا . وانه يصب في الوادي العظيم عند مأرب سبعون نهراً مقبلة بالسيل من مسيرة ثلاثة اشهر(1) وكان لكل سد من هذه السدود اسمه الخاص به ، فمن أشهرها قصعان ، وربوان ( سد قتاب ) ، وشحران ، وطمحان ، وذورعين ،والشعبابي ، والمليكي ، وسد النواسي ، وسد المهباد وكان بصعدة سد الخانق الذي بنى على عهد سيف بن ذي يزن في القرن السادس الميلادي ، أما أما سد ريعان فبناه ابن ذي مازن ، أما اسداد يحصب فانها بلغت ما بين ثلاثين وثمانين سدا حسبما سمع الهمداني . أما السد العظيم عند مأرب فهو سد ” العرم ” الذي بعث الخصب ونشر الرخاء بين سبأ . ولسد سبأ في القرآن ذكر اذ تقول الآية : ” لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين و شمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له ، بلدة طيبة ورب غفور “(1) . ويعلق الهمداني على ذلك فيقول : كانت الجنتان عن يمين السد ويساره ، ويلاحظ انهما كانتا غامرتين على أيامه أي عافيتين ، ” عفتا لما اندحلق السد فارتفعا عن ايدي السيول …”
اما وهب بن منبه فيقول انه كان لعمرو مزيقيا تحت السد من اتلجنان ما لا يحاط به ، حتى كانت المرأة تمشي من بينها وعلى رأسها مكتل فلا تصل الى بيت جارتها الا وهي تملؤه من كل فاكهة ، من غير أن تمس منها شيئا (2).
ولقد شاهد الهمداني السد ، ورأى ” مقاسم الماء من مداخر السد فيما بين الضياع فقائمة كأن صانعها فرغ من عملها بالأمس ” . ويقول : ” ورأيت بناء أحد الصدفين ، وهو الذي يخرج منه الماء ، قائما بحالة على أوثق ما يكون ولا يتغير الا ان شاء الله ” . ” وقد بقي من العرم شيء مما يصالي الجنة اليسرى يكون عرض أسفله خمسة عشر ذراعا . قال تبارك وتعالى ” ( فاعرضوا فارسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي اكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ) ” . ويشرح الهمداني الخمط بانه الطرفاء ، والسدر وهو معروف بأنه العلب . ويلاحظ أنه بالمنطقة من شجر الاراك ما ليس ببلد ، وانه يوجد بهذا الاراك من الحمام المطوق ما يجل عن الوصف .
وكان سد العرم ” مستند الى حائط ما بين عضاد بالمذخر بمعاذيب من الصخر عظام ملحمة ملس الاساس بالقطر ” وفيه قال الأعشى :
كفى ذلك للمؤتـس اسوة ومأرب قفي عليها العرم
رخام بنـاه لـه حميـر اذا جاء ماؤهـم لم يرم
فاروى الحروث واعنابهم على ساعة ماؤهم ينقسم
فعاشوا بذلك في غبطـة فجاربهم جـارف منهزم (1)
أما عن وصف السد كما رآه الرحالة والباحثون الأوربيون ، فيتفق مع وصف الهمداني ، كما ينص على ذلك زيدان الذي لخص دراسة ارنو التي ظهرت في المجلة الاسيوية الفرنسية ( Journal Asiatique ) سنة 1874 .
فالوادي الكبير ، الذي تصب فيه الأنهر الآتية بالسيل بين أودية جبل السراة ، يسمى بميزاب اليمن الشرقي ( وهو أعظم اودية المشرق ، كما مور أعظم أودية المغرب ، وسعوبه وفروعه كثيرة (2). وفي أودية هذه المنطقة تتجمع أمطار السيول الآتية نحو الشمال الشرقي على ارتفاع حوالي 1100 متر قرب مأرب في مضيق بين جبلين يقال لهما ” بلق ” ويسميها الهمداني ” مأزمي مارب ” وسعة المضيق 600 خطوة . وفي هذا المضيق بني السد الذي أحيا المنطقة بين مدينة مأرب وبينه ، وهي حوالي 300 ميل مربع من سفوح الجبال التي كانت قاحلة .
والسد أصم طوله نحو 800 ذراع وعرضه حوالي 150 ذراعا بينما بلغ ارتافعه أكثر من عشرة اذرع ، ولا زال نحو ثلثه باقيا في الجهة الغربية من المضيق . وينتهي السد في طرفيه بمصارف مبنية من الحجارة الضخمة القوية ، فيها منافذ الماء الى الحدائق الواقعة في جهته . وهذه المنافذ يمكن التحكم فيها بالفتح او الغلق حسب الحاجة بأبواب من خشب أو من حديد (1).
ولقد عثر جلازر على نصين يرجعان الى عهد ابرهة أحدهما يرجع الى سنة 535م والثاني الى سنة 565م ، وفيهما معلومات عن ترميم السد واشارات الى العمال الذين اشتغلوا في البناء وعددهم حوالي 20 ألف عامل ، منهم من كان يعمل في قطع الحجارة والصخور من الجبال ، ومنهم الفنيون العاملون في البناء . وفيه ذكر لأجورهم ونقات طعامهم وشرابهم .
وبفضل شبكة السدود توفرت في كل اليمن وجرت الانهار طوال السنة ، وعم الخصب في كل مكان . ففي جبل دامغ بين صنعاء ، وذمار كثرت الانهار ، وكان يصلح فيه ايام حمير شجر الورس وسائر الفواكه . كما عرف بقصوره الثلاثة المشيدة بالصخور العظام ، في شرق الحصن ، والتي هدمها الحبشة في ايام ملكهم لليمن ، واحرقوا اخشابها بالنار لعظمها ، وعجزهم عن تحطيمها . وعلى ساعتين من صنعاء أو اقل كانت قلعة ضهر التي اعتبرت من مآثر اليمن . واشتهر واديها بغراسة الاعناب المختلفة ، من ” البياض والسواد والأحمر الملاحي والطراف والنواسي والزبادي والفارسي والجرشي والعيون والضروع والقوارير والسيسبان والرومي والنشاني والدوالي والمعروالدريج والرازقي وغير ذلك ” كما يقول الهمداني (1). وكانت هذه الجنات تسقى بنهر الغيل في الجاهلية ، وكان على ضعف ما كان عليه ايام الهمداني . واختلفت الآراء في سبب نقصانه لم هدم سد ريعان (2).
وعندما انهدمت السدود في الفترات التاريخية التي سبقت الاشارة اليها في تاريخ اليمن وخرج اليمنية من بلادهم نحو الشمال واستقرت جماعات منهم في الحجاز بينما سارت جماعات أخرى الى الشام والجزيرة واطراف العراق كان من الطبيعي أن نشروا حضارتهم المادية التي تميزت بشكل خاص في البناء والعمارة والنقش عليها بخطوط المسند ، كما فعلوا في شمال الحجاز وبادية الشام على وجه الخصوص ، كما تميزت في ميدان الزراعة التي نافست زراعة نبط العراق .
والحقيقة أن دراسة العمارة العربية القديمة في اليمن لا بد وانها ستفيد دارس تاريخ العمارة الاسلامية ، فيما لا شك فيه انه كان لليمن بفضل هذا التراث المعماري العظيم وبفضل خبرات ابنائها بفن البناء ، وخاصة في عصر الانشاء الاول الذي بنيت فيه المساجد الأولى في الأمصار حيث كان اليمنية يشاركون اخوانهم عرب الشمال من المضرية والقيسية الفتوح .
أما ما يقترحه جرجي زيدان من بناء العرب للأسداد لم يقتصر على ما بنوه في جزيرة العرب ، وأنه يوجد في المشرق في أقاليم مكران وبلوخستان في عدوة خليج فارس الشرقية ، آثار اسداد كثيرة لا يعرف أهلها منها شيئا ، وأنه لعل بعض العرب نزحوا الى تلك البقاع قديما وابتنوا فيها تلك الاسداد ، فهو امر محتمل . وربما طرأ على خاطر اصحابه نتيجة لقراءة اساطير اليمن القديمة التي تذكر لهم حروبا في المشرق حتى بلاد الصين .
ولا يعرف للعرب خارج اليمن قصور هامة كقصور اليمن الا في الحيرة حيث كان الخورنق والسدير . والحيرة عرفت بطيب هوائها حتى قيل :” يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة ” ، ومثلها : ” لبيتة ليلة بالحيرة انفع من تناول شربه ” . ولهذا سميت ب ـ ” الحيرة الروحاء ” ، وبـ ” الحيرة البيضاء ” . وقيل أن وصفها بالبيضاء ، يراد به حسن عمارتها ، كما قيل في الاسكندرية أنها كانت بيضاء ناصعة حتى أن اهلها كانوا يضعون الخرق السوداء على عيونهم حتى لا يؤذيها بياض الرخام الناصع .
وينسب بناء قصر الخورنق الى ” النعمان بن امرئ القيس ” في اواخر القرن الرابع الميلادي ، قيل بناه ليهرام جور بن يزدجرد الول . وان المهندس الذي بناه هو ” سنمار الرومي ” وان بناء القصر استغرق عشرين سنة . وتقول الرواية أن جزاء سنمار على اتقانه بناء القصر العجيب كان القتل رميا من فوق سطح القصر ، حتى صارت نهايته التعسة مضرب المثل في سوء الجزاء . وفي ذلك قال الشاعر :
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
أما السدير الذي كان بعيدا عن الحيرة ، فكان أقل في الضخامة من الخورنق وفي هذين القصرين قال الشاعر المنخل :
واذا صحوت فانني رب الشريهة والبعير
واذ سكرت فانني رب الخورنق والسدير
والخورنق والسدير بنيا على الطرازالمعماري الذي عرف بالحيري وهو متأثر بالطراز الساساني . والذي يفهم من روايات الكتاب العرب اذ هذا الطراز يتكون من قبة في ثلاث قباب متداخلة ، على صورة الحرب وهيئتها . فالرواق الذي يجلس فيه الملك هو الصدر وقطعة من البناء اشبه بالميمنة والأخرى اشبه بالميسرة بالنسبة للجيش ويكون فيها خواص الملك وخزانة الكسوة وما يحتاج اليه من الشراب .
وتقول الروايات أن لملك النعمان جلس يوما في شرفة الخورنق على النجف وما يليه من البساتين والنخيل والحدائق فاعجبه ما رأى من الخضرة والنور والابهار فسأله وزيره : هل رأيت أحسن من هذا . وعندما رد عليه الوزير بأن ما عند الله احسن ، ترك ملكه وساح في الأرض منذ ذلك الحين فلم يره انسان . وفي سياحة النعمان ، وتركه الملك قال عدي بن زيد :
وتفكـر رب الخورنـق اشرف يوما وللهدى تبصر
سره حالـه وكثـرة مـا يملك والبحر معرض والسدير
فارعوي قلبه فلمـا غبـ طة حي الى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك اولامه وارتهم هناك القبور
وظل الخورنق حتى ظهور الاسلام موضع عناية بعض ولاة الامويين والعباسيين الى أن خرب نهائيا منذ القرن الثامن الهجري / 14 م .
وتذكر النصوص أنه كان يوجد بالحيرة قصور أخرى مثل : سندان ، والغريب والصنبر وقصر الفرس ، وقصر الزوراء وغيرها . وفي رثاء ملوك الحيرة وذكر قصورهم قال الاسود بن يعفر النهشلي :
ماذا اؤمل بعـد آل محـرق تركـوا منازلهـم وبعـد اياد
أهل الخورنق والسدير وبارق والقصر ذي الشرفات من سنداد(1)
أما اديرة الحيرة التي ربما دخل النعمان بعد تركه الملك في احدها فكانت مشهورة مثل دير اللج ودير هند وديارات الأساقف وغيرها .
هكذا ظهر اللخميون بفضل عاصمتهم الحيرة وقصورهم الشهيرة بمظهر الملوك ، وهذا ما لم يكن لخصومهم الغساسنة الذين ظلوا رغم اتصالهم بالروم وحملهم الالقاب البيزنطية اشبه بمشايخ القبائل منهم بالملوك . والواضح من النصوص أنه لم يكن لهم عاصمة ثابتة مثل الحيرة وان كان لهم ” حيرتا ” بمعنى المقر أو المعسكر والكلمة هي أصل ” الحيرة ” وذلك في منطقة الجولان على وجه الخصوص حتى اعتبر المسلمون عند بدء الفتوح أن الجابية هي عاصمتهم . أما اثناء الصراع مع الروم فكانوا ينقلون ” معسكرهم ” الى قلب البادية هذا وان كانت تدمر تعتبر من بلادهم وكذلك الأمر بالنسبة لبصرى التي اشاد بقصورها كتاب السيرة النبوية . وبذلك يمكن القول أنهم احتفظوا بالبداوة رغم ما ينسب اليهم من تشييد القصور والاديرة والابنية ذات المنافع العامة . ولذلك فان نولدكة يشك فيما يقال من أن عمرو بن جفنة بنى عددا من أديرة الشام المشهورة مثل دير أيوب ، وذلك أن دخول عمرو في النصرانية ليس أكيدا . والامر كذلك بالنسبة الى ما تقوله الروايات من أن جبلة هو الذي بنى القناطر الضخمة المعروفة بقناطر فرعون ، ويرى نولدكة انهم ربما جددوا القناطر أو رمموا بعض المباني والديرة .
اما خراج بلاد العرب الحضرية في اليمن والحيرة والشام فالمفروض ان العرب عاشوا حياة البداوة فكانوا اهل “وبر “فلم يسكنوا البيوت المبنية بالحجر ولقد عدد الكتاب بيوت العرب وصنفوها في ستة انواع هي : قبة من ادم ومظلة من شعر ، وخباء من صوف ، وبجاد من وبر ، وخيمة من شجر ، وقنة من حجر ، وسوط من شعر . والذي يفهم من وصف الكتاب العرب ان القبة كما تكون من الادم في شكل بيت صغير مستدير يمكن ان تكون ايضا من البناء ، ومنها اتخذت القبات التي اصبحت عنصرا مميزا من عناصر العمارة الاسلامية ، وخاصة في المساجد اسمها . والمظلة هي الخباء الكبير ولا تكون الا من الثياب من الشعر او الصوف او غيره ، ويمكن ان تنقسم من الداخل الى عدد من الأقسام تسمى الشقق ، ومفردها الشقة ، وهي الكلمة المستخدمة حاليا للتعبير عن الوحدات السكنية في المباني الكبيرة بالمدن العربية . وتحتوي المظلة الى جانب ذلك على رواق أمامي كما تكون لها مؤخرة تعرف بالكفاء . والخباء هو البيت الواحد من الصوف او الوبر أو الشعر ، وقد يكون كبيرا أو صغيرا فيحمله عمودان أو ثلاثة او اكثر من ذلك.
اما الذي يفهم من وصف الخيمة فيمكن ان تكون كالبيت من الثياب ترفعها ثلاثة اعمدة او اربعة ، كما يمكن أن تكون في شكل سقيفة تقام من اعواد تنصب وتجعل لها عوارض وتغلل بالشجر فتكون ابرد من الأخبية ، بمعنى انها مسكن فصل الصيف . كذلك يمكن ان تبني من الشجر والسعف ، والمفروض انها سميت خيمة لنها تتخذ منزلا دائما للرجل ورهطه(1) .
وفي مثل هذه المساكن البدوية كان كان تأثيب المنزل بسيا فهو عبارة عن فرش تلقي على الأرض اما الأواني التي كانت تستخدم فيها فتكون من الجلود والمعادن والخشب حتى يسهل حفظها من الكسر .
وبطبيعة الحال لم يكن هذا النوع من المسكن هو النمط الوحيد المعروف في العربية الشمالية ، ففي القرى والواحات عرفت البيوت الحضرية التي اعتنى في بنائها بالحجر والطين واستخدمت فيها النوافذ والأبواب من الخشب وتكفي الاشارة الى ما ذكرنا من حصون اليمامة القديمة التي عرفت بـ البتل وواحدها بتيل ، والتي كانت تبنى من الطين على شكل الصومعة المربعة المستطيلة ، والتي كانت تصعد في السماء الى ارتفاع مئتي ذراع وأكثر . ولا ندري ان كانت هناك علاقة بين بتل اليمامة هذه وبين مآذن المساجد الاسلامية الأولى المربعة الشكل ، والتي يقال أنها كانت متأثرة بشكل ابراج الكنائس التي عرفها العرب في الشام . وخاصة انه ظهر نوع من المآذن المربعة المستطيلة الشاهقة الارتفاع مثل مآذن الموحدين في المغرب والتي يمكن أن ينطبق عليها وصف البتل وان قيل انها بنيت على هيئة منار الاسكندرية القديم . والحقيقة ان الأمر يستحق الدراسة ، خاصة وأن البعض يرى ان منائر المساجد الاسلامية الاولى ، التي كانت مربعة الشكل ، والتي بقي لنا أقدم نماذجها في مسد القيروان الجامع ، استوحيت عمارتها من تربيع الكعبة وليس من ابراج الشام .
اما في المدينة حيث حوائط البساتين فقد وجدت البيوت المبنية بالآجر وبالطين وبعضها كان من طابقين ، واغلب الظن ان هذه كانت بيوت عامة الناس ومتوسطيهم . أما رؤساء القوم والموسورون منهم فكانت لهم في حدائقهم الحصون المعروفة بالآطام والقصور ، والتي تذكرها الروايا بمناسبة ما كان يقوم بين القبائل من صراعات وحروب اذ كان يتم التراشق بالسهام والحجارة من اعلى هذه الآطام ” ومفردها أطم ” . والذي يفهم من وصف الآطام انها بيوت مربعة الشكل مبنية بالحجارة .
ويعدد ابن النجار في الدرة الثمينة والسمهودي في كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الآطام التي كانت ليثرب المدينة والدور الكبير الذي كان بعضها يحوي الآطام . فيذكر ابن النجار أنه كان ليهود يثرب من الآطام 59 ( تسع وخمسون ) آطام ، بينما كان للعرب النازلين عليهم قبل الاوس والخزرج 13 ( ثلاثة عشر ) آطما .
ومع مرور الوقت كانت قوة العرب تزداد فكانوا يتخذون الحصون والدور حتى زادت آطامهم في كل أرجاء المدينة . ومما يذكره السمهودي من آطام الخزرج :
- واقم ، والرعل ، والمسير : وكانت آطام لبني عبد الاشهل ، والآطام الأخير كان لبني حارثة فتركوه لبني عبد الاشهل بعد الحرب التي قامت بين الجماعتين .
أما آطام الأوس ، فمنها :
- الشنيف : وكانت لبني عمرو بن عوف في موضع قباء
- الصياص : وكانت 14 ( اربع عشر ) آطما لبني زيد بن مالك بن عوف. كما كان لهما اطمان آخران أحدهما بالمسكبة شرق مسجد قباء ، والآخر يقال له : المستظل .
- السعدان : لبني لوذان
- الزيدان : لبني واقف بن امرئ القيس بن مالك .
- صع درع : لبني خطمة بن جشم
- المزدلفة : لعتبان بن مالك .
أما الدور فأشهرها : دار بني خطمة بن جشم من الوس ، وابتنوا بها الآطام وغرسوا النخيل . ودار بني الحارث بن الخزرج التي نزلوها بموضع العوالي شرقي وادي بطحان . ودار بني سالم التي كانت تقع على طرف الحرة الغربية ، في غرب الوادي(1) وظلت هذه الآطام في المدينة الى أن أخربت في أيام عثمان .
ولقد عرفت الطائف أيضا الحياة المدنية بفضل بساتينها المصورة بالحوائض والتي كانت تميز مكة بالفواكه وغيرها من القرى القريبة . ويظهر تمدن أهل الطائف بما قام عندهم من صناعات الجلود وآلات الحرب . اما أشهر مبانيهم فكان بيت آلهتهم اللات .
ولقد ظهرت مكة قبيل ظهور الاسلام بمظهر عاصمة الجزيرة العربية بفضل تحضر القرشيين الذي تم عن طريق اتصالاتهم بأهل اليمن واهل الشام وأشهر مباني مكة كان لطبيعة الكعبة المكرمة . ورغم استفاظة الكتاب العرب في ذكر مقاييس الكعبة في صدر الاسلام نلاحظ انهم لا يتفقون على مقاييس واحد، وأغلب الظن أن ذلك راجع الى اختلاف تقدير الكتاب لسعة الذراع الذي قاس به كل واحد منهم . ويمكن القول بشكل عام أن طول وجهها الشرقي حيث يوجد الباب وذلك من الركن الاسود الى الركن الشامي، ما بين 25 و 27 ذراع . وطول مؤخرتها ، وهو الشق الغربي ، من الركن اليماني الى الركن الغربي مثل واجهتها أي ما بين 25 و 27 ذراع . أما عرضها من ناحية الركن اليماني الى الركن الاسود ما بين 15 و 20 ذراع ، وعرضها المقابل : من الركن الغربي الى الركن الشامي ما بين 21 و 24 ذراع . وغلظ الجدار فيتراوح عند الكتاب فيما بين ذراعين وخمسة أذرع ، ولا بأس من ان يكون الاختلاف ناتج من غلظ الجدار عند اسفله . فأما ارتفاع الكعبة فكان يصل الى حوالي 30 ذراع .
وتقول الروايات أن ابراهيم الخليل عندما بني البيت الحرام ( الكعبة ) بناه في ارتفاع يتراوح ما بين 7 ( سبعة ) اذرع و 9 ( تسعة ) ، وأنه لم يكن مسقفا . وعندما بنته قريش أنقصت من طوله 6 ( ست ) أذرع جعلت مساحتها في موضع الحجر ثم زادته في ارتفاع البيت 9( تسعة ) أذرع ، فسار ارتفاعه 18 ( ثمانية عشر ) ذراعا .
والمعروف أن الزبير بن العوام كان قد هدم الكعبة عندما استعاذ بالبيت وبعد أن أصابها الحريق أثناء حصار الحجاج للمدينة على أيام عبد الملك بن مروان ، وانه أعاد بنائها حسبما كانت عليه أيام بانيها الأول ابراهيم الخليل . ولكنه عندما زاد ما كانت قريش أنقصته ووضعته في الحجر ، ظهر له البناء قليل الارتفاع ، فزاد في ارتفاعه 9 ( تسعة ) اذرع ، وقال : أن قريشا زادت فيه 9 اذرع ، وأنا أزيد فيه 9 ، وصار البيت يومئذ 27 ( سبع وعشرون ) ذراعا في ارتفاعه .
وبعد أن استعاد الحجاج مكة اعاد بناء الكعبة ، كما كانت من قبل مع اجراء بعض الاصلاحات مثل عمل السلم الذي كان يؤدي الى سطحها من أجل تعليق الكسوة .
أما باب الكعبة في القرون الاسلامية الأولى ، فكانت عتيته من خشب الساج الأسود ، وكان طول الباب سبعة اذرع ونصف الذراع ، وعرضه اربعة اذرع الا اربعة أصابع . وكان مكسو بصفائح الفضة المذهبة ، وله حلقتان من فضة بيضاء غير مذهبتين ، وقفل من نحاس احمر مذهب .
وكان ارتفاع الباب عن الأرض خمسة أذرع ، وبينه وبين الركن الأسود خمسة أذرع . وهذا الموضع هو الذي عرف باسم الملتزم أو المدعي أو المتعوذ ، لأنه مكان مبارك ، فيه يستجيب الله للدعاء .
والى جانب الكعبة كان المسجد الحرام وفي مقابله دار الندوة التي رفعت من شأن قريش بين القبائل .
وكان لأهل مكة دورهم المبنية من الحجارة والتي لها ابوابها ونوافذها المصنوعة من الخشب . ومن أشهر الدور المكية المذكورة في السيرة دار بني جحش . فقد هاجر بنو جحش مع الرسول الى المدينة وتركوا دارهم هذه تخفق ابوابها يبابا ليس فيها ساكن حتى أثارت مشاعر زعماء قريش – فقال فيها عتبة بن ربيعة :
وكل دار وان طالت سلامتها يوما ستدركها النكباء والحوب (1)
وفي ذلك قال شاعر بني جحش ابو احمد الأعمى
ولو حلفت بين الصفا لن أحمد ومروتها بالله برت يمينها
لنحن الالى كنا بها ثم لم نزل بمكة حتى عاد غنا سمينها
وهكذا يمكن القول أنه كان للعمارة الاسلامية جذورها العربية الاصيلة ، وذلك على عكس ما يريده بعض الباحثين من الأروبيين من ارجاع عناصر العمارة الاسلامية الى أصول فارسية ورومية وهندية أو مصرية أو اسبانية أو غيرها . فبعد فترة قصيرة من قيام دولة الاسلام أظهر العرب ميلا غريزيا نحو الفنون ، وعبروا عن مشاعرهم في الحجر بالبناء والنقش والزخرفة التي كان من اهم عناصرها الخط العربي ، تماما كما استخدم العرب القدماء خطهم المسند في تزيين بناياتهم في اليمن وفي الشمال .
وأول الدور التي أثارت خيال الكتاب العرب هي التي بدأ بناؤها على أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، ولو أن الكتاب ذكروها على انها تمثل اتجاها جديدا نحو الميل الى الترف والتمتع بمباهج الحياة على عكس ما كان معمولا به أيام عمر بن الخطاب . فعثمان بن عفان بنى داره في المدينة – وهي التي تصورها الثوار – بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج . اما عن الصحابة الذين سلكوا طريقته في بناء الدور ، فمنهم الزبير بن العوام الذي ابتنى داره بالبصرة . كما ابتنى دورا بمصر والكوفة والاسكندرية . وطلحة بن عبد الله التيمي داره بالكوفة ، وشيد داره بالمدينة ، وبناها بالآجر والجص والساج . أما سعد بن أبي وقاص فهو لم يكتفي ببناء داره ، بل جعل أعلاها شرفات .
ولا بأس من أن يكون بناء هذه الدور الجديدة المبنية بالحجر والآجر وخشب الساج والتي كانت مطلية بالجص ، كما كان لبعضها شرفات قد تؤثر بالمباني القديمة التي كانت موجودة بالحيرة قرب الكوفة وفي الاسكندرية . فمباني الحيرة كان يستخدم فيها الآجر وهو المادة المفضلة للبناء في العراق القديم وحتى اليوم ، وكان لا يستخدم في البناء فقط بل ولزخرفته أيضا . كما أن الجص كان مستخدما هنالك لطلاء جدران المنازل التي كانت تظهر بيضاء ناصعة حتى عرفت الحيرة باسم البيضاء . أما الاسكندرية فكانت دورها وقصورها ، التي عرفها عرب الفتوح باسم ” الاخائذ ، تنزل فيها حامية الاسكندرية أو رابطها . وكانت مبنية بالحجر ، كما كان بعض هذه الدور كبيرة الى حد ” كانت الدار تكون لقبيلتين لثلاث ” . وبطبيعة الحال لم يبقى من آثار هذه الدور شيئا ، بل انه لم يبقى مما بناها عثمان في مسجد الرسول شيئا ، وذلك أن أقد ما كان يشير الكتاب اليه من المباني هي تلك التي تمت على أيام الوليد بن عبد الملك في الحرمين المكي والنبوي .
هذا عن العمارة أما عما كانت تحويه هذه المباني من الأثاث والفرش وسائر الحاجيات المنزلية فلا تعرف الكثير عنها ، وان وجدت بقايا أثاث من الحجر من الاسرة والعروش والكراسي والصناديق الحجرية المزخرفة ، اما الأثاث المصنوع من الخشب مثل الأسرة والأرائك والكراسي والصناديق التي تحفظ فيها الثياب فلم يصل الينا شيء منها . وكل ما تشير اليه الحفائر في بلاد اليمن مما وجد في خرائب المعابد القديمة هو المباخر التي كانت تستخدم في الطقوس الدينية ، وكان بعضها من المرمر ومن الذهب والفضة والبرونز ، مما دعا الباحثين الى الظن بأن استخدام البخور في المعابد اليونانية القديمة بل وربما المصرية أيضا عرف عن طريق اليمن التي كانت بلد العطور دون منازع . والى جانب المباخر وجدت مجامر قديمة في المعابد وفي البيوت وكان يحرق فيها البخور والخشب ذو الرائحة العطرة ، وهي العادة التي ظل يعمل بها في البيوت العربية وفي المساجد وخاصة في المناسبات والمواسم ، كما كان يحدث في شهر رمضان . ولقد وجدت في خرائب اليمن القديمة ايضا قطع من الأحجار الكريمة وبعض الحلي المصنوعة من الذهب من القلائد والأقراط وغيرها مما يتزين به النساء .
ولقد وجدت الواني الفخارية والخزفية والزجاجية في عدد من المواضع في بلاد العرب ، من : الجرار والكيزان ، مما يؤيد أن صناعة الفخار التي اشتهرت بها العراق قديما عرفت ايضا في مواضع غير بابل من الجزيرة العربية . وكانت الواني الفخارية أو الخزفية لا تستخدم فقط لخزن الماء والزيت والنبيذ بل لخزن الحبوب والأشياء الثمينة والعطور والكحل وغيرها . وتدل استدارة الأولى التي عثر عليها ، من الجرار ذات الشكل ” البصلي ” انه لم يكن يتم صنعها يدويا بل باستخدام آلة الفخار ، التي تتكون من عجلة أو دولاب يدير القرص الذي توضع فوقه عجينة الطين التي تستخدم في صنع الفخار .
ومن الأواني الفخارية أو الخزفية التي عرفها العرب : الجرة والقلة والكوز . وكانت المدينة من الماكن التي اشتهرت بصنع القلال والجرار . فمن اشهر القلال تلك التي كانت تصنع بقرية من قرى المدينة تعرف بهجر . كذلك اشتهرت المدينة بنوع من الجرار التي كان يحمل فيها الخمر والتي عرفت بالحنتم ، وكانت ملونة ما بين حمراء وخضراء وبلغ صيتها الى حد ان عرف الخزف جميعا باسمها وهو ” الحنتم ” (1).
ومن اواني الشرب الدن المعروف بالراقود والذي قيل أنه لفظ فارس معرب مثل الكوز . ومنها ” القافزة ” وربما اشتق منها ” القفيز ” وهو مقياس الزيت على وجه الخصوص .
أما الباطية والأقداح والقوارير والقناديل والاسرجة فغالبا ما تكون من الزجاج ، ولو ان كلمة الزجاج يمكن ان تعني القوارير فقط والقنادل (2). ويرى جويدي ان اسماء المصابيح اجنبية ، وفي رأيه ان العرب القدماء لم يكونوا يستخدمون لتبديد ظلمة الليل سوى النيران او المشاعل . فمن المعروف انه عندما كان يلدغ شخص من عقرب أو ثعبان سام كان يثار حوله الضجيج ، كما كانت تشعل النار ليلا حتى يبقيه نورها يقظا ، فلا ينال منه السم ، وهذه النار كانت تعرف عندهم بنار السلم . كذلك كانت توقد النار ليلا عند فداء الاسرى حتى لا يحدث خطا في العدد أو في الأشخاص . وتدل الدراسة اللغوية على أن استيراد المصابيح كان يتم عن طريق الآراميين .
اما كلمة قنديل فهي لاتينية الاصل من لفظة ” كانديلا ” ( Candala ) التي دخلت الى اللغة اليونلنية ومنها تسربت الى الآرامية ثم نقلها العرب عن الآراميين . ومثل هذا يقال عن الكلمة الفارسية ” تشيرج ” التي جعلها الآراميون ” سئراجا ” ، ومنها اتت الكلمة العربية ” سراج “(1) . وكذلك كلمة نيراس التي دخلت العربية عن الآرامية ، وهي “نبرشتا ” . ويشير جويدي الى أن قناديل الكنائس اللامعة كانت تثير خيال العرب ، وفي ذلك يقول امرئ القيس أن وجه حبيبته يضيء الظلمات كمصباح راهب عابد :
تضيء الظلام بالعشاء كانها منارة ممستى راهب متبتل
كما يقال في مناسبة اخرى وجه عروس شابه مصباح زيت له فتيل ، فيقول:
يضء الفراش وجهها بضجيعها كمصباح زيت في قناديل ذبال
وفي الحقيقة أن هذه المصابيح أو القناديل ، اذ ما قورنت بالضوء الصادر من النار الموقودة أو من فتائل المشاعر تمثل تقدما حضاريا كبيرا ، ولهذا لم يكن من الغريب أن ينبهر النابغة الجعدي لمنظر هذه المصابيح ، التي لم يجعل الله لها دخانا :
واسمر مارن يلتاح فيه سنان مثل نبراس النهام
لم يجعل الله فيها نحاسا (1)
وكما أن المصباح مأخوذ من خارج بلاد العرب كذلك كان الحال بالنسبة لزيت الزيتون الذي يستخدم في ايقاده ، حسبما يرى جويدي . فالزيتون لم تكن موجودة في بلاد العرب ، ولا في بلاد النبط ، الا قرب فلسطين ، والدليل على ذلك ما يقوله سترابون ، من كل البلاد ( العربية ) خصبة وغنية بالفواكه عدا الزيتون . والزيتون لا يحب الحرارة الشديدة فعلا ، ولا البرودة الشديدة . والى جانب ذلك يرى جويدي أن اعتبارات فقط اللغة ( الفيلولوجية ) تتطلب أن تكون كلمة زيتون – التي لا توجد أية كلمة أخرى لها نفس الشكل النحوي – مقتبسة من الآرامية . ومثل هذا يقوله عن الخمر الذي كان يستورد من الشام على وجه الخصوص ، وكذلك الكلمة القريبة وهي ” الخمير ” أي خمير الخبز الذي لم يعرف العرب القدماء استعماله ، لأن الجريشة المصنوعة من الحب المجروش والمخبوز لم تثل خبزا حقيقيا .
ويخرج من ذلك جويدي بأنه يترتب على ذلك أن ( الفرن ) لم يكن له كلمة عربية يسمى بها ، اذ أن كلمات ” تنور ” و ” اتون ” و ” فرن ” انما هي كلمات أجنبية دخلت الى اللغة العربية مع الاشياء التي تعنيها . وكلمة ” الفرن ماخوذة من الكلمة اللاتينية ” فورنوس ” ( Furnus ) التي دخلت الى العربية عن طريق اليونانية .
وكما هو الحال بالنسبة لطعام المختار كانت الملابس الرقيقة مستوردة من الخارج . فكلمة قميص ماخوذة من ” قميزيسا ” Camisia اليونانية ، وكذلك برجد ، وبرنس ، وشربال ، ومرت ( مرطا ) ، وكثير غيرها ، مثل: موق أو مون التي تعني نعالا رقيقة ورشيقة أكثر من النعل العادي ( الذي يعرف بالصندل Sandale ) وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من أسماء الحلي ، كالمرجان ، والجمان ، والزبرجد . اما كلمة اللؤلؤ فهي عربية أصيلة ، وكذلك الدرة بمعنى القطرة من الماء ، لشبهها بها . وكلمة اللؤلؤ – الذي كان يأتي من الخليج بصفة خاصة – دخلت من العربية الى كل اللغات السامية الأخرى .
والذهب والفضة كانا معروفين في بلاد العرب الجنوبية على وجه الخصوص حتى بالغ الكتاب اليونان ، فأشاروا الى أواني وأثاث وأدوات منزلية مصنوعة من الذهب والفضة ، وكانت معادن الذهب موجودة في أرض شبا . ولقد عثر على عدد من القطع الأثرية النفيسة التي صنعت من البرونز ، من مصابيح الزيت وتماثيل الأيائل والأسود والرجال والنسوة . ويرى الباحثون وجود مؤثرات عراقية ومصرية ، ويونانية ، وهندية في بعض مصنوعات المعادن ، وهذا أمر طبيعي بفضل الصلات التجارية الوثيقة بين هذه البلدان وبين العربية الجنوبية .
اما في الحجاز ومكة فلا نعرف بعض ما كانت تحويه الدور من الأثاث والآنية الا عن طريق القصص الخاص لاطعام الطعام الذي كان يقدمه الأغنياء للناس في دورهم الفسيحة ذات الأفنية الواسعة . فدار أبي جهل كان لها بابان أحدهما لدخول الضيوف والآخر لخروجهم . واما هذا الباب الأخير كانت تقف الابل المخصصة لاطعام الناس .
وأهم ما يلفت نظر أصحاب هذه الروايات في الدار هو السرير الذي يجلس عليه صاحبها أو الكرسي ، وما كان يرتديه صاحبها من حلة سوداء بديعة أو من عمامة عظيمة . اما الطعام من الخبز واللحم أو الثريد فكان يقدم في الجفان . ولم يكن الثريد الذي يعتبر طعام عرب الحجاز المفضل هو الذي يقدم وحده للضيوف . ففي دار الحارث بن هشام كان الزبيب يقدم على الانطاع للانياف ، كما كان يقدم أيضا في الأطباق لذوي الشأن من الضيوف أو لم يطلب ذلك .
وكانت دار عبد الله بن جدعان ، ثرى مكة المشهور ، قبلة الراغبين في الكل الكثير والنوع الرقيق من الطعام . فالجفنة هناك كانت من السعة بحيث يغرق فيها الصبي ، او يستظل الانسان بفيئها وقت القيلولة ، او أن يأكل منها القائم والراكب على بعيره لعظمها .
والى جانب الثريد كان ابن جدعان يطعم التمر والسويق ويسقي اللبن ، بل انه قدم الفالوذج المصنوع بلبان البر والعسل لضيوفه ، بعد ان سمع عنه في اليمن أو بعد أكله في فارس على ما يظن ، واستحضر بعض المتخصصين في اتقان صناعته ، فهو الذي أدخل الفالوذج في مكة .
وتقول الرواية أن امية بن الصلت هو الذي حرضه على ذلك ، عندما قال ،
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم فرأيت أكرمهم بني الدين
البر يلبك بالشهاد طعامهم لا ما يعللنا بنو جدعان
أما عما كان يستخدمه ابن جدعان لطعامه وشرابه الخاص ، فتبالغ الروايات ، عندما تقول : انه كان لا يشرب ولا يأكل الا في آنية من الذهب والفضة وأنه عرف لذلك بـ ” حاس الذهب “(1) والمعني المقصود ان الرجل كان مرفها ناعما بالنسبة لغيره من متوسطي الحال أو الفقراء ، وأن داره كانت عامرة بالأثاث وآنية الطعام مما لم يكن له شبيه له في غيرها من الدور.
(1) جويدي ، بلاد العرب قبل الاسلام – بالفرنسية – ص7 .
(1) أخبار عبيد بن شريه ، ص 352.
(1) كتاب ” اخبار اليمن وأشعارها وانسابها ” عبيد بن شريه الجرهمي ( ملحق لكتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منبه ، طبعه حيدر أباد الدكن ، 1347هـ )
(1) أخبار اليمن ، ص 313.
(2) ص 313
(1) ص 315
(2) ص 352 .
(1) طبعة حيدر اباد الدكن ، 1947م .
(1) ص 2 .
(2) ص 12 –14 .
(1) الجزء الثامن ويتضمن محافد اليمن ومساندها ودفائنها وقصورها ومراثي حمير والقبوريات ، تأليف أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب … المشهور بالهمداني المتوفي في سجن صنعاء ، سنة 334هـ/945م- تحقيق الاب انستانس الكرملي ، بغداد ، 1931)
(2) ص 311 .
(1) ص 304 .
(1) طبع دار الكتب ، سنة 1946 تحقيق أحمد زكي .
(1) ص 24 – 25 .
(1) الاصطخري ، ص28 .
(1) الاصطخري ، ص 20 .
(1) الاصطخري ، ص 20
(1) لامانس ، مهد الاسلام
(2) الاصطخري ، ص27 .
(3) الاصطخري ، ص 21 .
(1) الاصطخري ، ص 25 .
(2) الاصطخري ، ص 20 .
(3) ( الهمداني ، التيجان ، ص 32، ابن خلدون ، ج2 ، ص 42 )
(1) (الاصطخري ، ص 26 .
(2) الاصطخري ، 27 .
(1) الهمداني ، صفة جزيرة العرب ، ص 140 .
(2) ص25 .
(1) الاصطخري ، ص 28 .
(1) الاصطخري ص27
(1) أخبار عبيدة بن شريه ، ص ، 314- 319 .
1) العبر ،ج2 ، ص7 .
(2) ابن خلدون ، ج2 ، ص30 .
(3) ج2 ص 7 .
(4) العبر ، ج2 ، ص46-47 .
(1) العبر ، ج2 ، ص 19 .
(2) العبر ( عن ابن سعيد ) ، ج2 ، ص 47 .
(1) زيدان ، ص 38 – 39 ، جواد علي ، ج1 ، ص 16-18 .
(1) انظر ما سبق ، ص لابن خلدون .
(1) التيجان ، ص 9-15 .
(1) ( صفة جزيرة العرب ص 3 )
(1) أنظر جورجي زيدان ، ص 40-41 ، ولمزيد من التفصيلات أنظر حسن ظاظا الساميون ولغاتهم ، ص5 وما بعدها .
(1) عبيد بن شريه ، ص 315 – 316 .
(1) انظر زيدان ، ص 52-54 ، وهامش مؤنس ، ص 55 .
(1) زيدان ، ص 65 .
(2) زيدان ، ص 69 .
(1) حسن ظاظا ، ص 34 – 37 .
(2) ( زيدان ، ص 59 )
(1) ( ظاظا ، ص 40 )
(2) ( انظر زيدان ، ص 59 ، وقارن ظاظا ،ص41 )
(1) ( زيدان ، ص 60-62 )
(2) ( أنظر ظاظا ، ص 42-43 )
(1) ( ط جامعة الاسكندرية ، 1958 )
(2) ( الاستبصار ، ص 52 )
(1) ( ص66 )
(1) انظر محمد بيومي مهران ، اسرائيل ، ص171-177 ، 225 وما بعدها .
(1) ظاظا ، ص 86 .
(2) مهران ، اسرائيل ، ص 483 .
(1) عبيد بن شرية ، ص 316-317 .
(1) عبيد ، ص325 .
(2) عبيد ، ص317 .
(1) عبيد ، ص 325 .
(2) الاستبصار ، ص 92 .
(3) زيدان ، ص 75 .
(1) عبيد ، ص 325-331 .
(2) عبيد ، ص 341 .
(3) عبيد ، 331 – 335 .
(1) ( عبيد بن شريه ، ص337 – 340 ) .
2) ( عبيد ، ص 366 )
(1) ( انظر زيدان ، ص 75 – 76 )
(1) عبيد ، ص 317-318 .
(2) عبيد ، ص 370 .
(1) عبيد بن شرية ، ص 324 .
(2) عبيد ، ص 370 .
(1) عبيد ، ص 371 .
(2) عبيد ، ص 372 .
(3) عبيد ، ص 373 .
(1) عبيد ، ص 375 – 381 .
1) عبيد ، ص 384 ، وما سبق
(2) عبيد ، ص 383 – 385 .
(1) عبيد ، ص 387 .
(1) انظر زيدان ، ص 78 .
(2) انظر زيدان ، ص 78 .
(1) عبيد ، ص 317 .
(2) عبيد ، ص 483 ، والهمداني ، صفة جزيرة العرب ، ص 161 .
1) عبيد ، ص 319 .
(2) الهمداني ، صفة جزيرة العرب ، ص 140
(3) ص 320 .
(1) صفة جزيرة العرب ، صفحة 140 – 141 .
(2) ص 161 .
(1) الهمداني ، صفة جزيرة العرب ، ص 141 ، زيدان ص 80 .
(2) عبيد ، ص 483 – 488 .
(1) ص 163 .
(2) ص 163 .
(1) ص 164 .
(1) ص 160 .
(2) الهمداني ، صفة جزيرة العرب ، ص 160 .
3) ص 141 .
(1) عبيد بن شرية ، ص 315 .
(2) ص 314 .
(3) ص 398 .
(1) عبيد ، ص 396 .
(1) كتاب التيجان ، ص 138 .
(2) عبيد ، ص 398 .
(3) ص 175 – 177 .
(1) ص 177 – 178 .
(2) ص 399 .
3) التيجان ، ص 179 .
(1) التيجان ، ص 183 .
(2) التيجان ، ص 180 .
1) التيجان ، ص 182 .
(1) التيجان ، ص 188 – 197 .
(2) التيجان ، ص 199 – 201 .
(1) التيجان ، ص 199 .
(2) التيجان ، ص 210 – 211 .
(1) جواد علي ، المفصل ، ج3 ص 27
(1) زيدان ، ص 85 .
(2) المفصل ، ج1 ، ص5 .
(3) نابيا أبوت ، الخط العربي الشمالي ، بالإنجليزية ، ص2 .
(4) زيدان ، ص 81 .
(4) زيدان ، ص 82 .
(1) انظر ظاظا ، ص 86 .
(2) انظر زيدان ، ص 84 – 85 ، 90 .
(3) جواد علي ، المفصل ، ج2 ، ص 8 .
(1) جواد علي ، ج3 ، ص 19، زيدان ، ص 85 وهامش مؤنس ص 82 .
(2) انظر زيدان ، ص 84 – 85 ، 90 .
(1) جواد علي ، المفصل ، ج2 ، ص 8 .
(2) جواد علي ، ج3 ، ص 19 ، زيدان ، ص 85 وهامش مؤنس ص 82 .
(3) زيدان ، ص 82 وهامش مؤنس ، جواد علي ، ج3 ، ص 21 .
(1) جواد علي ، ج 2 ، ص 21 – 22 .
(2) جواد علي ، ج2 ، ص34 – 35 .
(1) زيدان ، ص 82 وهامش مؤنس .
(2) انظر جواد علي ، ج3 ، ص 15 .
(3) جواد علي ، ج3 ، ص33 .
(4) جواد علي ، ج3 ، ص 39 .
(1) زيدان ، ص 88 ، جواد علي ، ج2 ، ص40 –43 .
(2) جواد علي ، ج2 ،ص45 – 46 .
(3) انظر زيدان ، ص88 ، جواد علي ، ص 47 ،ج3 ، ص55 .
(1) ج3 ، ص 40 .
(2) جواد علي ، ج3 ، ص59 – 62 .
(3) جواد علي ، ج3 ، ص48 .
(4) زيدان ، ص 88 .
(5) جواد علي ، ج3 ، ص70 .
(6) زيدان ، ص88 – 90 .
(1) انظر النقش في زيدان ، ص88 .
(2) أنظر زيدان ، ص 78، 95 .
(1) انظر فيما سبق .
(1) زيدان ، ص 99 ، جواد علي ،ج3 ،ص78 .
(2) جواد علي ، ج3 ، ص77 .
(3) انظر ظاظا ، ص 115 .
(4) انظر زيدان ، ص 105 –106 .
(1) زيدان ، ص 107 .
(2) انظر
(1) انظر زيدان ، ص 98 وهامش مؤنس ، جواد علي ، ج3 ، ص77 ،99 .
(2) جواد علي ، ج3، ص 80 – 81 .
(1) جواد علي ، ج3 ، ص 85 – 86 .
(2) انظر زيدان ، ص 99 ، وهامش مؤنس ، ص 99 .
(3) زيدان ص 99 ، وهامش مؤنس ،جواد علي ، ج3 ، ص 87.
(4) انظر زيدان ، ص 99 وهامش مؤنس ، ص 99 – 100 .
(1) زيدان ، ص 100 .
(2) زيدان ، ص 100 ، جواد علي ج3 ، ص 95 .
(3) زيدان ، ص 100 ، جواد علي ، ج 3 ، ص 97 .
(1) زيدان ، ص 107 .
(2) زيدان ، ص 101 ، وقارن جواد علي ، ج3 ، 103 .
(1) زيدان ، ص 104 ، جواد علي ، ج3 ، ص103 – 105 .
(2) زيدان ، ص 101 ، جواد علي ، ج3 ، ص 107 .
(3) زيدان ، ص 101 ، 103 ، جواد علي ، ج3 ، ص107 – 109 .
(1) زيدان ، ص 101 – 103 ، جواد علي ، ج3 ، ص 109 – 122 .
(1) جواد علي ، ج3 ، ص 127 – 129 .
(2) جواد علي ، ج2 ، ص 610 .
(1) جواد علي ، ج 2 ، ص 609-612 .
(2) جواد علي ، ج2 ، ص 612 .
(1) جواد علي ، ج2 ، ص 619 – 621 .
(1) انظر زيدان ، ص248- 250 ، جواد علي ج3 ، ص 142- 153 .
(1) ابن خلدون ، ج2 ،ص
(2) التيجان لوهب ، ص 31 .
(3) التيجان لوهب بن منية ،ص34.
1) التيجان ،ص47
(2) اخبار اليمن ص399
(1) التيجان ، ص 47 – 48 .
(2) التيجان ، ص 48 – 49 .
(3) التيجان ، ص50 .
(1) التيجان ، ص 64 .
(1) التيجان ، ص 93 – 94 .
(1) التيجان ، ص 78 – 79 .
(2) ) التيجان ، ص 131 .
(1) ) التيجان ، ص 132 – 133 .
(3) التيجان ، ص 145 .
(1) التيجان ، ص 222 .
(2) التيجان ، ص 227 .
(3) التيجان ، ص 262 وما بعدها .
(4) التيجان ، ص 296 – 297 .
(1) التيجان ، ص 306 .
(1) الاكليل ، ص 124 .
(2) انظر زيدان ، ص 130 – 131 ، جواد علي ، ج2 ، ص 73 .
(1) انظر المفصل ، ج2 ، ص73 وما بعدها وخاصة ص 78 – 79 .
(2) زيدان ، ص131 ، جواد علي ، ج2 ، ص88 –98 .
(1) جواد علي ، ج2 ، ص116 .
(1) انظر جواد علي ، ج2 ، ص 241 – 255 .
(1) التيجان ، ص276 – 278 .
(1) التيجان ، ص270. في الاصل الأسد بدل الازد .
(2) التيجان ، ص 288 .
(1) التيجان ، ص 284 – 285 .
(1) التيجان ، ص 287 – 288.
(1) زيدان ، ص 194 .
(1) جواد علي ، ج3 ، ص 355 .
(1) أخبار عبيد ، ذيل التيجان ، ص 315 .
(1) ابن خلدون ، ج2 ، ص 298 .
(2) التيجان ، ص 212 .
(3) التيجان ذ، ص 181 ، 212 ، – وقارن ابن خلدون الذي أخذ بالرواية التي تقول أن نزار هو قنص وان اولاد قنص ربيعة ومضر ، ج2 ، ص 299 .
(1) ( ج2 ، ص299 .
(2) ابن خلدون ، ج2 ، ص 336 – 337 .
(1) ابن خلدون ، ج2 ، ص 299 .
(2) التيجان ، ص 279 .
(3) التيجان ، ص181 ، 212 .
(4) التيجان ، ص 213 .
(1) التيجان ، ص 212 – 213 ، وقارن ابن خلدون ، ج2 ، ص 300 .
(2) ابن خلدون ، ج2 ، ص 300 .
(3) ابن خلدون ، ج2 ، ص 299 .
(1) جواد علي ، المفصل ، ج4 ، ص 511 .
(1) ابن خلدون ،ج2 ، ص 299.
(1) جواد علي ، المفصل ، ج4 ، ص 485 .
(1) ابن خلدون ، ج2 ، ص 331 .
(2) انظر زيدان ، العرب قبل الاسلام ، ص 275 .
(1) ابن خلدون ، ج2 ، 331- 332 .
(1) ابن خلدون ، ج2 ، ص 336 .
(1) انظر ابن خلدون ، ج2 ، ص 337 .
(1) انظر ابن خلدون ، ج2 ، ص 61- 62 .
(1) أنساب الخيل ، ص 6 .
(1) التيجان ، ص 37 .
(2) انظر لامنس ، مهد الاسلام ، ص 18 وما بعدها .
(1) في الاسماء ودور الأمومة أنظر جواد علي ، المفصل ، ج2 ، ص 518 – 526 .
(1) انظر جويدي ، بلاد العرب قبل الاسلام ، بالفرنسية ، المقالة الثانية عن التقدم الفكري عند العرب ، ص 32 وما بعدها .
(1) وكان الاوس والخزرج يعرفون عند العرب في الجاهلية باسم الخزرج . الأصنام ، ص 14 .
(1) يسرن يعني يرتفعن .
(1) هذا ولو ان المر مختلف فيه بين الكتاب ، اذ هناك روايات أخرى تجعل ذلك في منى من الحرم المكي وليس في الاقيصر على حدود الشام – الأصنام ، 8 ، ص38 وهامش 3 .
(1) الاصنام ، ص 60 –61 .
(2) انظر جواد علي ، المفصل ، ج6 ، ص 203 – 204 .
(1) جواد علي ، ج 6 ، ص 519 .
(2) التيجان ، ص 290 .
(1) التيجان ، ص 292 .
(2) الهمداني ، صفة جزيرة العرب ، ص 206 .
(1) جواد علي ، ص 534 .
(2) جواد علي ، ج 6 ، ص 523.
(3) صفة جزيرة العرب ، ص 130 .
(1) جواد علي ، ج 6 ، ص 525 وما بعدها .
(2) الهمداني ، صفة 200 ، ص 200 .
(3) الهمداني ، صفة 200 ، ص 229 .
(4) المفصل ، ج6 ، ص 529 .
(5) جواد علي ، المفصل ، ج6 ، ص 571 .
(1) بلاد العرب قبل الاسلام ، ص 32 .
(1) بلاد العرب قبل الاسلام ، ص 37 .
(1) انظر جواد علي ، ج6 ، ص 598 .
(1) جواد علي ، المفصل ، ج6 ، ص 602 – 6-3 .
(2) لامانس ، بلاد العرب قبل الهجرة ، ص 10 .
(3) وهنا يريد لامنس ان تكون كعبة نجران هي الكنيسة الرئيسية هناك ، وهذا ما لم تشر اليه المصادر العربية القديمة ، ص 17 .
(1) لامانس ، ص 26 – 27 ، 32 ، 35 ، جواد علي ، ج 6 ، ص 603 – 604 .
(2) بلاد العرب قبل الاسلام ، ص 33، 39 .
(1) زيدان ، ص 165 .
(1) الوهز يعني الحث والاسراع والدفع ، كما يقول محقق الكتاب الاب انستاس الكرمي .
(1) الاكليل ، ص82 – 83
(2) الاكليل ، ص 116
(3) الاكليل ، ص115 – 116.
(1) انظر جواد علي ، ج8 ، ص38 .
(1) جواد علي ، ج8 ، ص42 .
(1) وهب بن منية ، ص 50 .
(1) سورة سبأ ، آية 14 ، الهمداني ، الاكليل ، ص 52 .
(2) التيجان ، ص 262 .
(1) الهمداني ، الاكليل ، ص55 ، وانظر زيدان ، ص171 .
(2) صفة جزيرة العرب ، ص 80 .
(1) انظر زيدان ، ص 174 – 176 .
(1) الاكليل ، ص 73 – 75 .
(2) الاكليل ص 77 .
(1) عبد العزيز سالم ، عصر ما قبل الاسلام ، ص389 .
(1) انظر جواد علي ، ج8 ، ص29 – 30 .
(1) انظر عبد العزيز سالم ، العرب قبل الاسلام ، ص530 – 561 .
(1) الحوب يعني التوجع
(1) جواد علي ، ج8 ، ص60 .
(2) جواد علي ، ج8 ، ص63 .
(1) جويدي ، العرب قبل الاسلام ، ص51-52 .
(1) جويدي ، ص52 – 53 ، 88 .
(1) جواد علي ، ج4 ، ص 96 – 98 .